الثلاثاء، 30 يونيو 2009

ثقافات الآخرين عائقا للتقدم

جلست بالأمس مع أحد الأصدقاء نتناقش حول مشكلة يواجهها، وهي أن صديقي يدرس اللغة الإنجليزية في معهد لغات تابع لجامعة إسلامية، والمشكلة أنه يريد ترك ذلك المعهد لأنه يركز كثيرا على قواعد اللغة دون الاهتمام بالمحادثة، ولكنه يخشى أن يذهب إلى معهد آخر فيه بعض الممارسات التي لا يريد بصفته رجلا ملتزما بالدين القيام بها.

حاولت إقناع صديقي بالقول أنني شخصيا لا أمانع في أن أشاهد فيلما أو استمع إلى أغنية في سبيل أن أتعلم لغة أجنبية، وذلك لأنني أصلا استمع إلى الأغاني وأشاهد الأفلام. أما الممارسات الأخرى التي قد يقوم بها أحدهم أو إحداهن في الفصل فإني لست ملزما بالمشاركة فيها طالما أنها لا تتفق مع عقيدتي وأخلاقي، حتى وإن صنف تصرفي هذا من قبل المبشرين بالتعايش ودعاة الانبطاح على أنه انغلاق وتحجر.

وبعد الكثيرمن النقاش والتفكير تولدت لدي قناعة أن المشكلة أكبر بكثير من قبلة عابرة رأينا مثلها واستنكرناها في العديد من الأفلام العربية أو من جسد عار في فيلم هوليودي. ومن دون أن نهون من أثر ذلك العهر الغربي وحرمته، فإنه يجب علينا أن ندرك أن المعضلة التي تواجه العديد من مستهلكي الثقافة الأمريكية من أبناء جلدتنا هي أن تلك الثقافة مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا العربية، فالقضية ثقافية ودينية في آن واحد، خصوصا أن ديننا الحنيف ليس مجرد شعائر وإنما منهاج حياة. وبعض أفلام هوليود يمكن اعتبارها خالية من المشاهد الجارحة، ولكن نمط الحياة الذي تصوره لا يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا ولا روح الثقافة الإسلامية العربية بغض النظر عن خلوها من مشاهد العري.

وإذا أخذنا الحب مثالا على الاختلافات الجذرية بيننا وبين أمريكا فإننا نرى مثلا في الأفلام الأمريكية أن ممارسة الجنس بين حبيبين غير متزوجين يقوي علاقة الحب بينهما، بينما ترى المجتمعات العربية في أغلب الحالات أن الرجل لا يمكن أن يثق بامرأة ويتزوجها بعد أن فرطت في جسدها. ففي هذه الحالة نرى أن ممارسة الجنس تقوي علاقة الحب قبل الزواج في مجتمع وتنهي تلك العلاقة في مجتمع آخر.

ومما قد ينتج عن المشاهدة المتكررة لأفلام هوليود أن بعضا من الناس يقع في نفوسهم شبه اعتقاد أن الحب شيء سيئ، وذلك لأنهم يربطونه بالحب على الطريقة الأمريكية، وهو ما لا يريدونه. ولذلك تجد بعضهم يستفتي علماء الدين متسائلا عن حكم الحب. وتجد البعض الآخر يبتعد عن الحب تماما ولسان حاله "حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه".

ويجادل البعض أن علينا أن نقلد الغرب في أخلاقهم الحسنة، وهم بذلك يتناسون أن الأخلاق الحسنة ليست ملكا لأحد. فهل الانضباط في العمل خلق أمريكي؟ أم ألماني؟ أم ياباني؟ والحق أن الكثير من الأخلاق الحسنة معروفة لدى الكثير من الشعوب، ولكن النية الكامنة وراء الالتزام بها وطريقة تطبيقها وترتيبها حسب العقيدة والأولوية وطبيعة كل مجتمع هو ما يميز حضارة عن أخرى. وبالنسبة لنا فإن الأخلاق الحسنة يجب أن تكون مستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف ومرتكزة على الحاكمية لشرع الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أبدا استيرادها من الغرب أو اليابان أو الصين كما يود البعض أن يفعل بدعوى أن أننا إخوة في الإنسانية وكل الأديان تؤدي إلى الطريق القويم وما إلى ذلك من مكرورات التغريبيين المكشوفة التي تهدف إلى تذويبنا في ثقافة الغرب.

وعليه فإن علينا أن ندرك أن نمط الحياة الأمريكي أو الغربي بصورة عامة ليس الطريق الوحيد نحو التقدم، وهو بالتأكيد ليس طريقنا نحن للتقدم. وقد تطورت أوروبا عن طريق الثورة على السلطة الكنسية والملكية، بينما تتقدم العديد من الدول الآسيوية عن طريق الطاعة التي كثيرا ما تكون عمياء للقادة، وسوف تنهض أمتنا إن شاء الله باختيار طريق الأصالة والعودة إلى جذورنا، فحذار من أن نترك الثقافات الأخرى تعبث بعقولنا وتزيد من تخلفنا بينما نحن نظن واهمين أنها تهدينا سبل النجاح.

الأربعاء، 24 يونيو 2009

عالم العربية الفسيح

عندما يتحدث المتخصصون في شؤون اللغة العربية عنها فإنهم كثيرا ما يمتدحون خصائصها اللغوية مثل الاشتقاق والنحت والتركيب ومثل قواعها الدقيقة التي تساهم في تحديد معنى ودلالات الجمل ومثل عدد مفرداتها الضخم. ولكن كل هذه الخصائص سمات داخلية للغة العربية تميزها عن غيرها من اللغات دون أن تكون العامل الرئيسي في نشرها أو فرضها. أما المقومات الأساسية التي تميز لغة عن أخرى فإنها في أغلب الأحيان مرتبطة بالوزن السياسي والاقتصادي والعسكري وبالموقع الجغرافي والإرث التاريخي وبالناتج العلمي والفكري للمتحدثين بتلك اللغة، إلى غير ذلك من المقومات. وليس شرطا أن تتوفر كل هذه المقومات حتى تصبح لغة ما ذات قيمة، إذ يكفي أن يكون بعضها موجوداً للتمكين للغة ما حسب الظروف.

واللغة العربية اليوم ينقصها بعض من المقومات المذكورة أعلاه، ولكننا إذا نظرنا إلى العالم العربي لوجدنا أن عدد الناطقين بالعربية من أهم العوامل التي يمكن أن تساعد في التمكين لها، فعدد المتحدثين بها كلغة أم يقارب الثلاثمائة مليون نسمة موزعون على مساحة شاسعة من الأرض تمتد من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي. ويشكل هذا العدد أحد العوامل الرئيسية التي تجعل من اللغة العربية واحدة من اللغات العشر الأوائل على مستوى العالم، وذلك بغض النظر عن المعايير المستخدمة في تحديد أهمية كل لغة.

ويعتبر عدد الناطقين بالعربية عاملا مهما في فرض الحد الأدنى من التعريب في الدول العربية، وذلك لأن ذلك العدد الضخم يمنح أي منتج يحتوي على جانب لغوي سوقا واسعة تزيد من فرصة انتشاره. ولقد شاهدنا في التاريخ الحديث أدلة على ذلك، فدول الخليج استعانت وما زالت تستعين بأساتذة عرب من مصر وغيرها من الدول العربية. وعندما كانت حركة التعريب في أوجها في الجزائر بعد الاستقلال كان هناك دور مهم للدول العربية الأخرى في المساهمة في تعريب الإدارة الجزائرية. وفي عصرنا الحديث نرى كيف أن قناة مثل الجزيرة القطرية تستقطب المشاهدين من جميع الأنحاء. وعندما توفي الأديب السوداني الطيب صالح في هذا العام جرى تأبينه في حفلات أقيمت في العديد من الدول العربية، من عمان إلى موريتانيا.

ومن هنا يجب علينا أن ندرك أن العروبة كما يؤكد محمد جابر الأنصاري ليست أيديولوجيا، وإنما هي واقع حي عشناه في الماضي ونعيشه في الحاضر ويجب أن نستفيد منه في المستقبل. فوحدة اللغة بين أبناء العربية على اختلاف لهجاتهم تشكل طاقة كامنة يجب تفجيرها عن طريق التعريب الشامل لجميع مناحي الحياة، ولا سيما في التعليم العالي بجميع تخصصاته وفي القطاع الاقتصادي. ولوسائل الاتصال في هذا العصر دور مهم جدا في تحقيق ذلك الهدف، إذ أنه من الأولى أن نستغل تلك الوسائل للانفتاح على بعضنا قبل الانفتاح على الآخرين. وأي كتاب مكتوب بالعربية في أي مجال من المجالات يمكن أن يقرأ من قبل عدد كبير من الناطقين بالعربية. فإذا كانت السوق قائمة والزبائن كثر، فلماذا التردد؟

الخميس، 18 يونيو 2009

حدود التعريب

عندما يتحدث علماء الاجتماع والتاريخ عن النهضة وبناء الحضارة، فإنهم عادة ما يتحدثون عن عدة عوامل وليس عن عامل واحد. وهذا أمر بديهي، إذ أن الأمم لا تتقدم ولا تأسس حضارات إلا إذا توافرت عوامل قد يختلف المنظرون على تحديدها دون أن يختلفوا على تعددها. وقد يقول قائل أن ابن خلدون ركز في مقدمته على أهمية ما أسماه العصبية كعامل رئيسي في بناء الدولة، ولكن هذا لا يعني أنه ليس هناك عوامل أخرى ذكرها ابن خلدون ومؤرخون غيره. وقد تتفاوت تلك العوامل في درجة أهميتها، ولكن لا يمكن لأحدها أن ينفرد بمهمة بناء أية حضارة.

وكما أن هناك عوامل تبعث على تأسيس الحضارات، فإن هناك عوامل تسهم في إعاقة بناء الحضارات. وعوامل التخلف تلك متعددة حالها حال عوامل النهضة. وأحد عوامل التأخر التغريب وتقليد الآخرين الأعمى في الكثير من جوانب حياتهم. ومن ذلك تبني لغاتهم في بعض مجالات الحياة، أي التغريب اللغوي، وهو ما تحاول هذه المدونة تبيان أعراضه، ومحاولة علاجه وإيضاح سبل الوقاية منه.

إن على الجميع أن يدركوا أن التغريب اللغوي أحد أوجه التغريب الذي هو أحد عوامل التخلف، فهو جزء من جزء من كل. ولذلك فإن علينا ألا نتوهم أن التعريب سوف يحل جميع مشاكلنا كما يحاول بعض مناصري التعريب أن يظهروا، وهم لا يقومون بذلك إلا على سبيل المبالغة التي يهدفون من خلالها إلى تنبيه الناس إلى مخاطر التغريب.

وكاتب هذه السطور يحاول من خلال هذه المدونة أن يسهم في مقاومة التغريب اللغوي الذي هو جزء من التغريب ككل والذي هو واحد من عوامل التخلف كما ذكرت، وتختص المدونة بذلك الجزء دون غيره لا لشيء إلا لأن صاحبها متخصص في علوم اللغة ولا ليس من الحكمة أن يدس أنفه في مناقشة علوم ومجالات أخرى لا يعرف عنها إلا القشور، اللهم إلا فيما اتصل من تلك العلوم بعلوم اللغة.

والهدف من كل ما أوردت آنفا هو التنبيه على أن التعريب وحده لن يبني لنا حضارة، والأمثلة على الدول المتخلفة بالرغم من تمسكها بلغاتها كثيرة في الماضي والحاضر. فالتعريب ليس إلا إزالة لعامل من عوامل التخلف، أي أنه ليس التقدم بحد ذاته. فهو ليس سوى إعادة للأمور إلى نصابها وتوضيح لعدم جدوى التغريب، فمن الطبيعي أن تسود اللغة العربية في البلاد العربية. وجعل الأمور طبيعية ليس تقدما، ولكن السعي إلى ذلك كثيرا ما يكون محاولة للخروج من مستنقع التخلف، أي أنه محاولة للوصول إلى نقطة البداية نحو بناء الحضارة.

والخلاصة أن التعريب بمفرده غالبا لن يقدم، ولكن التغريب حتما يأخر.

الأحد، 7 يونيو 2009

الاستعمار اللغوي وتهجير العقول

في عام ٢٠٠٦ أصدرت فرنسا قانونا جديدا للهجرة يشجع ذوي الكفاءات على القدوم إلى فرنسا والعمل فيها، مما حدا ببعض الدول الأفريقية إلى الاعتراض على هذا القانون باعتبارأنه سوف يؤدي إلى تهجير أفضل الخريجين الأفارقة إلى فرنسا بالرغم من حاجة بلدانهم الماسة إليهم. وقد انتقد الرئيس السنغالي القانون الفرنسي قائلا: "سأكون في بلدي كوادر لتطوير الاقتصاد الفرنسي، إن ذلك لأمر عبثي". فما الصلة بين قانون تصدره فرنسا على الصعيد المحلي ورد فعل دولة مثل السنغال؟

الجواب يكمن في اللغة الفرنسية التي تستخدمها السنغال والعديد من الدول الأفريقية الفرنكفونية في التعليم. والحال ينطبق أيضا على الدول التي تستخدم اللغة الإنجليزية كلغة تدريس. ويلخص أحد الكتاب الغانيين المشكلة بقوله: "إنه لمن السذاجة أن نطالب خريجينا وعلمائنا بالبقاء في بلدنا الفقير إذا كنا نلقنهم علوما لا يمكن تطبيقها إلا في الخارج".

هنا يتضح لنا جليا أحد أخطار التعليم باللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية واللتان تستخدمان في دول يفصلها عنا نحن أبناء البلاد العربية بون شاسع من ناحية التطور. فاستخدام تلك اللغات يسمح لدول مثل فرنسا وأمريكا أن تنتقي أفضل الطلاب الذين درسوا أحدث العلوم التي يصعب تطبيقها في بلادنا المتخلفة، إذ أن هؤلاء الطلاب يدخلون ما يكمن وصفه بالتصفيات التي يتنافسون فيها على حذق ما يصفه كثير من معارضي التعريب بأحدث ما وصل إليه العلم الحديث، فما إن يفرغوا من ذلك فإنهم يجدون أن دولهم ليس بها مجال لتطبيق أحدث العلوم، فيهاجرون وهم الصفوة إلى الخارج غير ملومين مخلفين ورائهم زملائهم من ذوي المستوى الضعيف أو المتوسط. وقد يبقى البعض من تلك الصفوة في بلده، ولكن فؤاده وحياته كثيرا ما يكونان متعلقين ببلد اللغة التي درس بها علومه، فيكون الجسد في واد والعقل والقلب في واد آخر. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة ازدياد الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لا تضييقها كما يدعي معارضو التعريب.

ولا أزعم هنا أن اللغة هي العامل الوحيد الذي يؤدي إلى تهجير العقول، ولكنها أحد أهم أدوات الغزو الثقافي الذي تساهم فيه مراكز مثل المجلس الثقافي البريطاني ومنظمات كالفرنكفونية. وذلك لأن إتقاننا للغة أجنبية يمكننا من التعرف على الدولة أو الدول المتحدثة بها دون حجاب الترجمة أو مقص الرقيب، فيكون الانبهار بالآخر وتمجيد إنجازاته في أوجهما، ويقع في النفس شبه يقين أننا لا طاقة لنا بمثل تلك الإنجازات، فنقعد ونتكاسل أو نجتهد لنهاجر.

ولذا فإن التعريب الشامل للحياة العامة والتعليم والتعاملات التجارية، وخصوصا المحلية منها، سوف يحد من الاستعمار اللغوي الذي يساهم في تهجير أفضل طلاب العلم والعلماء لدينا إلى دول تمر بمرحلة حضارية تفرز احتياجات وتطبيقات علمية ليست ذات صلة بالمرحلة التي نحن فيها أبناء العربية في هذا العصر. فحري بنا أن نحدد احتياجاتنا ومن ثم نعمل على تلبيتها بالعلوم التي تخدمنا أولا قبل أن تخدم غيرنا.

الخميس، 28 مايو 2009

اللغة ودورها في تحديد أولويات التنمية

من المعروف لدى أخصاء التربية أن العلوم الإنسانية والأدبية عادة ما ترتبط بالمجتمعات التي تنشأ فيها، ولذا فإنها من الصعب أن تنقل من حضارة إلى أخرى دون أن يظهر عدم ملائمتها للحضارة المستوردة. وقد سجل التاريخ الآثار السلبية التي تركتها الفلسفة اليونانية على فكر الكثير من بعض المسلمين في عصور الإسلام الأولى، كما نعلم جيدا أن المفاهيم الحديثة المستوردة من الغرب مثل الاشتراكية والحداثة وما بعد الحداثة لا تزال غير مستساغة عندنا لأنها لا تناسب في مجملها طبيعة مجتمعاتنا. ولذا فإننا نجد أن العلوم الإنسانية والأدبية في عصرنا هذا معربة في أغلبها في الدول العربية، إذ أنها غالبا ما تدرس بالعربية، وإن لم تخلو من الكثير من النظريات الغربية التي يظهر عدم ملائمتها لمجتمعاتنا عند قراءتها باللغة العربية.

أما بالنسبة للعلوم الطبيعية، وهي محور هذا المقال، فإن جلها مرتبط بقوانين ثابتة يكمن تعميمها على كل بلاد المعمورة، فالجاذبية قانون لا يتغير بتغير المكان، والعناصر المكونة للهواء هي ذاتها سواء في الشرق أم في الغرب.ولذا فإن الكثيرين يظنون أن العلوم الطبيعية يمكن تلقيها بأية لغة، طالما أن الدراس لها يتقن اللغة المستخدمة في تدريسها سواء كانت لغته الأم أم لغة أجنبية.

إن نظرة مثل تلك المذكورة أعلاه فيها شيء من الصحة من الناحية النظرية، ولكن الثابت أن هناك العديد من الصعوبات التي تحول بيننا وبين جني فائدة استخدام اللغات الأجنبية في تدريس العلوم الطبيعية. ومن تلك الصعوبات أن أغلبنا لا يمكنه أن يتقن لغة كالإنجليزية أو الفرنسية كإتقانه للعربية، مما يؤدي إلى صعوبة في الفهم وعدم رغبة في الاطلاع على ما هو غير مقرر. ناهيك أن الاعتقاد بأن العلوم الطبيعية ليست لها صلة بثقافة المجتمعات التي تنشأ فيها أمر يصعب تصديقه، وما دارون عنكم ببعيد.

لكن إحدى أهم المشاكل التي تنشأ جراء التدريس بلغات أجنبية في بلادنا العربية هي تلك المشاكل المتعلقة بأولويات التنمية في بلادنا العربية. فاستخدام لغة مثل الإنجليزية لغة لتدريس الطب والهندسة في الكثير من الدول العربية يستلزم استعمال مراجع مستوردة من أمريكا وبريطانيا يقول الكثيرون أنها تحتوي على أحدث النظريات والتطبيقات. وبعد أن ينتهي طالب العلم من اكتساب العلوم الكائنة بتلك الكتب، إن أسعفته إنجليزيته إلى ذلك، فإنه من المفترض أن يستخدم العلم الذي اكتسبه في تنمية بلاده عن طريق البحث العلمي. وهنا تزداد المشكلة تعقيدا، إذ أن أولويات البحث العلمي تختلف من بلد لآخر، فدولة مثل أمريكا تطور عقاقير لمكافحة السمنة والشيخوخة، بينما يعاني بلد مثل السودان من أمراض كالملاريا والسحائي. وقد يطور بلد مثل سويسرا أو اليابان أدوية لعلاج الملاريا في السودان أو غيره من الدول الأفريقية، ولكن فقر تلك الدول يجعل مسألة جني أرباح من تسويق تلك الأدوية أمرا صعب المنال، مما يجعل الدول الغنية تحجم عن الإنفاق السخي على تطوير مثل تلك العقاقير.

ويعرف الكثير من العاملين في المجال الأكاديمي أنه يجب على من يريد أن ينشر بحثا في مجلة علمية أمريكية ذات مكانة رفيعة أن تكون مواضيع بحثه موافقة لاهتمامات تلك المجلة حتى وإن لم تكن تلك المواضيع ذات صلة بمشاكل بلد الباحث الأجنبي. وكثير من المجلات العلمية المرموقة يسيطر عليها مجموعة من الباحثين الغربين الذين ينتمون لمدارس فكرية معينة لا تسمح بالاختلاف إلى في حدود معينة، وهذه قاعدة غير مكتوبة ولكنها مفهومة ضمنيا. ولذا فإننا نجد بعض الباحثين مضطرين لمسايرة أجندة تلك المجلات علهم يستطعون نشر أبحاثهم والحصول على ترقية أو دعوة للتدريس في إحدى الجامعات بالخارج.

إن تعريب العلوم الطبيعية في بلادنا العربية تعريبا شاملا لن يؤدي في الغالب إلى تغيير قوانين الطبيعة، ولكنه حتما سوف يساعد على التركيز على أولويات التنمية لدينا. فمن تعلم بالإنجليزية أو الفرنسية غالبا ما سوف يكون مرتبطا بما كتب بهما، مما يؤدي إلى جعل اهتماماته تتمحور حول قضايا الغير دون قضاياه، وإلى البحث عن حلول لمشاكله عند الآخرين حتى وإن لم تكن تلك الحلول مناسبة، وخصوصا إذا كان منبهرا بالغرب، وما أكثر هؤلاء.

وباختصار فإن تعريب العلوم الطبيعة سوف يجعل الطالب والأستاذ والباحث العربي مرتبطا بصورة أكبر بهموم ومشاكل بلده، مما سوف يشكل حافزا أكبر لحل تلك المشاكل، ولو بعد حين.

الجمعة، 22 مايو 2009

لغة الله!!

في إحدى المرات كنت مع أحد الأصدقاء نتنقل بين قنوات الإذاعة في ماليزيا علنا نجد شيئا يستحق الإنصات، فإذا بنا نجد برنامجا في إحدى القنوات ذات الطابع الديني عن اللغة العربية. وكان مقدم البرنامج يتحدث عن فضل اللغة العربية ويستقبل اتصالات من بعض الماليزيين الناطقين بها، والذين كانوا يجتهدون في الإجابة على سؤال طرحه مقدم البرنامج وهو: لماذا نتعلم اللغة العربية؟ وكانت الإجابات تصب في معظمها في الإطار الديني للغة العربية، فهي وكما أكد الكثير من المستمعين لغة القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام ولا يتأتى فهم الدين فهما عميقا بدونها. وبينما نحن نستمع إلى البرنامج إذ اتصلت إحداهن وقالت أنه يجب تعلم العربية لأنها لغة الله!

فهل لله جل جلاله لغة خاصة؟ أليس هو تعالى بكل شيء محيط؟ أليس العالم بالعربية هو ذاته خالق كل ما في الكون من لغات وكائنات وأشياء؟ بأي لسان كلم الله موسى عليه السلام؟

لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نتهم المستمعة الماليزية بالجهل أو بأية تهمة أخرى، فهي من فرط حبها للعربية ظنت أنها أنها لغة الله عز وجل. وهي بذلك لا تختلف عن العديد من المسلمين، وخصوصا من غير العرب. ولكن ماذا عن لغة الله سبحانه وتعالى؟ من خلال بحث بسيط على الانترنت وجدت مقالا لأحد الأساتذة الأجلاء العرب بعنوان "العربية لسان الله تعالى، نزَّل بها آدم عليه السلام"، وفيه يؤكد الكاتب أن العربية لغة الله ولغة الأنبياء الأول، وهي بذلك حتما أصل اللغات جميعا.

قد يختلف أحدهم أو يتفق مع بعض الآراء التي تقول أن العربية أول وأفضل اللغات، وأقدرها على التعبير وأكملها من حيث المعاني والتراكيب والأصوات، وكل تلك الفرضيات قابلة للتأكيد أو التفنيد أو التصحيح حسب الأدلة والشواهد التاريخية والدراسات التي تعنى بمقارنة اللغات. ولكن الثابت أن كل هذه الأقوال سواء ثبتت صحتها أم لم تثبث تعطي مفعولا عكسيا. فبدلا من استنهاض الهمم وتقوية العزائم تؤدي تلك الأقوال إلى اتخاذ أبناء العربية السكون والركون ظهيرا لهم، فلا يكلفون أنفسهم عناء الدفاع عن العربية ولا دعمها ولا التمكين لها، ظنا منهم أن العربية لغة خارقة ذات قوة إعجازية لا تحتاج إلى بشر ينافحون عنها!!

إن الهدف الأصلي من الكتابات التي تقول بقوة العربية من الناحية اللغوية وتفوقها من تلك الناحية على باقي اللغات وفضلها المرتبط بالإسلام هو إعطاء عرب اليوم ثقة بالنفس ودفعة معنوية تجعلهم يقدرون لغتهم ويدافعون عنها، ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو أننا حين نقرأ تلك الكتابات يصيبنا شعور بالتراخي والخمول ولسان حالنا: إن للعربية رب يحميها.

إن على المدافعين عن اللغة العربية والداعين إلى إعطائها حقها الطبيعي في مجتمعاتنا أن يستخدموا العقل والمنطق والمنهج التجريبي في بيان أهمية التمكين لها، وأن يتركوا ولو لحين الأقوال التي تقول بتفوقها الذاتي، فاللغة لا تعلو بدون علو أصحابها وأصحابها لن يرفعوا من شأنها إلا إذا فهموا أهميتها في حياتهم من حيث أنها لغتهم الأم ويجب عليهم أن يطوروها سواء كانت لغة القرآن او لغة الشيطان. وكما يقول الدكتور حسام الخطيب فإنه "حتى لو كانت اللغة العربية -على سبيل الافتراض- أقل غنى في بعض النواحي وأرقى مقدرة في نواحٍ أخرى، فهي أولاً وآخراً لغتنا، وهي نحن ونحن هي، وعلينا أن نتمسك بها دون مراء أو مفاضلة أو مقارنة بغيرها، ذلك أن اللغات أشبه بالأوطان فلا تعار ولا تستبدل."

الخميس، 14 مايو 2009

التشبه اللغوي

عندما يتحدث البعض عن تأثير لغات كالإنجليزية والفرنسية على اللغة العربية وما ينتج عن ذلك من لغات هجينة كالعربيزي والعرنسية يسارع كثير من المعلقين والمحللين إلى الاستشهاد بما ذكره ابن خلدون عن تشبه الغالب بالمغلوب إذ يقول:

"إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها وصار اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء. أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، إنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب، تغالط أيضاً بذلك عن الغلب".

إن المتأمل لكلام ابن خلدون يمكنه أن يرى بوضوح أن تشبهنا بغيرنا لن يساهم في انتشالنا من حالة التخلف التي نعاني منه على مختلف الأصعدة، وذلك لأن أسباب النهوض والتقدم لا صلة لها بشكل المنتصر أو أزيائه أو لغته بقدر ما هي مرتبطة بعوامل أخرى مثل الأخلاق الحميدة والقيادة الحكيمة والانضباط والقدرة على التجديد والإبداع إلى غير ذلك من عوامل صعود الحضارات وتقدمها.

وإذا عدنا إلى موضوع اللغة فإننا نلاحظ أن التشبه اللغوي بالغير، بعكس العديد من ضروب التشبه الأخرى، أمر يصعب إتقانه، وذلك لأن اللغة بطبيعتها بحر واسع من التراكيب النحوية والدلالات اللفظية والمخارج الصوتية التي يندر أن يتمكن شخص بالغ من اكتسابها بدرجة يتساوى فيها مع من يتحدثها منذ الصغر. والخلاصة هنا أن فشل التشبه اللغوي أمر يكاد يكون حتميا إلا في بعض الحالات الشاذة التي لا يمكن تعميمها.

ويحضرني هنا مثال على فشل التشبه اللغوي عند العرب، ففي حوار تلفزيوني مع أحد المسؤولين العرب سأل المحاور ضيفه عن تقييمه لأداء وزارته، فأجاب المسؤول بأن الأداء كان
susfying
وهي كلمة على حد علمي لا توجد في اللغة الإنجليزية، إذ كان ما قصده
satisfying
أي أن أداء وزارته كان مرضيا. وتلك هي إحدى عواقب التشبه اللغوي.

من المهم إذن أن ندرك أنه من اليسير نسبيا أن نلبس ونقص شعورنا مثل الأمريكان حتى نصبح نسخا مطابقة لهم. أما أن نتشبه بهم لغويا فهذا أمر ينبغى علينا أن نتركه جانبا، لأننا مهما حاولنا أن نجيد التقليد فلن نصل إلى مستوى إنجليزيتهم على نفس النحو الذي لا يمكنهم من بلوغ مستوى إجادتنا للعربية، فالتشبه اللغوي قلما يكون صاصفاينغ.

الأحد، 3 مايو 2009

في منافع تعلم اللغات الأجنبية

ما فتئت منذ أن أنشئت هذه المدونة أهاجم اللغات الأجنبية وخصوصا اللغة الإنجليزية ودورها في الكثير من الدول العربية وغيرها من دول العالم. ولذا فقد قررت في هذا المقال أن أعدد بعضا من منافع تعلم اللغات الأجنبية، حتى أوضح أن مسألة اللغة ليست على طريقة عادل إمام: يا أبيض يا أسود، أي أنها ليست إما تعريب كامل وانغلاق أو تغريب شامل وانبطاح.

يعتبر الاطلاع على النتاج الفكري والعلمي لدى الأمم الأخرى من أهم ما يمكن أن يحصده المتقن للغة أجنبية، فإجادة لغة أجنبية يتيح لنا الاستفادة من علوم الآخرين والتعرف على التطورات الحاصلة في البلاد الأخرى وقياس مدى تخلفنا أو تقدمنا على تلك البلاد.

كما يمكننا فهم لغات الآخرين من معرفة مجتمعاتهم وأنماط تفكير شعوبهم، وذلك حتى نعرف كيف نتعامل مع الأمم الأخرى وكيف ننظم علاقاتنا السياسية والاقتصادية بطريقة نستطيع بها الحفاظ على حقوقنا عند التعامل معهم.

ويفيد إتقان اللغات الأجنبية أيضا الأفراد الذين يسافرون إلى بلدان أخرى ويريدون التواصل مع أهل تلك الدول دونما الحاجة إلى ترجمان أو وسيط.

وهناك منافع أخرى يجنيها متعلم اللغات الأجنبية مثل زيادة وعيه بتراكيب ومعاني ونطق لغته الأم وغير ذلك من الفوائد. ولكن هناك عدة أسئلة جوهرية يجب أن يتم طرحها قبل اختتام هذا المقال، ألا وهي:

ماذا جنينا جراء تعلمنا اللغات الأجنبية؟

إذا كنا نقرأ، هل نقرأ بتللك اللغات؟ وإذا قرأنا بها، ماذا نقرأ؟ أنقرأ أشياء مفيدة أم عديمة الفائدة أم مضرة؟ هل لدينا القدرة على التمييز بين هذه الأصناف الثلاثة؟

هل نتواصل مع الغير بلغاتهم؟ وإذا كنا نفعل ذلك فمن أجل أي غرض؟ هل نتواصل معهم لفهم مجتمعاتهم وأسباب اختلافها عن مجتمعاتنا؟ هل ندخل غرف الدردشة لديهم للتعرف على ثقافاتهم أم للإيقاع بفتياتهم؟

هل يسافر السائح العربي المتحدث بالإنجليزية أو الفرنسية إلى بريطانيا أو فرنسا لزيارة المتاحف أم المراقص؟ هل يستخدم مهاراته اللغوية لاستكشاف الثقافات أم للبحث عن العاهرات؟

الله أعلم.

السبت، 18 أبريل 2009

مخدرات لغوية

يعد التحدث بلغات أجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية في البلاد العربية من الوسائل التي يحاول أن يثبت بها البعض أنه على قدر كبير من العلم والثقافة وأنه ابن بطوطة العصر الحالي الذي صال وجال في أنحاء المعمورة، إذ كثيرا ما نشاهد في التلفاز بعض أبناء العربية الذين يتحدثونها مخلوطة بالإنجليزية أو بالفرنسية بقصد أو بدون قصد. ويمكن لنا أن نعتبر هؤلاء الأشخاص جناة ومجنيا عليهم في آن واحد، فهم جناة لأنهم يشوهون اللغة العربية بكلمات لا داعي لها لأن لها نظائر بالعربية، كما أنهم مجني عليهم لأن التغريب والاستعمار الثقافي قد تمكن من عقول الكثير منهم حتى أضحى الفرد منهم لا يقوى على التعبير عما بدواخله دون اللجوء إلى بعض الكلمات والمفاهيم غير العربية. وللأسف فإن الكثير منا متورط في ذلك التشويه اللغوي الذي نتج عن تلقي الكثير منا علومه بلغة أجنبية، وخصوصا في المرحلة الجامعية.

والأدهى والأمر أنك تجد في بلادنا العربية من لا يحسن لغة أجنبية كالإنجليزية ولا يعرف منها إلا القشور ومع ذلك تجد كلامه هجينا لا هو بعربي خالص ولاهو بإنجليزية سليمة. وهذه الفئة الأخيرة تجدها محرجة إذا ما اضطرت إلى التحدث مع شخص لا يعرف العربية، إذ نرى في كثير من الأحيان بعض الأشخاص الذين كنا نظنهم فقهاء في اللغة الإنجليزية بسبب الكلمات الإنجليزية التي يحشرونها في حديثهم بالعربية يتأتئون في حديثهم بالإنجليزية ويرتكبون من الأخطاء ما يندى له الجبين.

إذن لماذا يدخل البعض منا بعض الكلمات الأجنبية في حديثه حتى وإن كان لا يتقن اللغة التي يستجدي منها تلك الكلمات؟

الإجابة تكمن في الإحساس الذي تعطيه تلك الكلمات لمستخدميها، إذ يشعر الكثير منا عندما يستخدم الكلمات الأجنبية أنه متحضر ومتعلم ومثقف حتى وإن لم يكن كذلك. ويمكن لنا أن نعتبر هذا الإحساس الكاذب بالتقدم والتطور بمثابة مخدر لغوي يجعل مدمنه يشعر بالرفعة والتميز الوهميين.

إن استخدامنا اللغة العربية في جميع مناحي الحياة في بلادنا العربية سوف يمكننا من التخلص من تلك المخدرات اللغوية التي تكاد تفكتك بأذهاننا، وذلك لكي نستطيع أن نرى الأمور على حقيقتها دون تزييف ونتمكن من أن نخطو خطوة ولو متواضعة نحو تحديد أسباب تخلفنا الحقيقية والتي لا يمكن لاستخدام القشور من لغات أجنبية مثل الإنجليزية أو الفرنسية إلا أن تزيدها تعقيدا.

الأربعاء، 1 أبريل 2009

الفرنكوفونية في المغرب: مشكلة محلية لا تحلها إلا العربية

تتعالى بعض الأصوات التي تهاجم تغلغل اللغة الفرنسية في المغرب قائلة أن تفشي استخدام الفرنسية في القطاعين العام والخاص في المغرب مضر بالبلد لأن ذلك يحرم المغاربة من التواصل مع باقي دول العالم التي لا وجود للفرنسية فيها. ولذا فإن تلك الأصوات تنادي بأن تعطي اللغة الإنجليزية حيزا حتى يتمكن المغرب من التواصل مع الغير فرنكوفونيين وحتى يستطيع المغاربة الخروج من فلك الفرنكوفونية الضيق إلى فضاء العالم الرحب. فهل هذه حجة مقنعة للإطاحة بالفرنسية من عرشها الواهي؟

إن مشكلة تغلغل الفرنسية في المغرب مشكلة داخلية أكثر من كونها مشكلة خارجية، وذلك لأن الفرنسية تستخدم في المغرب، على حد علمي، لإنجاز الكثير من المعاملات الداخلية بين أبناء المغرب أنفسهم دون أن يكون أي فرنسي طرفا في تلك التعاملات. فحسب ما شاهدنا في البرنامج الذي بثته الجزيرة عن الفرنكوفونية في المغرب، فإن عددا كبيرا من الوزارات المغربية تتعامل مع المواطنيين بالفرنسية والتي لا يجيدها إلا عدد بسيط من مجموع سكان البلد.

وبما أن الفرنسية تزاحم اللغة العربية في مجالات يفترض ألا يستخدم فيها غير العربية بحكم أنها اللغة التي يجيدها غالبية المغاربة سواء كانوا عربا أم أمازيغا، فإن تحطيم قيود الفرنكوفونية في المغرب يكمن في فرض اللغة العربية وتمكينها من ملء أي فراغ لغوي على المستوى المحلي. أما من ينادي بإعطاء اللغة الإنجليزية حيزا بدلا من الفرنسية فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار، لأن تفشي الفرنسية في المغرب مشكلة محلية لا خارحية كما ورد آنفا، ولأن الإنجليزية أشد خطورة على العربية من الفرنسية، وهي لغة يعاني من تسلطها المشارقة الأمرين.

ولذلك فإن على المدافعين عن إحلال اللغة العربية محل الفرنسية في المغرب أن ينتبهوا من تبني أي حجة لا تصب في نهاية الأمر في خدمة اللغة العربية، وذلك حتى لا نخرج من فخ الفرنسية إلى بئر الإنجليزية الذي لا قرار له.