الأحد، 25 أكتوبر 2009

حلول كارثية

في عام ٢٠٠٤ كتب الصحفي الكويتي أحمد البغدادي مقالا في جريدة السياسة بعنوان "أما لهذا التخلف من نهاية؟". وفي المقال، كما ترون في الأسفل، ينتقد البغدادي سعي وزارة التربية الكويتية إلى زيادة حصص التربية الإسلامية والقرآن والتجويد على حساب بعض المواد الأخرى كالموسيقى والنشاط، وذلك في المدارس الخاصة ذات المناهج العربية والأجنبية.



وبعد نشر المقال تعرض البغدادي لحملة قوية واجه خلالها سيلا عارما من الانتقادات. وقد أفضت تلك الحملة إلى تعرضه للمحاكمة بتهمة ازدراء الدين، وحكم عليه بالسجن الذي خرج منه بعفو أميري. ولقد كان الهجوم الذي تعرض البغدادي في مجمله سطحيا لم يتطرق إلا إلى مسألة تفضيل البغدادي للموسيقى على القرآن والتجويد وللغات الأجنبية على اللغة العربية.

ولكننا إذا نظرنا بعين الناقد المتعمق إلى ما كتبه البغدادي من أفكار يرددها ويقتنع بها في كثير من الأحيان عدد لا يستهان به من الكتاب والمثقفين والعامة لوجدنا التالي:

١- يعتقد البغدادي والكثيرون غيره أن دروس التربية الإسلامية واللغة العربية مجرد أداة لإبقاء النشء داخل حظيرة الدين الإسلامي، وتلك نظرة قاصرة. فالإسلام كما هو دين غالبية العرب فإنه جزء أصيل من ثقافتهم التي ساهم في تشكيلها على مدى قرون طويلة. وعليه فإن أحد أهداف ما يسميه البغدادي تخلفا هو محاولة لربط طلاب المدارس الأهلية، وخصوصا ممن يدرسون في المدارس ذات المناهج الأجنبية، بمجتمعهم وواقعهم وثقافتهم وليس الهدف منه تخريج أئمة أو مقرئين في سرادق الموتى بالضرورة.

٢- إن القاريء لمقال البغدادي لا يسعه إلا أن يستنتج أنه يدعو للهروب من المشاكل بدلا من مواجهتها وحلها أو على الأقل التنبيه إليها. وهذا الهروب من المشاكل عادة سيئة فينا. وقد نعذر بعض المستضعفين ومن لاحيلة لهم إن هم خافوا من مواجهة المشاكل. أما البغدادي فهو بالإضافة إلى كونه صحفيا فإنه كان محاضرا في جامعة الكويت بقسم العلوم السياسية. فإذا كانت المدارس الحكومية فاشلة ومناهجها متخلفة، وقد تكون كذلك بالفعل، فإن الأحرى بالبغدادي أن يسهم في إصلاح الخلل الموجود بها بدلا من الهروب منها على طريقة الخلاص الفردي، وذلك لأن هامش المقاومة والنقد لديه ولدى أقرانه من صفوة المجتمع أكبر من القدرة على مجابهة المشاكل التي تتوفر لباقي أفراد الشعب.

٣- إذا سلمنا أن البغدادي والمدافعين عن التعليم الأجنبي أحرار في اختياراتهم على طريقة لكم دينكم ولي دين، فإننا لا يمكن أن نسلم أن تلك الفئة المتغربة ليس لها تأثير على المجتمع، شئنا أم أبينا، فالكل يعيشون في وطن واحد بحيث يصبح تأثر الأفراد بعضهم ببعض أمرا يكاد يكون حتميا. ووجود طبقة ليس لديها انتماء كاف إلى المجتمع الذي تعيش فيه، وإن كان متخلفا، يخلق لها ولباقي أفراد المجتمع مشاكل عديدة تتجاوز الجوانب الاجتماعية والثقافية إلى الجوانب الاقتصادية وحتى الأمنية، خصوصا أن تلك الفئة عادة ما تكون من النخبة، والنخبة لها من الأثر العظيم على المجتمع ما لا يمكن إغفاله. وهذا الانفصام يؤدي إلى ظهور نوع من الطبقية التي يصعب محاربتها بسبب تجذر بعض القيم الأجنبية في نفوس العديد من أفراد النخبة منذ الصغر.

والخلاصة أن مشكلة تخلف التعليم لدينا التي ذكرها البغدادي أمر يصعب إنكاره، ولكن محاولة حلها على الطريقة البغدادية يؤدي إلى مشاكل أخرى قد لا تظهر آثارها، التي قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، على المجتمع إلا بعد سنين عديدة. عندها تكون عقول أبناء النخبة قد صارت في واد محاط بالورود المستوردة و عقول باقي أفراد الشعب في واد آخر. وعندها سيعرف دعاة الانسلاخ أهمية أن يعيش المرء واقعه بحلوه ومره بدلا من استيراد الحلول الكارثية.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

عن إسلام مايكل وإخوانه

عندما توفي المغني الأمريكي مايكل جاكسون في شهر يونيو الماضي عادت قصة إسلامه تطفو على السطح من جديد، وبدأ الكثيرون من العرب ينسجون من الحكايات ما يحاولون به أن يثبتوا أن الرجل مات مسلما. كما بدئوا يتناقشون حول مسألة دفنه وهل سيدفن مع المسلمين أم مع النصارى، ومسألة هل يجوز لأهله أن يرثوا ماله أم لا. لا بل ذهب البعض إلى الادعاء أن مايكل كان بصدد تقديم أغنية جديدة في حفلة لندن التي كان ينوي إحيائها، وأن تلك الأغنية كانت ستثبت للعالم بأسره أنه مسلم.

وحتى يومنا هذا ما زال البعض يروي بزهو قصة إسلام المغني البريطاني يوسف إسلام، والذي أسلم قبل أكثر من ثلاثين عاما. وقبل عدة أشهر شغلتنا بعض الصحف بخبر إسلام بروفيسور فرنسي سمى نفسه شريف دارينيز، وذلك خلال حضوره مؤتمرا في مدينة الرياض عاصمة السعودية. و لقد قامت الدنيا ولم تقعد فرحا بإسلامه. وما زالت بعض الكتب تروي لنا قصص إسلام المفكر الفرنسي روجيه غارودي والدبلوماسي الألماني مراد هوفمان. لا بل وصل ذلك الهوس إلى لاعبي كرة القدم أمثال هنري وريبري وأنيلكا، وهي أسماء يعرفها عدد لا بأس به من العرب.

إن القاسم المشترك بين كل تلك الشخصيات أنهم غربيون، ولذا يطيب للعديد منا أن يتحدث بنشوة عن قصص إسلامهم. فالاستلاب الثقافي وصل بنا إلى درجة أننا نفرح بصورة طفولية لإسلام أحد الغربين، بينما قد يسلم جمع غفير من الأفارقة أو الهنود أو الفلبنيين دون أن تتحفنا وسائل إعلامنا بقصص إسلامهم. وهذا ليس نفاقا فحسب، وإنما محاولة يائسة منا بأن نقنع أنفسنا أن انتشار الإسلام في الغرب يمثل انتصارا لنا.

وقد يظن البعض أن إسلام بعض الأفراد في أوروبا وأمريكا الشمالية ليس إلا بداية لانتشار الدين الحنيف بين سكان تلك المناطق. ولكن هذا أمر يصعب حصوله، وذلك لأن التاريخ وقصص الأنبياء أثبتوا أن الأقوياء عادة ما يحجمون عن قبول أي دين جديد يمكن أن يغير من وضعهم الآني المتميز.

ولكن ماذا لو أسلم الغرب عن بكرة أبيه؟ هل سيغير ذلك من أوضاعنا المزرية نحن العرب شيئا؟

الإجابة يصعب أن تكون إلا بالنفي، فإن أقصى ما يمكن حدوثه هو أن يكف الغرب عنا شره، وأن يتكرم علينا ببعض المساعدات الاقتصادية. ولكن ذلك لن يحل مشاكلنا بصورة جذرية، وذلك لسبب بسيط ومعروف، وهو أن مشاكلنا ناتجة عن ضعفنا وتقصيرنا نحن بصورة أساسية.

ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا أن هذه دعوة إلى انتكاسة أو عودة إلى فكر القومية العربية المضللة التي سادت الخمسينات والستينات من القرن الماضي والتي أغفلت دور الدين الحيوي في النهضة. ولكن كما روي في الحديث الشريف، فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين، ولم يدع، على حد علمي، أن يعزه بكسرى أوهرقل، بالرغم من أن الأخيرين كانا أقوى بكثير من عمر ابن الخطاب وأبي جهل، فالدعوة يجب أن تنجح على الصعيد المحلي قبل أن تنتشر في الخارج.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن فكرنا وجهودنا وإخلاصنا هو جوهر نهضتنا وتقدمنا. أما إسلام أسماء كفلادمير وهلموت وفرانسوا وجون قد يعز الإسلام وقد ينفع الغرب، ولكنه لن يعود علينا بالنفع الكثير ولن يحقق لنا نهضتنا المنشودة. فكفانا إذا استلابا ولهثا وراء أسلمة الغرب، ولندع الاتكالية جانبا ونضع مجتمعاتنا صوب أعيننا، على الأقل من باب أولى لك فأولى.

الخميس، 17 سبتمبر 2009

من تعلم لغة قوم: أمن مكرهم أم أمنوا مكره؟

قرأت منذ أسبوعين مقالا نقديا على موقع الجزيرة بعنوان الحديث ضعيف والأمة ضعيفة ناقش فيه الكاتب ظاهرة استخدام أحاديث ونصوص لم تثبت صحتها من أجل فرض بعض القيم السلبية على مجتمعاتنا وذلك لإقناعنا بأن الأمور محسومة وأن ما باليد حيلة. واستشهد كاتب المقال بحديث: "كما تكونوا يولى عليكم"، وذكر أوجه ضعفه من ناحية السند والمتن وكيف أنه يخالف أحاديث صحيحة مثل حديث كلمة حق عند سلطان جائر وحديث تغيير المنكر، ناهيك عن أنه يخالف التاريخ والواقع. (الرجاء قراءة المقال للفهم والاستزادة).

وبعد أن قرأت المقال بأسبوع عثرت خلال بحث عن مقالات تتعلق بتعلم اللغات على معلومة تصحيحية أخرى، ومفادها أن حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" ليس ضعيفا، وإنما لا أصل له من الأساس حسب ما ذكره الإمام الألباني وحسب ما أكده الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة. والمعلوم أن الكثيرين يتشهدون بهذا الحديث عندما يؤكدون أهمية تعلم لغات كالإنجليزية والفرنسية وحتى عندما يدافعون عن التدريس بتلك اللغات في جامعاتنا بدلا من التدريس بالعربية. وهم إذ يقومون بذلك فإنهم يرمون إلى غلق باب النقاش محتجين بذلك الحديث الموضوع.

لست من هواة التشكيك بكل الأحاديث، ليس فقط لأنني لست من علماء الحديث ولا أفقه شيئا يذكر عن كيفية تحقيق الأحاديث، وإنما لأني أعلم أن العديد من ذوي النوايا السيئة والمضللين يتخذون من التشكيك بحديث ضعيف أو موضوع حجة للبدء بالتشكيك بكل الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، وهذا مما لا ينبغي لأنه منهج التغريبيين واللبراليين والعلمانيين والانهزاميين وساء أولئك رفيقا.

وإذا عدنا إلى محور هذا المقال لوجدنا أن مقولة "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" مغلوطة، أو على الأقل منقوصة كما سنرى لاحقا، ليس فقط لكونها ليست بحديث، وإنما لأنها لا يمكن أن تفسر ظاهرة حرص العديد من الدول المتقدمة على نشر لغاتها في أنحاء العالم. فهل تحرص دول مثل أمريكا وفرنسا وغيرها على فرض لغاتها على الدول الأخرى حتى تأمن تلك الدول شرها؟ أم حتى تأمن أمريكا وفرنسا مكر تلك الدول؟ وهل يعد مركز مثل المجلس الثقافي البريطاني مجرد معهد لتعليم اللغة الإنجليزية نحج إليه حتى نتعلم الإنجليزية فنأمن مكر الإنجليز؟ أم أنه أداة للترويج للثقافة البريطانية وتحبيبها إلى نفوسنا كما يوحي اسمه بذلك؟

إن ما تقوم به العديد من الدول القوية في عصرنا هذا من نشر للغاتها ليس سوى أحد أوجه استخدامها لما بات يعرف بالقوة الناعمة، وهي ضرب من الإغواء بالثقافة تهدف من خلاله تلك الدول لأن تأمن مكرنا وتروضنا حتى نسلم بحتمية سيادتها علينا وعلى غيرنا دون الحاجة إلى تجييش الجيوش وإطلاق الصواريخ من قبل تلك الدول. فأحيانا يكون قصف العقول أنجع وأقل تكلفة من تدمير البلدان واحتلالها. (راجع هذا التقرير عن مفهوم القوة الناعمة وراجع الصفحات رقم ٦٤ و ٦٥ و ٦٦ للتعرف باختصار على دور اللغة الإنجليزية كقوة ناعمة في الدول العربية).

وقد يحتار القاريء هنا متسائلا: هل يعني ما ذكرته أعلاه أن مجرد تعلمي للغة كالإنجليزية سوف يغير من مفاهيمي ويجعلني تابعا لماما أمريكا؟

الإجابة تكمن في إدراك أن الأعمال بالنيات، فمن كان يريد تعلم لغة قوم ليأمن مكرهم كان له ما أراد حتى وإن كان حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" لا أصل له. ومن كان ينوي تعلم لغة قوم ليضر بها قومه بصورة مباشرة أو غير مباشرة وليغوص في وحل العمالة حصل على مراده. ومن تعلم لغة قوم طلبا لعلم نافع لديهم فلا تثريب عليه. ومن تعلم لغة قوم رغبة في الهجرة إلى بلادهم فهجرته إلى ما هاجر إليه. ومن تعلم لغة قوم ليستعلي بها على قومه ويوهم ذاته بتقدمه وتحضره كان له من التمايز والتقدم الزائفين ما أراد.

والخلاصة أن السؤال الذي عنونت به هذا المقال يحتمل أكثر من إجابة حسب مراد كل منا. ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا جنينا من وراء تعلمنا للغات الآخرين؟ هل أمنا مكرهم؟ أم أن قوتهم الناعمة تدمرنا من حيث لا ندري؟

فكر مليا عزيزي القاريء قبل الإجابة.

الأحد، 30 أغسطس 2009

بأية لغة نقرأ؟

ناقشني في إحدى المرات أحد الأصدقاء في المقالات التي أكتبها في مدونتي هذه قائلا أنني انتقد في الكثير منها دور اللغات الأجنبية في عالمنا العربي وفي نفس الوقت استفيد من تلك اللغات في مقالاتي عن طريق الاستشهاد بمواد مكتوبة بها. وعلى سبيل المثال فإن مقالي السابق يحتوي على عدة روابط لمواد منشورة على الانترنت اثنان منها باللغة الإنجليزية. فهل ما أقوم به يمكن أن يصنف تحت بند "يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم"؟

أود أن أؤكد أولا أنني لست ضد اللغات الأجنبية وإنما ضد سوء استخدامها في مجتمعاتنا العربية بحجج واهية كالعولمة ومواكبة العصر والانفتاح. إذ أن هناك فرق بين استخدام اللغات الأجنبية للاستفادة من علوم الآخرين وبين تسليط تلك اللغات على ألسنة العباد وثقافاتهم بل وحتى أرزاقهم. وإذا نظرنا إلى المجال الأكاديمي لوجدنا أنه ليس هناك ضير من القراءة باللغات الأجنبية والإفادة من العلوم المكتوبة بغير لغتنا، وذلك شريطة أن يكون للقاريء عقلا يقظا يستطيع أن يميز به الغث من السمين وألا يكون شديد الانبهار بعلوم الآخرين وإنجازاتهم.

كما يجب لمناهج تعليم اللغات الأجنبية، على الأقل في الجامعات، أن تركز على مهارتي القراءة والاستماع أكثر من التركيز على مهارتي التحدث والكتابة باللغات الأجنبية، وذلك لأن النهل من معارف الآخرين يقتضي قراءة علومهم وربما الاستماع إلى محاضراتهم أكثر من التحدث والكتابة بلغاتهم. وكما يذكر بروس شيرود فإنه ليس شرطا للأكاديميين أن يتحدثوا أو يكتبوا بلغة أجنبية ما ليقرؤا بها أو حتى ليترجموا منها إلى لغتهم الأم. (راجع هذا المقال لمزيد من التفصيل).

أما أن يجلس طلاب عرب أمام محاضر عربي في جامعة عربية تمولها حكومة عربية على أرض عربية ويتخاطب المحاضر مع طلابه بلغة أجنبية كثيرا ما تكون مكسرة، بل قل مهشمة، ومخلوطة بالعربية على نحو تهجيني عجيب، فإن هذا أمر يصعب قبوله وإن ساق المدافعون عنه من الحجج ما ساقوا.

والعارف بحال أمتنا العربية يتعجب من ذلك الاهتمام الشديد باللغات الأجنبية، وكأننا نعشق القراءة والعلم لدرجة أن ما هو متوفر بين أيدينا باللغة العربية لا يكفينا. (راجع هذا الخبر عن قرار المركز الثقافي البريطاني إغلاق مكتبته بالقاهرة لضعف الإقبال عليها). وهنا اختتم هذا المقال بما ذكره الدكتور محمد هيثم الخياط في مقال نشر في العدد الثالث عشر من مجلة تعريب الطب بعنوان "التعريب: حديث مستطرد"، والذي يقول فيه:

كم من الأطباء الخريجين يتابع العلم بعد تخرجه في مجلة أجنبية؟ نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال بيقين, بناء على المعطيات المتوافرة لدينا في منظمة الصحة العالمية, فنقول إن نسبتهم المئوية لاتتعدى خمساً في المئة في أحسن الظروف. ثم يقولون لنا إننا نعلم الطالب بالإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية حتى يستطيع متابعة الركب العلمي بعد تخرجه... فأي ركب هذا؟

الاثنين، 17 أغسطس 2009

جامعاتنا والتصانيف العالمية

منذ أن بدأت التصنيفات العالمية للجامعات بالصدور قبل عدة سنوات والكثير من التربويين العرب يندبون حظهم لعدم ظهور أسماء الجامعات العربية بين أسماء مثل هارفرد وأكسفورد، وكأننا قد اكتشفنا فجأة أن التعليم الجامعي في بلداننا قد انحدر مستواه بشكل مريع. وقد نتج عن ذلك تعالي العديد من الأصوات من قبل المسؤولين وغيرهم مطالبة برفع مستوى جامعاتنا علها تتمكن من دخول تلك التصنيفات ولو ضمن قائمة أفضل خمسمائة جامعة في العالم.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إذا ما كانت المعايير التي تصنف على أساسها الجامعات حول العالم هي ذات المعايير التي يجب تبنيها للحكم على مدى تلبية جامعاتنا لاحتياجاتنا التنموية المحلية. وللإيضاح دعونا ننظر في النقاط التالية:

١- إذا دققنا النظر في معايير تصنيف شانغهاي الشهير مثلا لوجدنا أنها متحيزة لمصلحة العلوم الطبيعية. فعشرون بالمائة من الدرجة المعطاة لكل جامعة مخصصة لمعرفة مدى نجاح هيئة أعضاء التدريس بجامعة ما في نشر أبحاثهم في مجلتي "ساينس" الأمريكية و"نيتشر" البريطانية. وكلتا المجلتين تنشران أبحاثا في العلوم الطبيعية بصورة أساسية. ولكن كما نعرف فإن نهضة الأمم المتأخرة مثلنا تعتمد بشكل رئيسي على الأفكار التي تنبع من علوم الدين والعلوم الاجتماعية والإنسانية. أما حذق العلوم الطبيعية فإنه عادة ما يتم في مرحلة متقدمة من الحضارة تحل بعد النهضة وليس قبلها. ولست أدعو هنا لإهمال العلوم الطبيعية في بلداننا، ولكنني أعتقد أنها لا يجب أن تعطى الأولوية القصوى كسبيل للنهضة والتقدم.

٢- تعتبر البحوث العلمية المنشورة في المجلات العلمية ومدى استشهاد الآخرين بها من أهم المعايير التي تصنف حسبها الجامعات، ولكن المشكلة التي تواجه العديد من الجامعات الموجودة في الدول الغير ناطقة بالإنجليزية هي أن القائمين على تصنيف الجامعات يرفعون إلى درجة العالمية ما هو منشور بالإنجليزية ويتجاهلون ما سواه بغض النظر عن جودته. وإذا ما نظرنا إلى أغلب التصانيف نجد أن الجامعات الأمريكية والبريطانية تسيطر على المراكز الأولى فيها، وقد يكون هذا أمرا مفهوما بالنسبة لأمريكا كمركز ضخم للعلوم، ولكن وجود إحدى عشر جامعة بريطانية مقابل ست جامعات ألمانية وثلاث فرنسية في تصنيف شانغهاي الأخير أمر يتطلب مناقشة دور اللغة في تضخيم دور جامعات الدول الناطقة بالإنجليزية.

٣- تركز أهم التصنيفات العالمية للجامعات على البحث العلمي الذي يقوم به أعضاء هيئة التدريس في كل جامعة، مما يجعل التصنيف متحيزا لصالح الجامعات البحثية على حساب الجامعات التي تركز على التدريس. وإذا نظرنا إلى بلد مثل فرنسا فإننا نجد أن كمية لا يستهان بها من البحوث يتم القيام بها في مراكز البحث وليس في الجامعات كما هو مذكور في هذه الدراسة (صفحة ٣٤). فهل هذا يعني أن التعليم الجامعي في فرنسا ليس جيدا؟

وإذا عدنا إلى جامعاتنا العربية فإننا نجد الكثير منها في وضع مزر بغض النظر عن توفر المال من عدمه، مما لا يؤهلها لاحتلال مراكز متقدمة في أي تصنيف سواء كانت معاييره تراعي الفروقات بين الدول أم لا. وبالتالي فإني هنا لست بصدد تقديم الأعذار لتأخر جامعاتنا وتدني مستواها، ولكن من المهم أن ندرك أن دور جامعتنا ودور العلم بصورة عامة في بلداننا يجب أن يتركز حول خدمة مجتمعاتنا قبل استيفاء شروط التصنيفات كما يحاول البعض أن يفعل.

الخميس، 30 يوليو 2009

لماذا أنزل القرآن باللغة العربية؟




عثرت خلال بحث على اليوتوب عن مواد تتعلق باللغة العربية على المقطع الموجود أعلاه والذي يتحدث فيه الأستاذ زيد قاسم غزاوي عن الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة العربية. وتتلخص هذه الحكمة في رأي الأستاذ زيد في كون أن القرآن إذا أنزل بلغة أخرى غير العربية لما استطاع أن يحوي ما فيه من معان ودروس على نفس مستوى القرآن العربي. ويضيف الأستاذ زيد أن القرآن الكريم إذا أنزل بلغة أخرى كالإنجليزية لاستلزم ذلك أن يكون القرآن أكبر من حجمه الحالي حتى يؤدي غرضه، وذلك بسبب أنه لا توجد لغة تضاهي العربية في الإيجاز والفصاحة والبيان.

إن المتمعن في كلام الأستاذ زيد لا يسعه إلا أن يستنتج أن الإعجاز اللغوي الكائن في القرآن يرجع لكونه نزل بالعربية، وهذا أمر ليس بصحيح، وذلك لسبب بسيط وهو أن جميع أوجه الإعجاز في القرآن الكريم تعود لكونه منزلا من عند الله لا من عند بني البشر. فالعرب على فصاحتهم لم يتمكنوا من أن يأتوا بكتاب يقترب من فصاحة القرآن وقوة لغته، فما جاء من عند الله لا يمكن أن يساوي ما عند البشر.

وبالتالي فإننا لا يمكننا أن نجعل من تميز العربية على غيرها من اللغات سببا في إنزال القرآن بها. أضف إلى ذلك أن ما قاله الأستاذ زيد عن أن القرآن الكريم لو نزل بالإنجليزية لكان أكبر من حجمه الحالي ليس بحجة يعتد بها، وذلك لذات السبب المذكور أعلاه وهو أن القرآن إعجاز إلهي، والله سبحانه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فإذا أراد الله أن ينزل القرآن بأية لغة وبأي حجم وبأي مستوى من الفصاحة والبيان لاستطاع ذلك، كيف لا وهو القادر على كل شيء. ولكنه جل جلاله أنزله بالعربية لكون الرسالة بدأت على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عز وجل في بادئ الأمر بين قومه من العرب ثم عمت دعوته العديد من الأقطار الغير عربية في حياته وبعد وفاته. فكيف للقرآن أن ينزل بلغة لا يفهمها أول قوم دعوا إلى الإسلام؟

ولذا فإن علينا أن ندرك أن القرآن الكريم هو من ارتقى باللغة العربية وليس العكس. فالعرب على براعتهم في استخدام لغتهم ذهلوا من لغة القرآن، وذلك لأنه كلام الله الذي لا يمكن أن يضاهيه كلام البشر سواء كان بالعربية أو بغيرها من اللغات قديمها وحديثها.

الجمعة، 17 يوليو 2009

خطورة التبعية على تقدم العلم: تكملة

تحدثت في المقال السابق عن كيف أن التبعية لثقافة بعينها تجبرنا على الدوران في مسار محدد بحيث لا ترى أعيننا من العلوم سوى ما يصدر من تلك الثقافة، مما يضيع علينا فرصة الاستفادة من علوم الثقافات الأخرى وحتى من علومنا. ولكني أريد اليوم الحديث وباختصار عن خطورة التبعية من حيث التضليل الذي يمكن أن تمارسه الثقافة المتبَعة على الثقافة التابعة.

وعلى سبيل المثال فإن الدكتور ريتشارد دول الذي ذكرته في الأسبوع الماضي اتضح بعد وفاته أنه كان يعمل مستشارا لبعض الشركات التي تصنع منتجات كيميائية أشار العديد من العلماء بأنها تضر بالصحة، بينما كان دول يصر على أن تلك المنتجات ليست ذات ضرر بالصحة. وقد صدقه فيما قال الكثيرون ولم يشكك أحد في مصداقيته، كيف لا وهو الرجل الذي ينسب إليه أنه أول من أثبت أن هناك علاقة سببية بين التدخين والسرطان. ولم يكشف المستور إلا بعد أن توفي الرجل وعرف من سجلاته ورسائله أنه كان يعمل مستشارا بأجر لدى الشركات التي كان يدافع عن منتجاتها. فكيف نسلم بصدق كل ما قاله رجل في ذمته قدح؟

وإذا عدنا إلى مسألة التبعية فإنه يجب علينا أن نعي أن التبعية لثقافة بعينها لا تكون في العلم فقط، بل يلزم التبعية للغير انبهارا شديدا بنموذج حياة الآخر وإنتاجه الأدبي والفني بالإضافة إلى التسليم بصحة ما لديه من علم. وحتى يتم كل هذا فإن من الضروري وجود العديد من الهيئات التي تروج لتفوق الدول المتبعة كالمراكز الثقافية ودورات تعليم اللغة والبرامج التلفزيونية. وهذا ما أصبح يسميه البعض في يومنا هذا القوة الناعمة، وهي قوة إغرائية تهيأ شعبا أو أمة ما للانقياد لدولة أو ثقافة معينة دون استخدام الصواريخ والقنابل.

والانبهار بالآخر والإيمان شبه المطلق بعصمته واستحالة التفوق عليه بوعي أو بدون وعي داء قد يصيب الكثير من أفراد أي مجتمع، من كبيرهم وحتى صغيرهم. وخير دليل على ذلك محاولة السادات غزو ليبيا للاستيلاء على نفطها عام ١٩٧٧، وذلك بإيعاز من إسرائيل، إذ ظن السادات أن أمريكا بصفتها حليفة إسرائيل سوف تبارك أو تغض الطرف عن هجومه على ليبيا، وهو ما لم يتم، إذ صدم السادات من ردة فعل أمريكا التي كان يؤمن بها إيمانا عميقا لدرجة أنه طلب منها أن تتكفل بأمنه الشخصي حسب ما ذكره حسن يوسف الشريف نقلا عن هيكل.

وختاما فإن التبعية للغير سواء كانت تسبب في تضييق الأفق كما تبين في المقال السابق أو في تضليل العقول وتغييبها كما رأينا في هذا المقال، فإن عواقبها وخيمة جدا على مجتمعاتنا، حتى وإن لم يتضح ذلك على المدى القصير. ولا يعقل أن يكون التقدم من السهولة بمكان بحيث يتم عن طريق اتباع الآخرين وأخذ علومهم ومعارفهم دون أن يكون لذلك ثمن باهظ يتحتم علينا دفعه. وقد قيل قديما: ما حك جلدك مثل ظفرك، فتول أنت جميع أمرك.

الخميس، 9 يوليو 2009

خطورة التبعية على تقدم العلم

١- في عام ٢٠٠٥ منح الدكتور ريتشارد دول مناصفة مع الدكتور ريتشارد بيتو جائزة الملك فيصل العالمية في الطب تقديرا لأبحاثها عن الأمراض التي يسببها التدخين. وحسب اللجنة المانحة فإن الرجلين كانا "أول من أثبت بشكل قاطع وجود صلة وثيقة بين التدخين وأمراض الأوعية الدموية والسرطان وغيرها، كما كانت بحوثهما حافزاً للعديد من الدراسات الأخرى بما فيها استخدام الأحياء الجزيئية لإثبات العلاقة السببية بين التدخين والسرطان".

والحق يقال أن الرجلين قاما بالعديد من الأبحاث عن الآثار السلبية للتدخين على الصحة، ولكنهما لم يكونا أول من أثبت أن للتدخين ضررا على الصحة، إذ أن الأطباء الألمان أثبتوا في العهد النازي العلاقة بين التدخين وأمراض كالسرطان وغيره. بينما لم يبدأ ريتشارد دول أبحاثه إلا مع بداية الخمسينات.

٢- إذا سألت أي شخص عن نشأة الإنترنت فإنه سوف يخبرك أنه نشأ في أمريكا. وهذا صحيح، ولكن ما لا يعرفه يعرفه الكثيرون، حتى بعض المتخصصين في علوم الحاسوب، أن الصيغ الأساسية، أو البرتوكولات، التي بني على أساسها الإنترنت بشكله الحالي صممت في فرنسا تحت قيادة عالم يسمى لويس بوزان. وقد تلقف هذه الصيغ عالمان أمريكيان وهما روبرت كان وفنت سرف وطوراها حتى نشأ الإنترنت وأصبح فنت سيرف يعرف بأبي الإنترنت. أما بوزان فأصبح إسما قلما يسمع به حتى طلاب علوم الحاسوب. وإذا راجعت موسوعة ويكيبيديا فإنك تجد السيرة الذاتية لسيرف متوفرة في أربع وعشرين لغة، بينما سيرة بوزان متوفرة في ثلاث لغات فقط.


ولست هنا بصدد أن أبخس الأمريكان أو البريطانيين حقهم أو أن أدافع عن الألمان أو الفرنسيين، ولكني أريد أن أنبه إلى أن التبعية للثقافة الأنجلوساكسونية تجعلنا ندور في فلكها حتى لا نرى العالم إلى بعيون أنجلوأمريكية. ولست هنا أتهم الأمريكان أو البريطانيين بالسطو على أعمال غيرهم، فالدكتور دول أشار في أبحاثه إلى جهود الألمان، وروبرت كان وفنت سرف اعترفا بفضل بوزان. ولكن ما اشتهر أن دول كان أول من أثبت ضرر التدخين على الصحة وأن سيرف هو أبو الإنترنت. والناس يتذكرون ما اشتهر وشاع حتى وإن كان جزئا من الحقيقة لا الحقيقة كلها.

ولذلك يتوجب علينا أن نعي أن التبعية لثقافة بعينها تؤدي إلى أن ما يصلنا عن العلم وعن مصادره يمر بفلتر تلك الثقافة التي نتبعها، مما يعيق تقدم العلم لدينا. وإلا فكيف نفسر منح ريتشارد دول جائزة توصف بالعالمية دون التحقق من مسألة أول من أثبت علاقة التدخين بأمراض خطيرة كالسرطان، وذلك بالرغم من توفر المعلومة التي غابت عن اللجنة المانحة للجائزة باللغة الإنجليزية التي كثيرا ما ندور في فلك الثقافة الحاملة لها (راجع كتاب روبرت بروكتر عن محاربة التدخين في ألمانيا النازية والذي صدر عام ١٩٩٩، أي قبل ستة أعوام من منح دول الجائزة).

٣- إذا سألت أي مثقف عن أول من تحدث عن صراع الحضارات لقال لك أنه صامويل هنتنجتون، وهذا هو السائد والشائع في العالم وحتى بين العرب بالرغم أن المفكر المغربي المهدي المنجرة كان أول من تحدث عن الموضوع في كتابه الحرب الحضارية الأولى، وبالرغم أن هنتنجتون ذكر في كتابه كتاب المنجرة عن صراع الحضارات. فهل يجب للمعرفة أن تكتب في هارفارد حتى تصبح ذات قيمة؟

والقضية هنا لست سباقا أو لهثا وراء شرف أو لقب من قبيل أننا أول من اخترع كذا وكذا، ولكن كتاب المنجرة يختلف من حيث الطرح عن كتاب هنتنجتون، فلكل منهجه في معالجة الموضوع. فالمنجرة يركز على أهمية الحوار في الحد من صراع الحضارات، بينما يرى هنتنجتون أن الثقافات الغير غربية سوف تكون مصدر صراع الحضارات. فلماذا ندور في فلك من يرى أننا أحد الأسباب الرئيسية لصراع لا مفر منه ولا نلقي بالا لكتاب المنجرة الذي يقدم أطروحات مختلفة؟

وفي الختام فإنه ينبغي أن نعلم أن التبعية للغرب أو لجزء منه كأمريكا تعيق نهضتنا العلمية وتحجب أبصارنا عن علوم الثقافات الأخرى وحتى عن علومنا كما رأينا في حالة المنجرة. والسبب في هذا ليس فقط الاستعمار الفكري الذي يمارسه ضدنا الغير، وإنما أيضا تبجيلنا للآخرين وانقيادنا لهم، وهو ما سماه مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة القابلية للاستعمار. فالداء فينا قبل أن يكون في الغير، فهل نعي ذلك؟

الثلاثاء، 30 يونيو 2009

ثقافات الآخرين عائقا للتقدم

جلست بالأمس مع أحد الأصدقاء نتناقش حول مشكلة يواجهها، وهي أن صديقي يدرس اللغة الإنجليزية في معهد لغات تابع لجامعة إسلامية، والمشكلة أنه يريد ترك ذلك المعهد لأنه يركز كثيرا على قواعد اللغة دون الاهتمام بالمحادثة، ولكنه يخشى أن يذهب إلى معهد آخر فيه بعض الممارسات التي لا يريد بصفته رجلا ملتزما بالدين القيام بها.

حاولت إقناع صديقي بالقول أنني شخصيا لا أمانع في أن أشاهد فيلما أو استمع إلى أغنية في سبيل أن أتعلم لغة أجنبية، وذلك لأنني أصلا استمع إلى الأغاني وأشاهد الأفلام. أما الممارسات الأخرى التي قد يقوم بها أحدهم أو إحداهن في الفصل فإني لست ملزما بالمشاركة فيها طالما أنها لا تتفق مع عقيدتي وأخلاقي، حتى وإن صنف تصرفي هذا من قبل المبشرين بالتعايش ودعاة الانبطاح على أنه انغلاق وتحجر.

وبعد الكثيرمن النقاش والتفكير تولدت لدي قناعة أن المشكلة أكبر بكثير من قبلة عابرة رأينا مثلها واستنكرناها في العديد من الأفلام العربية أو من جسد عار في فيلم هوليودي. ومن دون أن نهون من أثر ذلك العهر الغربي وحرمته، فإنه يجب علينا أن ندرك أن المعضلة التي تواجه العديد من مستهلكي الثقافة الأمريكية من أبناء جلدتنا هي أن تلك الثقافة مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا العربية، فالقضية ثقافية ودينية في آن واحد، خصوصا أن ديننا الحنيف ليس مجرد شعائر وإنما منهاج حياة. وبعض أفلام هوليود يمكن اعتبارها خالية من المشاهد الجارحة، ولكن نمط الحياة الذي تصوره لا يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا ولا روح الثقافة الإسلامية العربية بغض النظر عن خلوها من مشاهد العري.

وإذا أخذنا الحب مثالا على الاختلافات الجذرية بيننا وبين أمريكا فإننا نرى مثلا في الأفلام الأمريكية أن ممارسة الجنس بين حبيبين غير متزوجين يقوي علاقة الحب بينهما، بينما ترى المجتمعات العربية في أغلب الحالات أن الرجل لا يمكن أن يثق بامرأة ويتزوجها بعد أن فرطت في جسدها. ففي هذه الحالة نرى أن ممارسة الجنس تقوي علاقة الحب قبل الزواج في مجتمع وتنهي تلك العلاقة في مجتمع آخر.

ومما قد ينتج عن المشاهدة المتكررة لأفلام هوليود أن بعضا من الناس يقع في نفوسهم شبه اعتقاد أن الحب شيء سيئ، وذلك لأنهم يربطونه بالحب على الطريقة الأمريكية، وهو ما لا يريدونه. ولذلك تجد بعضهم يستفتي علماء الدين متسائلا عن حكم الحب. وتجد البعض الآخر يبتعد عن الحب تماما ولسان حاله "حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه".

ويجادل البعض أن علينا أن نقلد الغرب في أخلاقهم الحسنة، وهم بذلك يتناسون أن الأخلاق الحسنة ليست ملكا لأحد. فهل الانضباط في العمل خلق أمريكي؟ أم ألماني؟ أم ياباني؟ والحق أن الكثير من الأخلاق الحسنة معروفة لدى الكثير من الشعوب، ولكن النية الكامنة وراء الالتزام بها وطريقة تطبيقها وترتيبها حسب العقيدة والأولوية وطبيعة كل مجتمع هو ما يميز حضارة عن أخرى. وبالنسبة لنا فإن الأخلاق الحسنة يجب أن تكون مستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف ومرتكزة على الحاكمية لشرع الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أبدا استيرادها من الغرب أو اليابان أو الصين كما يود البعض أن يفعل بدعوى أن أننا إخوة في الإنسانية وكل الأديان تؤدي إلى الطريق القويم وما إلى ذلك من مكرورات التغريبيين المكشوفة التي تهدف إلى تذويبنا في ثقافة الغرب.

وعليه فإن علينا أن ندرك أن نمط الحياة الأمريكي أو الغربي بصورة عامة ليس الطريق الوحيد نحو التقدم، وهو بالتأكيد ليس طريقنا نحن للتقدم. وقد تطورت أوروبا عن طريق الثورة على السلطة الكنسية والملكية، بينما تتقدم العديد من الدول الآسيوية عن طريق الطاعة التي كثيرا ما تكون عمياء للقادة، وسوف تنهض أمتنا إن شاء الله باختيار طريق الأصالة والعودة إلى جذورنا، فحذار من أن نترك الثقافات الأخرى تعبث بعقولنا وتزيد من تخلفنا بينما نحن نظن واهمين أنها تهدينا سبل النجاح.

الأربعاء، 24 يونيو 2009

عالم العربية الفسيح

عندما يتحدث المتخصصون في شؤون اللغة العربية عنها فإنهم كثيرا ما يمتدحون خصائصها اللغوية مثل الاشتقاق والنحت والتركيب ومثل قواعها الدقيقة التي تساهم في تحديد معنى ودلالات الجمل ومثل عدد مفرداتها الضخم. ولكن كل هذه الخصائص سمات داخلية للغة العربية تميزها عن غيرها من اللغات دون أن تكون العامل الرئيسي في نشرها أو فرضها. أما المقومات الأساسية التي تميز لغة عن أخرى فإنها في أغلب الأحيان مرتبطة بالوزن السياسي والاقتصادي والعسكري وبالموقع الجغرافي والإرث التاريخي وبالناتج العلمي والفكري للمتحدثين بتلك اللغة، إلى غير ذلك من المقومات. وليس شرطا أن تتوفر كل هذه المقومات حتى تصبح لغة ما ذات قيمة، إذ يكفي أن يكون بعضها موجوداً للتمكين للغة ما حسب الظروف.

واللغة العربية اليوم ينقصها بعض من المقومات المذكورة أعلاه، ولكننا إذا نظرنا إلى العالم العربي لوجدنا أن عدد الناطقين بالعربية من أهم العوامل التي يمكن أن تساعد في التمكين لها، فعدد المتحدثين بها كلغة أم يقارب الثلاثمائة مليون نسمة موزعون على مساحة شاسعة من الأرض تمتد من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي. ويشكل هذا العدد أحد العوامل الرئيسية التي تجعل من اللغة العربية واحدة من اللغات العشر الأوائل على مستوى العالم، وذلك بغض النظر عن المعايير المستخدمة في تحديد أهمية كل لغة.

ويعتبر عدد الناطقين بالعربية عاملا مهما في فرض الحد الأدنى من التعريب في الدول العربية، وذلك لأن ذلك العدد الضخم يمنح أي منتج يحتوي على جانب لغوي سوقا واسعة تزيد من فرصة انتشاره. ولقد شاهدنا في التاريخ الحديث أدلة على ذلك، فدول الخليج استعانت وما زالت تستعين بأساتذة عرب من مصر وغيرها من الدول العربية. وعندما كانت حركة التعريب في أوجها في الجزائر بعد الاستقلال كان هناك دور مهم للدول العربية الأخرى في المساهمة في تعريب الإدارة الجزائرية. وفي عصرنا الحديث نرى كيف أن قناة مثل الجزيرة القطرية تستقطب المشاهدين من جميع الأنحاء. وعندما توفي الأديب السوداني الطيب صالح في هذا العام جرى تأبينه في حفلات أقيمت في العديد من الدول العربية، من عمان إلى موريتانيا.

ومن هنا يجب علينا أن ندرك أن العروبة كما يؤكد محمد جابر الأنصاري ليست أيديولوجيا، وإنما هي واقع حي عشناه في الماضي ونعيشه في الحاضر ويجب أن نستفيد منه في المستقبل. فوحدة اللغة بين أبناء العربية على اختلاف لهجاتهم تشكل طاقة كامنة يجب تفجيرها عن طريق التعريب الشامل لجميع مناحي الحياة، ولا سيما في التعليم العالي بجميع تخصصاته وفي القطاع الاقتصادي. ولوسائل الاتصال في هذا العصر دور مهم جدا في تحقيق ذلك الهدف، إذ أنه من الأولى أن نستغل تلك الوسائل للانفتاح على بعضنا قبل الانفتاح على الآخرين. وأي كتاب مكتوب بالعربية في أي مجال من المجالات يمكن أن يقرأ من قبل عدد كبير من الناطقين بالعربية. فإذا كانت السوق قائمة والزبائن كثر، فلماذا التردد؟