الخميس، 28 مايو 2009

اللغة ودورها في تحديد أولويات التنمية

من المعروف لدى أخصاء التربية أن العلوم الإنسانية والأدبية عادة ما ترتبط بالمجتمعات التي تنشأ فيها، ولذا فإنها من الصعب أن تنقل من حضارة إلى أخرى دون أن يظهر عدم ملائمتها للحضارة المستوردة. وقد سجل التاريخ الآثار السلبية التي تركتها الفلسفة اليونانية على فكر الكثير من بعض المسلمين في عصور الإسلام الأولى، كما نعلم جيدا أن المفاهيم الحديثة المستوردة من الغرب مثل الاشتراكية والحداثة وما بعد الحداثة لا تزال غير مستساغة عندنا لأنها لا تناسب في مجملها طبيعة مجتمعاتنا. ولذا فإننا نجد أن العلوم الإنسانية والأدبية في عصرنا هذا معربة في أغلبها في الدول العربية، إذ أنها غالبا ما تدرس بالعربية، وإن لم تخلو من الكثير من النظريات الغربية التي يظهر عدم ملائمتها لمجتمعاتنا عند قراءتها باللغة العربية.

أما بالنسبة للعلوم الطبيعية، وهي محور هذا المقال، فإن جلها مرتبط بقوانين ثابتة يكمن تعميمها على كل بلاد المعمورة، فالجاذبية قانون لا يتغير بتغير المكان، والعناصر المكونة للهواء هي ذاتها سواء في الشرق أم في الغرب.ولذا فإن الكثيرين يظنون أن العلوم الطبيعية يمكن تلقيها بأية لغة، طالما أن الدراس لها يتقن اللغة المستخدمة في تدريسها سواء كانت لغته الأم أم لغة أجنبية.

إن نظرة مثل تلك المذكورة أعلاه فيها شيء من الصحة من الناحية النظرية، ولكن الثابت أن هناك العديد من الصعوبات التي تحول بيننا وبين جني فائدة استخدام اللغات الأجنبية في تدريس العلوم الطبيعية. ومن تلك الصعوبات أن أغلبنا لا يمكنه أن يتقن لغة كالإنجليزية أو الفرنسية كإتقانه للعربية، مما يؤدي إلى صعوبة في الفهم وعدم رغبة في الاطلاع على ما هو غير مقرر. ناهيك أن الاعتقاد بأن العلوم الطبيعية ليست لها صلة بثقافة المجتمعات التي تنشأ فيها أمر يصعب تصديقه، وما دارون عنكم ببعيد.

لكن إحدى أهم المشاكل التي تنشأ جراء التدريس بلغات أجنبية في بلادنا العربية هي تلك المشاكل المتعلقة بأولويات التنمية في بلادنا العربية. فاستخدام لغة مثل الإنجليزية لغة لتدريس الطب والهندسة في الكثير من الدول العربية يستلزم استعمال مراجع مستوردة من أمريكا وبريطانيا يقول الكثيرون أنها تحتوي على أحدث النظريات والتطبيقات. وبعد أن ينتهي طالب العلم من اكتساب العلوم الكائنة بتلك الكتب، إن أسعفته إنجليزيته إلى ذلك، فإنه من المفترض أن يستخدم العلم الذي اكتسبه في تنمية بلاده عن طريق البحث العلمي. وهنا تزداد المشكلة تعقيدا، إذ أن أولويات البحث العلمي تختلف من بلد لآخر، فدولة مثل أمريكا تطور عقاقير لمكافحة السمنة والشيخوخة، بينما يعاني بلد مثل السودان من أمراض كالملاريا والسحائي. وقد يطور بلد مثل سويسرا أو اليابان أدوية لعلاج الملاريا في السودان أو غيره من الدول الأفريقية، ولكن فقر تلك الدول يجعل مسألة جني أرباح من تسويق تلك الأدوية أمرا صعب المنال، مما يجعل الدول الغنية تحجم عن الإنفاق السخي على تطوير مثل تلك العقاقير.

ويعرف الكثير من العاملين في المجال الأكاديمي أنه يجب على من يريد أن ينشر بحثا في مجلة علمية أمريكية ذات مكانة رفيعة أن تكون مواضيع بحثه موافقة لاهتمامات تلك المجلة حتى وإن لم تكن تلك المواضيع ذات صلة بمشاكل بلد الباحث الأجنبي. وكثير من المجلات العلمية المرموقة يسيطر عليها مجموعة من الباحثين الغربين الذين ينتمون لمدارس فكرية معينة لا تسمح بالاختلاف إلى في حدود معينة، وهذه قاعدة غير مكتوبة ولكنها مفهومة ضمنيا. ولذا فإننا نجد بعض الباحثين مضطرين لمسايرة أجندة تلك المجلات علهم يستطعون نشر أبحاثهم والحصول على ترقية أو دعوة للتدريس في إحدى الجامعات بالخارج.

إن تعريب العلوم الطبيعية في بلادنا العربية تعريبا شاملا لن يؤدي في الغالب إلى تغيير قوانين الطبيعة، ولكنه حتما سوف يساعد على التركيز على أولويات التنمية لدينا. فمن تعلم بالإنجليزية أو الفرنسية غالبا ما سوف يكون مرتبطا بما كتب بهما، مما يؤدي إلى جعل اهتماماته تتمحور حول قضايا الغير دون قضاياه، وإلى البحث عن حلول لمشاكله عند الآخرين حتى وإن لم تكن تلك الحلول مناسبة، وخصوصا إذا كان منبهرا بالغرب، وما أكثر هؤلاء.

وباختصار فإن تعريب العلوم الطبيعة سوف يجعل الطالب والأستاذ والباحث العربي مرتبطا بصورة أكبر بهموم ومشاكل بلده، مما سوف يشكل حافزا أكبر لحل تلك المشاكل، ولو بعد حين.

الجمعة، 22 مايو 2009

لغة الله!!

في إحدى المرات كنت مع أحد الأصدقاء نتنقل بين قنوات الإذاعة في ماليزيا علنا نجد شيئا يستحق الإنصات، فإذا بنا نجد برنامجا في إحدى القنوات ذات الطابع الديني عن اللغة العربية. وكان مقدم البرنامج يتحدث عن فضل اللغة العربية ويستقبل اتصالات من بعض الماليزيين الناطقين بها، والذين كانوا يجتهدون في الإجابة على سؤال طرحه مقدم البرنامج وهو: لماذا نتعلم اللغة العربية؟ وكانت الإجابات تصب في معظمها في الإطار الديني للغة العربية، فهي وكما أكد الكثير من المستمعين لغة القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام ولا يتأتى فهم الدين فهما عميقا بدونها. وبينما نحن نستمع إلى البرنامج إذ اتصلت إحداهن وقالت أنه يجب تعلم العربية لأنها لغة الله!

فهل لله جل جلاله لغة خاصة؟ أليس هو تعالى بكل شيء محيط؟ أليس العالم بالعربية هو ذاته خالق كل ما في الكون من لغات وكائنات وأشياء؟ بأي لسان كلم الله موسى عليه السلام؟

لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نتهم المستمعة الماليزية بالجهل أو بأية تهمة أخرى، فهي من فرط حبها للعربية ظنت أنها أنها لغة الله عز وجل. وهي بذلك لا تختلف عن العديد من المسلمين، وخصوصا من غير العرب. ولكن ماذا عن لغة الله سبحانه وتعالى؟ من خلال بحث بسيط على الانترنت وجدت مقالا لأحد الأساتذة الأجلاء العرب بعنوان "العربية لسان الله تعالى، نزَّل بها آدم عليه السلام"، وفيه يؤكد الكاتب أن العربية لغة الله ولغة الأنبياء الأول، وهي بذلك حتما أصل اللغات جميعا.

قد يختلف أحدهم أو يتفق مع بعض الآراء التي تقول أن العربية أول وأفضل اللغات، وأقدرها على التعبير وأكملها من حيث المعاني والتراكيب والأصوات، وكل تلك الفرضيات قابلة للتأكيد أو التفنيد أو التصحيح حسب الأدلة والشواهد التاريخية والدراسات التي تعنى بمقارنة اللغات. ولكن الثابت أن كل هذه الأقوال سواء ثبتت صحتها أم لم تثبث تعطي مفعولا عكسيا. فبدلا من استنهاض الهمم وتقوية العزائم تؤدي تلك الأقوال إلى اتخاذ أبناء العربية السكون والركون ظهيرا لهم، فلا يكلفون أنفسهم عناء الدفاع عن العربية ولا دعمها ولا التمكين لها، ظنا منهم أن العربية لغة خارقة ذات قوة إعجازية لا تحتاج إلى بشر ينافحون عنها!!

إن الهدف الأصلي من الكتابات التي تقول بقوة العربية من الناحية اللغوية وتفوقها من تلك الناحية على باقي اللغات وفضلها المرتبط بالإسلام هو إعطاء عرب اليوم ثقة بالنفس ودفعة معنوية تجعلهم يقدرون لغتهم ويدافعون عنها، ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو أننا حين نقرأ تلك الكتابات يصيبنا شعور بالتراخي والخمول ولسان حالنا: إن للعربية رب يحميها.

إن على المدافعين عن اللغة العربية والداعين إلى إعطائها حقها الطبيعي في مجتمعاتنا أن يستخدموا العقل والمنطق والمنهج التجريبي في بيان أهمية التمكين لها، وأن يتركوا ولو لحين الأقوال التي تقول بتفوقها الذاتي، فاللغة لا تعلو بدون علو أصحابها وأصحابها لن يرفعوا من شأنها إلا إذا فهموا أهميتها في حياتهم من حيث أنها لغتهم الأم ويجب عليهم أن يطوروها سواء كانت لغة القرآن او لغة الشيطان. وكما يقول الدكتور حسام الخطيب فإنه "حتى لو كانت اللغة العربية -على سبيل الافتراض- أقل غنى في بعض النواحي وأرقى مقدرة في نواحٍ أخرى، فهي أولاً وآخراً لغتنا، وهي نحن ونحن هي، وعلينا أن نتمسك بها دون مراء أو مفاضلة أو مقارنة بغيرها، ذلك أن اللغات أشبه بالأوطان فلا تعار ولا تستبدل."

الخميس، 14 مايو 2009

التشبه اللغوي

عندما يتحدث البعض عن تأثير لغات كالإنجليزية والفرنسية على اللغة العربية وما ينتج عن ذلك من لغات هجينة كالعربيزي والعرنسية يسارع كثير من المعلقين والمحللين إلى الاستشهاد بما ذكره ابن خلدون عن تشبه الغالب بالمغلوب إذ يقول:

"إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها وصار اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء. أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، إنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب، تغالط أيضاً بذلك عن الغلب".

إن المتأمل لكلام ابن خلدون يمكنه أن يرى بوضوح أن تشبهنا بغيرنا لن يساهم في انتشالنا من حالة التخلف التي نعاني منه على مختلف الأصعدة، وذلك لأن أسباب النهوض والتقدم لا صلة لها بشكل المنتصر أو أزيائه أو لغته بقدر ما هي مرتبطة بعوامل أخرى مثل الأخلاق الحميدة والقيادة الحكيمة والانضباط والقدرة على التجديد والإبداع إلى غير ذلك من عوامل صعود الحضارات وتقدمها.

وإذا عدنا إلى موضوع اللغة فإننا نلاحظ أن التشبه اللغوي بالغير، بعكس العديد من ضروب التشبه الأخرى، أمر يصعب إتقانه، وذلك لأن اللغة بطبيعتها بحر واسع من التراكيب النحوية والدلالات اللفظية والمخارج الصوتية التي يندر أن يتمكن شخص بالغ من اكتسابها بدرجة يتساوى فيها مع من يتحدثها منذ الصغر. والخلاصة هنا أن فشل التشبه اللغوي أمر يكاد يكون حتميا إلا في بعض الحالات الشاذة التي لا يمكن تعميمها.

ويحضرني هنا مثال على فشل التشبه اللغوي عند العرب، ففي حوار تلفزيوني مع أحد المسؤولين العرب سأل المحاور ضيفه عن تقييمه لأداء وزارته، فأجاب المسؤول بأن الأداء كان
susfying
وهي كلمة على حد علمي لا توجد في اللغة الإنجليزية، إذ كان ما قصده
satisfying
أي أن أداء وزارته كان مرضيا. وتلك هي إحدى عواقب التشبه اللغوي.

من المهم إذن أن ندرك أنه من اليسير نسبيا أن نلبس ونقص شعورنا مثل الأمريكان حتى نصبح نسخا مطابقة لهم. أما أن نتشبه بهم لغويا فهذا أمر ينبغى علينا أن نتركه جانبا، لأننا مهما حاولنا أن نجيد التقليد فلن نصل إلى مستوى إنجليزيتهم على نفس النحو الذي لا يمكنهم من بلوغ مستوى إجادتنا للعربية، فالتشبه اللغوي قلما يكون صاصفاينغ.

الأحد، 3 مايو 2009

في منافع تعلم اللغات الأجنبية

ما فتئت منذ أن أنشئت هذه المدونة أهاجم اللغات الأجنبية وخصوصا اللغة الإنجليزية ودورها في الكثير من الدول العربية وغيرها من دول العالم. ولذا فقد قررت في هذا المقال أن أعدد بعضا من منافع تعلم اللغات الأجنبية، حتى أوضح أن مسألة اللغة ليست على طريقة عادل إمام: يا أبيض يا أسود، أي أنها ليست إما تعريب كامل وانغلاق أو تغريب شامل وانبطاح.

يعتبر الاطلاع على النتاج الفكري والعلمي لدى الأمم الأخرى من أهم ما يمكن أن يحصده المتقن للغة أجنبية، فإجادة لغة أجنبية يتيح لنا الاستفادة من علوم الآخرين والتعرف على التطورات الحاصلة في البلاد الأخرى وقياس مدى تخلفنا أو تقدمنا على تلك البلاد.

كما يمكننا فهم لغات الآخرين من معرفة مجتمعاتهم وأنماط تفكير شعوبهم، وذلك حتى نعرف كيف نتعامل مع الأمم الأخرى وكيف ننظم علاقاتنا السياسية والاقتصادية بطريقة نستطيع بها الحفاظ على حقوقنا عند التعامل معهم.

ويفيد إتقان اللغات الأجنبية أيضا الأفراد الذين يسافرون إلى بلدان أخرى ويريدون التواصل مع أهل تلك الدول دونما الحاجة إلى ترجمان أو وسيط.

وهناك منافع أخرى يجنيها متعلم اللغات الأجنبية مثل زيادة وعيه بتراكيب ومعاني ونطق لغته الأم وغير ذلك من الفوائد. ولكن هناك عدة أسئلة جوهرية يجب أن يتم طرحها قبل اختتام هذا المقال، ألا وهي:

ماذا جنينا جراء تعلمنا اللغات الأجنبية؟

إذا كنا نقرأ، هل نقرأ بتللك اللغات؟ وإذا قرأنا بها، ماذا نقرأ؟ أنقرأ أشياء مفيدة أم عديمة الفائدة أم مضرة؟ هل لدينا القدرة على التمييز بين هذه الأصناف الثلاثة؟

هل نتواصل مع الغير بلغاتهم؟ وإذا كنا نفعل ذلك فمن أجل أي غرض؟ هل نتواصل معهم لفهم مجتمعاتهم وأسباب اختلافها عن مجتمعاتنا؟ هل ندخل غرف الدردشة لديهم للتعرف على ثقافاتهم أم للإيقاع بفتياتهم؟

هل يسافر السائح العربي المتحدث بالإنجليزية أو الفرنسية إلى بريطانيا أو فرنسا لزيارة المتاحف أم المراقص؟ هل يستخدم مهاراته اللغوية لاستكشاف الثقافات أم للبحث عن العاهرات؟

الله أعلم.

السبت، 18 أبريل 2009

مخدرات لغوية

يعد التحدث بلغات أجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية في البلاد العربية من الوسائل التي يحاول أن يثبت بها البعض أنه على قدر كبير من العلم والثقافة وأنه ابن بطوطة العصر الحالي الذي صال وجال في أنحاء المعمورة، إذ كثيرا ما نشاهد في التلفاز بعض أبناء العربية الذين يتحدثونها مخلوطة بالإنجليزية أو بالفرنسية بقصد أو بدون قصد. ويمكن لنا أن نعتبر هؤلاء الأشخاص جناة ومجنيا عليهم في آن واحد، فهم جناة لأنهم يشوهون اللغة العربية بكلمات لا داعي لها لأن لها نظائر بالعربية، كما أنهم مجني عليهم لأن التغريب والاستعمار الثقافي قد تمكن من عقول الكثير منهم حتى أضحى الفرد منهم لا يقوى على التعبير عما بدواخله دون اللجوء إلى بعض الكلمات والمفاهيم غير العربية. وللأسف فإن الكثير منا متورط في ذلك التشويه اللغوي الذي نتج عن تلقي الكثير منا علومه بلغة أجنبية، وخصوصا في المرحلة الجامعية.

والأدهى والأمر أنك تجد في بلادنا العربية من لا يحسن لغة أجنبية كالإنجليزية ولا يعرف منها إلا القشور ومع ذلك تجد كلامه هجينا لا هو بعربي خالص ولاهو بإنجليزية سليمة. وهذه الفئة الأخيرة تجدها محرجة إذا ما اضطرت إلى التحدث مع شخص لا يعرف العربية، إذ نرى في كثير من الأحيان بعض الأشخاص الذين كنا نظنهم فقهاء في اللغة الإنجليزية بسبب الكلمات الإنجليزية التي يحشرونها في حديثهم بالعربية يتأتئون في حديثهم بالإنجليزية ويرتكبون من الأخطاء ما يندى له الجبين.

إذن لماذا يدخل البعض منا بعض الكلمات الأجنبية في حديثه حتى وإن كان لا يتقن اللغة التي يستجدي منها تلك الكلمات؟

الإجابة تكمن في الإحساس الذي تعطيه تلك الكلمات لمستخدميها، إذ يشعر الكثير منا عندما يستخدم الكلمات الأجنبية أنه متحضر ومتعلم ومثقف حتى وإن لم يكن كذلك. ويمكن لنا أن نعتبر هذا الإحساس الكاذب بالتقدم والتطور بمثابة مخدر لغوي يجعل مدمنه يشعر بالرفعة والتميز الوهميين.

إن استخدامنا اللغة العربية في جميع مناحي الحياة في بلادنا العربية سوف يمكننا من التخلص من تلك المخدرات اللغوية التي تكاد تفكتك بأذهاننا، وذلك لكي نستطيع أن نرى الأمور على حقيقتها دون تزييف ونتمكن من أن نخطو خطوة ولو متواضعة نحو تحديد أسباب تخلفنا الحقيقية والتي لا يمكن لاستخدام القشور من لغات أجنبية مثل الإنجليزية أو الفرنسية إلا أن تزيدها تعقيدا.

الأربعاء، 1 أبريل 2009

الفرنكوفونية في المغرب: مشكلة محلية لا تحلها إلا العربية

تتعالى بعض الأصوات التي تهاجم تغلغل اللغة الفرنسية في المغرب قائلة أن تفشي استخدام الفرنسية في القطاعين العام والخاص في المغرب مضر بالبلد لأن ذلك يحرم المغاربة من التواصل مع باقي دول العالم التي لا وجود للفرنسية فيها. ولذا فإن تلك الأصوات تنادي بأن تعطي اللغة الإنجليزية حيزا حتى يتمكن المغرب من التواصل مع الغير فرنكوفونيين وحتى يستطيع المغاربة الخروج من فلك الفرنكوفونية الضيق إلى فضاء العالم الرحب. فهل هذه حجة مقنعة للإطاحة بالفرنسية من عرشها الواهي؟

إن مشكلة تغلغل الفرنسية في المغرب مشكلة داخلية أكثر من كونها مشكلة خارجية، وذلك لأن الفرنسية تستخدم في المغرب، على حد علمي، لإنجاز الكثير من المعاملات الداخلية بين أبناء المغرب أنفسهم دون أن يكون أي فرنسي طرفا في تلك التعاملات. فحسب ما شاهدنا في البرنامج الذي بثته الجزيرة عن الفرنكوفونية في المغرب، فإن عددا كبيرا من الوزارات المغربية تتعامل مع المواطنيين بالفرنسية والتي لا يجيدها إلا عدد بسيط من مجموع سكان البلد.

وبما أن الفرنسية تزاحم اللغة العربية في مجالات يفترض ألا يستخدم فيها غير العربية بحكم أنها اللغة التي يجيدها غالبية المغاربة سواء كانوا عربا أم أمازيغا، فإن تحطيم قيود الفرنكوفونية في المغرب يكمن في فرض اللغة العربية وتمكينها من ملء أي فراغ لغوي على المستوى المحلي. أما من ينادي بإعطاء اللغة الإنجليزية حيزا بدلا من الفرنسية فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار، لأن تفشي الفرنسية في المغرب مشكلة محلية لا خارحية كما ورد آنفا، ولأن الإنجليزية أشد خطورة على العربية من الفرنسية، وهي لغة يعاني من تسلطها المشارقة الأمرين.

ولذلك فإن على المدافعين عن إحلال اللغة العربية محل الفرنسية في المغرب أن ينتبهوا من تبني أي حجة لا تصب في نهاية الأمر في خدمة اللغة العربية، وذلك حتى لا نخرج من فخ الفرنسية إلى بئر الإنجليزية الذي لا قرار له.

الأحد، 22 مارس 2009

متى نتعلم لغة أجنبية؟

قرأت منذ فترة دراسة عن تدريس اللغة الإنجليزية في المملكة العربية السعودية للباحث عبد الله بن سالم الشمري لفت نظري فيها ما أورده الكاتب من عدة حقائق، والتي من أهمها أن الطالب يبدأ بتعلم اللغة الإنجليزية في المرحلة المتوسطة وحتى المرحلة الثانوية، أي لمدة ستة أعوام. ثم يعيد الطالب تعلمها في الجامعة وذلك لأن أغلب ما درسه من لغة إنجليزية في المدرسة يكون قد ذهب أدراج الرياح. ولهذا يتسائل الكاتب عن جدوى تدريس اللغة الإنجليزية لمدة ست سنين إذا كان غالبية الطلاب ينهون دراستهم الثانوية وهم لا يفقهون شيئا من تلك اللغة لدرجة أنهم يحتاجون أن يتعلمونها من جديد.

قد يتكرر السيناريو المذكور أعلاه في الكثير من الدول العربية، ولذا فإن علينا أن نتسائل عن جدوى تدريس اللغات الأجنبية في المدارس، وخصوصا في المرحلة الإبتدائية. وقد يقول البعض أن الطفل يتمكن بطبعه من تعلم أي لغة وإتقانها إذا تلقاها في سن مبكرة، ولذلك وجب تدريسه اللغة الأجنبية مبكرا، وهذا قول فيه لبس كبير، إذ أن الطفل مجبول على تعلم أي لغة وإتقانها إذا كان يعيش في محيط تستخدم فيه تلك اللغة استخداما طبيعيا كما يحدث مع اللغة الأم. أما تدريس اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأجنبية فإنه يتم في الغالب في محيط لا يتعدى في أحسن الأحوال جدران الفصل وبطريقة تختلف اختلافا كليا عن الطريقة التي يتعلم بها الطفل أي لغة تعلما مباشرا من المحيط المستخدمة فيه.

إذن، يتضح لنا أن تدريس اللغات الأجنبية في أغلب البلاد العربية يجب أن يؤخر إلى مرحلة ما بعد المدرسة، حيث يجب أن يدرسها من يحتاجها بالفعل ومن سيستخدمها استخداما فعالا ومكثفا بمجرد أن يتعلم أساسياتها. أما من لا حاجة له بلغة أجنبية فإن من الظلم فرضها عليه وإضاعة وقته ومجهوده في تعلم ما لن يستفيد منه. ولكي يتم ذلك يجب على الدول العربية ان تهتم بالتعريب في كل المجالات، وخصوصا التعليم الجامعي والقطاع الخاص، حتى يستطيع الإنسان العادي أن يحيا حياة عادية دون الحاجة إلى استعمال لغة أجنبية.

وهنا يحضرني خبر قرأته عن إحدى الجامعات الحديثة في السعودية والتي أرادت أن توظف مدرسين ومحاضرين في مواد الشريعة وعلوم اللغة العربية مشترطة على الراغبين بالتقديم على تلك الوظائف إتقان اللغة الإنجليزية. فما حاجة مدرس أو محاضر في المواد الشرعية بلغة الأنجلوساكسون؟ ولماذا يجب على شخص سيدرس علوم اللغة العربية في بلد عربي أن يتقن اللغة الإنجليزية؟ الله أعلم.

الثلاثاء، 10 مارس 2009

التعريب والعلوم الطبيعية

جلست في إحدى المرات مع أحد أصدقائي وأخذنا نتناقش في مسألة التعريب والعوائق التي يمكن أن تواجهنا إذا أردنا أن نقوم بها، حيث أوضح صديقي أن تعريب العلوم الإنسانية والآداب أمر سهل لأن تلك العلوم مرتبطة بثقافاتنا وتعنى بأمور تخص مجتمعاتنا. وقد أيدت ما قاله مؤكدا له بأن تلك العلوم، على حد علمي، يتم تدريسها بالعربية في أغلب الدول العربية. ولكن عندها أشار صديقي إلى أن تعريب العلوم الطبيعية من رياضيات وهندسة وطب وعلوم الحاسب الآلي أمر صعب لأن تلك العلوم في الغالب ليست مرتبطة بثقافة معينة، فما يسري على الهندسة في الغرب يسري على الهندسة في الشرق، والفرق الوحيد هو أننا متخلفون عن الدول الرائدة في تلك المجالات بعشرات لا بل بمئات الأعوام. ولهذا السبب فإنه لا مفر من تعلم العلوم الطبيعية باللغات الأجنبية حتى نتمكن من اللحاق بركب الدول المتطورة. فهل هذه سياسة حكيمة؟ هل صحيح اننا لا يمكن ان نتعلم تلك العلوم بالعربية؟

أولا علينا أن ندرك أن التدريس بالعربية لا يعني بالضرورة نبذ اللغات الأجنبية والعلم الذي يكتب بها، حيث يمكننا أن نعلم ونتعلم بالعربية ونقرأ أيضا كتبا بالإنجليزية والألمانية والروسية واليابانية، فلا يجب ان يكون التدريس بالعربية وتعلم اللغات الأجنبية والاستفادة منها أمرين متنافرين، إذ يمكن الجمع بينهما لمن أراد ذلك.

أما ثانيا فإنه ينبغي علينا أن ندرك أن تعريب العلوم الطبيعية أمر ليس بالمستحيل، وذلك لأننا إذا أمعنا النظر في تلك العلوم وجدناها تتكون من جزئين، أولهما نظريات ثابتة نسبيا يسهل تعريبها نظرا لإمكانية حصرها. أما الجزء الآخر من تلك العلوم فهو الجزء التطبيقي وهو الجزء الأكبر والذي يصعب بالفعل ترجمة وتعريب كل ما كتب فيه بسبب كثرة تطبيقات العلوم الطبيعية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نحتاج بالفعل إلى ترجمة كل الأعمال التي وضعت في تطبيقات العلوم الطبيعية؟ هل نحن في حاجة لترجمة جميع ما كتب عن الآلة الكاتبة في عصر الحاسوب؟ ما فائدة معرفة كل ما كتب عن التلغراف في عصر النت والهاتف المحمول؟

إن أي نهضة علمية ننشدها في مجال العلوم الطبيعية تسلتزم أن نعرب النظريات الأساسية في تلك العلوم بالإضافة إلى آخر ما توصل إليه الآخرون من تطبيقات ومن ثم محاولة تطويرها. ومن المهم أيضا ان نعي حقيقة أننا لا نحتاج إلى تعريب كل تلك التطبيقات، إذ يجب علينا أن ننتقي ما يناسبنا ويناسب احتياجاتنا ومن ثم نقوم بتعريبه. وبهذا يتضح لنا أن ما ينبغي علينا تعريبه من العلوم الطبيعية أقل بكثير مما يتوهمه البعض الذين دفعهم اليأس والروح الانهزامية إلى رؤية المعوقات دون الحلول.

وفي الختام فإنه حري بنا أن نكون مدركين لحقيقة مهمة جدا، ألا وهي أن التدريس بالعربية في بلادنا يجب أن يكون أمرا واقعا انطلاقا من حقيقة أن الطالب يتلقى العلم بلغته الأم أفضل بكثير من تلقيه لها بلغة أجنبية لا يمكن أن يحسنها كإحسانه للغته الأم. وللمعلومية فإن أغلب البلدان على وجه المعمورة تدرس العلوم بلغاتها المحلية، وهي سمة غالبة على الدول المتقدمة التي نحلم أن نكون مثلها، فلماذا لا نقلدهم في ذلك؟!

الثلاثاء، 24 فبراير 2009

التعريب وإشكالية الترجمة

يعتبر بعض المعارضين لاستخدام اللغة العربية في مراحل التعليم العليا في الدول العربية أن معضلة الترجمة هي أكبر عائق يحول بيننا وبين تعريب التعليم الجامعي في البلاد العربية، حيث عادة ما يؤكدون أن اللغات الأجنبية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية هي لغات العلم وأن استخدام العربية في التعليم يستلزم ترجمة الكم الهائل من العلوم المكتوبة بتلك اللغات إلى اللغة العربية، وهذا أمر مكلف ماديا ويحتاج إلى الكثير من الوقت والكفاءات العلمية حتى يتم إنجازه. فهل هذا أمر صحيح؟

للإجابة على السؤال المطروح أعلاه علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا جوهريا آخرا، ألا وهو: هل نحتاج أن نترجم كل ما يكتب بغير العربية؟ بل هل نحن في حاجة أصلا إلى كل العلوم التي تكتب باللغات الأجنبية؟ هنا سنجد أن العقل السليم والذهن الصافي سوف يردان بالنفي على هذين السؤالين، وذلك لأن ليس كل مايكتبه الغير مفيد لنا، بل على العكس فإن ما يأتينا من الغير من علم قد يكون ضرره أكبر من نفعه. وحتى وإن لم تكن علوم الغير مضرة فإنها قد لا تناسب احتياجتنا التنموية ولا أولوياتنا الاجتماعية، فما أهمية أحدث نظريات الإدارة في بلدان لا يهتم الكثير من مدراء شركاتها بأبجديات الإدارة ولا يعترفون إلا بفيتامين واو؟

إن نقل علوم الآخرين عن طريق الترجمة يجب أن لايكون عملية اعتباطية، وذلك لأننا يجب أن يكون لدينا معايير ومبادئ عامة نابعة من عمق مجتمعاتنا واحتياجاتنا نتمكن من خلالها من انتقاء الصالح الذي يستحق الترجمة وإهمال الطالح الذي لا يمكن أن يعود علينا بأي نفع. وعليه فإننا إذا عملنا بقاعدة "أولى لك فأولى" فإننا سنجد أن مسألة ترجمة العلوم إلى العربية لن تشكل عائقا إلا إذا افترضنا أن تعريب التعليم الجامعي يستلزم ترجمة كل مايكتبه غير العرب، وهذا أمر مخلف للواقع.

وأخيرا فإن من الواجب علينا أيضا ألا ننسى أن ناقل العلم ليس كصانعه، فأي نهضة علمية تحتم علينا تأليف الكتب بأنفسنا أكثر من ترجمة كتب الغير. فالمترجم لا يجب أن يشكل إلا جزءا يسيرا مما تحتويه مكتباتنا، أما الباقي فيجب أن يكون من صنع أيدينا، حتى لا نكون إمعة واقعين تحت رحمة ما يكتبه الآخرون لأنفسهم لا لغيرهم.

الأحد، 21 ديسمبر 2008

كيف نستفيد من اللغة الإنجليزية؟

كثيرا ما أدخل في مناقشات وجدال لاينتهي مع العديد من أصدقائي حول أهمية اللغة الإنجليزية، حيث ينبهني الكثير منهم إلى أن اللغة الإنجليزية لغة العلم. فعل هذا أمر صحيح؟

أود أن أؤكد أولا أنني لست ضد اللغة الإنجليزية، فهي لغة أستفيد منها أنا والكثيرون غيري، وخصوصا في المجال العلمي، وهي بحق لغة علم، ولكنها ليست لغة العلم كله، فهناك الكثير من العلم النافع المنشور بلغات أخرى كالروسية و اليابانية والألمانية والفرنسية والصينية والأسبانية والعربية والبرتغالية والفارسية. ولا يجب على طالب العلم معرفة وإتقان كل تلك اللغات، ولكن كل حسب تخصصه، فالألمانية والفرنسية مهمتان في الفلسفة، والروسية في علوم الفضاء، والصينية في الطب الصيني التقليدي، والعربية في علوم الشريعة الإسلامية المختلفة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيفية الاستفادة من الإنجليزية وغيرها من اللغات الأجنبية التي تحوي علما نافعا. هل يمكننا التدريس بلغة أجنبية كاللغة الإنجليزية في جامعاتنا من الاستفادة من العلم الغزير المنشور بتلك اللغة؟

هنا ينبغي علينا أن نفرق بين ثلاثة أمور رئيسية في عملية التعليم، ألا وهي:
١- تعلم شخص بمفرده لعلم من العلوم.
٢-تعليم هذا العلم للغير.
٣- إتيان هذا الشخص بشيء جديد في ذلك العلم عن طريق الكتابة والتأليف.

إذا نظرنا إلى تلك المراحل الثلاثة لوجدنا أن الاستفادة من اللغات الأجنبية تكون في المرحلة الأولى فقط، حيث يستخدمها طالب العلم للنهل من العلم الموجود بتلك اللغات، والذي غالبا ما لايكون متوفرا في لغته الأم. وبهذا تكون اللغة الأجنبية مصدرا مفيدا للعلم بحيث يقوم الدارس بأخذ الصالح الموجود في ذلك المصدر وترك الطالح.

أما المرحلتين الثانية والثالثة فهما مرحلتا إنتاج للعلم، حيث يقوم المدرس في المرحلة الثانية بإيصال معلومات بعينها إلى طلاب العلم عن طريق إعادة صياغة واعية للعلم الذي اكتسبه من المصادر المكتوبة باللغة الأم وباللغات الأجنبية. كما تتم في المرحلة الثالثة عملية إنتاج شيء جديد يضاف إلى العلم الموجود مسبقا. وفي هاتين المرحلتين يجب علينا أن نستخدم لغتنا الأم لأنها تمكننا من إيصال المعلومات بصورة أوضح وأدق ولأننا أقدر على الكتابة والتأليف بها من القيام بذلك بلغة أجنبية. وخير مثال على ذلك المستشرقون الأوروبيون الذين درسوا الحضارات الشرقية مستخدمين لغات كالعربية والفارسية والهندية والتركية والصينية وغيرها كأدوات تمكنهم من فهم ثقافات الشرق. فأعمال هؤلاء المستشرقين كتبت بالألمانية والفرنسية والإنجليزية والهولندية والإيطالية وغيرها من لغات أوروبا حتى يتمكن أولئك المستشرقون من إيصال المعلومات إلى طلاب العلم، ولأن المستشرقين كانوا يعون تماما أن الكتابة باللغة الأم أسهل وأكثر فعالية من الكتابة باللغة الأجنبية، حتى أن دارسي اللغة العربية منهم كتبوا عن اللغة العربية ونحوها وصرفها بلغاتهم لا باللغة العربية.

ومن هنا نجد أن السياسات التعليمية التي تفرض التعليم بلغة أجنبية سياسات مخالفة للمنطق الذي يملي علينا أن نتقن لغة أجنبية لكي ننهل من العلم المكتوب بها، لا لكي ندرس ونكتب بها. ولذا فإن الاستفادة من اللغة الإنجليزية أو غيرها من لغات العلم الأجنبية لاتتأتى من استعمالنا لها في مهارتي الكلام والكتابة بقدر ما تتأتى من استخدامنا لها في مهارتي القراءة والاستماع بحيث يتمكن الدارس من قراءة كتاب بالإنجليزية أو سماع محاضرة ألقيت بها.