الأربعاء، 29 فبراير 2012

العربية: أم اللغات أم لغتنا الأم؟


كان السؤال حول نشأة اللغة وما زال من أهم الأسئلة التي حيرت علماء اللغة والمهتمين بها، حيث اختلفوا حول إذا ما كانت نشأة اللغة عن اصطلاح أو توقيف، فذهب بعضهم إلى أن اللغة نشأت من خلال ما اصطلح عليه البشر وتوافقوا من مسميات لما حولهم، وذهب نفر آخر إلى القول بأن اللغة ناشئة عن توقيف، أي أن الله سبحانه وتعالى علمها لآدم عليه السلام. (راجع هذا المقال بعنوان أصل اللغة لمعرفة المزيد حول آراء العلماء عن الموضوع).

وبغض النظر عن كيفية نشأة اللغة فإن ثمة تساؤل آخر يحير العلماء، ألا وهو بأية لغة تحدث آدم عليه السلام؟ فكما فشل المختصون في الوصول إلى جواب شاف عن كيفية نشأة اللغة فإنهم حتى الآن لم يستطيعوا أن يحددوا اللغة التي تكلم بها أبو البشر.

وأيا كانت تلك اللغة فإن ثمة محاولات هنا وهناك لإثبات أن لغة بعينها من اللغات التي نعرفها كانت هي لغة أبينا آدم عليه السلام. وبالتوازي مع تلك المحاولات فإن مجهودات أخرى بذلت وتبذل لإثبات أن لغة بعينها هي أصل اللغات الأخرى التي لا تعدو أن تكون مشتقة منها. ففي عالمنا العربي مثلا نشرت عدة كتب ومقالات تحاول أن تبرهن على أن اللغة العربية هي اللغة التي كان يتخاطب بها آدم عليه السلام وأن كل اللغات الأخرى مشتقة منها.

ومن أمثلة ما نشر حول الموضوع مقال متداول على النت للراحل مصطفى محمود وكتاب بعنوان لغة آدم عطاء أبدي لبني آدم لمحمد رشيد ناصر ذوق وكتاب آخر بعنوان اللغة العربية أصل اللغات كلها لعبد الرحمن البوريني.

وجل هذه المقالات والكتب نتاج لمجهود رائع حاول فيه مؤلفوها أن يتتبعوا الكثير من الكلمات المستخدمة في عدة لغات ومقارنتها بأصلها العربي الذي غالبا ما يحمل ذات المعنى. ومن يطلع على القوائم التي نشرت بهذا الصدد لا يسعه إلا أن يتعجب من تلك الهمة العالية التي تحلى بها هؤلاء الباحثون، لأن تتبع الكلمات يتطلب صبرا ومعرفة عميقة ليس باللغات الأجنبية فقط وإنما باللغة العربية أيضا.

ولكن اللافت للنظر أن جميع تلك الكتابات، على حد علمي، لم تقارن سوى بين اللغة العربية وبضعة لغات تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة كالانجليزية والفرنسية والألمانية وأحيانا السنسكريتية لغة الهند القديمة التي تنحدر من نفس الفصيلة التي تنحدر منها غالبية اللغات الأوروبية. وهذا يعني أنه لا يمكننا أن نتستنتج أن اللغة العربية أم اللغات بناء على مقارنتها ببضعة لغات تنتمي إلى نفس الفصيلة.

لكن مؤلفي الكتب المشار إليها أعلاه استنتجوا أن اللغة العربية أصل اللغات ولغة آدم دون إجراء مقارنات مع لغات أخرى، ورغم أن الأستاذ عبد الرحمن البوريني أشار في كتابه إلى أنه لا يمكن أن نقول بأن اللغة العربية أصل لغات العالم أجمع دون مقارنتها بلغات أخرى غير الانجليزية التي ركز عليها في كتابه، إلا أن عنوان كتابه لا يبين ذلك على الإطلاق، فبدلا من أن يسمي كتابه اللغة العربية أصل اللغات كلها، كان الأولى أن يسميه مثلا اللغة العربية أصل اللغة الانجليزية.

والشاهد هنا أننا بصدد مشكلة حقيقية نابعة من موجة التغريب العاتية الذي نعاني منها منذ عشرات السنين، فلقد صرنا اليوم نرى أن العالم ينحصر في العالم الغربي فقط، وأن ما سوى ذلك ليس جديرا بالاهتمام ولا يجب أن يذكر سوى على الهامش، فالاحصائيات التقريبية تقول أن هناك حوالي ستة آلاف لغة تنتمي إلى عدة فصائل، ولا تنتمي اللغات الأوروبية محل المقارنة إلا فصيلة واحدة وهي فصيلة اللغات الهندية الأوروبية التي تضم لغات كالأسبانية والفرنسية والانجليزية والألمانية والروسية والكردية والفارسية والأردية والبنغالية وأغلب لغات الهند عدا الجزء الجنوبي منها.

والسؤال هنا هو: أين ذهبت بقية لغات العالم؟ أين ذهبت لغات شرق وجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى؟ أين ذهبت لغات أفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية؟ لماذا لا نقارن لغتنا العربية بلغات كالصينية أو الإندونيسية أو التركية أو الفولانية أو الكتشوا؟ أليست هذه لغات حية يتحدث بها بشر ينحدرون من سلالة أبينا آدم عليه السلام؟ أم أن أسلافهم جائوا بمركبات فضائية من كواكب أخرى واستوطنوا الأرض؟

إن من أكثر آثار التغريب الذي عشناه ونعيشه سلبية أن كثيرا منا صار يعتقد أن الانفتاح على الخارج يعني الانفتاح على الغرب وحتى الانقياد له، لدرجة أن أحدنا عندما يقول أنه مسافر إلى الخارج نفهم مباشرة أنه مسافر إلى أوروبا أو أمريكا مثلا. وعندما نتحدث عن المدارس الأجنبية يتبادر إلى الذهن مباشرة دون لبس أن التدريس في تلك المدارس يتم بلغات غربية كالانجليزية والفرنسية مثلا، حتى أضحت بعض المدارس من هذا النوع تسمى في مصر مدارس اللغات والأدق أن تسمى بمدراس اللغات الغربية. وباختصار فإن كلمات مثل الخارج وعالمي ودولي أضحت مرادفة في كثير من الأحيان لكلمة غربي. (راجع ما كتب عن فقه التحيز للاستزادة).

وإذا أسقطنا هذا الكلام على تعلم اللغات في بلداننا لوجدنا أن تعلم اللغات الأجنبية أضحى مرادفا لتعلم اللغات الغربية، إذ تجد أحدنا يتعلم الانجليزية، ثم إذا ما أتقنها وأراد أن يتعلم لغة أخرى عرج على الفرنسية أو الألمانية أو الأسبانية أو الروسية وهكذا دواليك.

ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى الكف عن تعلم تلك اللغات أو نبذها، ولكني أدعو ألا نضع البيض كله في سلة واحدة. ومن يراجع عدد من يتعلم منا لغات غير اللغات الغربية لوجدنا أنه لا يذكر، وهذه مشكلة تعكس إلى حد كبير نظرتنا إلى الغرب على أنه المنبع الوحيد الذي ينبغي أن ننهل منه وأن غيره ليس لديه ما يستحق العناء الذي يتكبده متعلم أية لغة اجنبية.

وكما أنني لا أدعو إلى غلق الباب على الغرب فإنني لا أدعو إلى فتحه على مصراعيه أمام الثقافات الأخرى مثلما ما يتردد هذه الأيام عن أهمية تبني تجارب بلدان كاليابان والصين أو غير ذلك من التجارب التي نجحت في بلاد غير غربية، إذ يتوجب علينا أن ندرك أننا قبل أن ننفتح على الخارج من جهاته الأربع فإن علينا أن ننفتح على الداخل وننغمس فيه ونعرف تفاصيله ومداخله ومخارجه ونفهم طبيعته بعمق ووضوح، مما يجعل من اليسير علينا أن نوجد حلولا لمشاكلنا اعتمادا على أنفسنا ولكي تصبح الاستفادة من الخارج على تنوعه على سبيل الإضافة لا الإحلال.

وإذا عدنا إلى الموضوع الأصلي الذي بدأنا به المقال، فإنني أرى بالفعل أن هناك تشابها يصعب إنكاره بين العديد من مفردات اللغة العربية وبعض اللغات الأوروبية كما ورد في الكتابات التي تعنى بهذا الشأن، ولكني لست متأكدا إذا ما كان هذا التشابه يصل إلى حد إثبات أن اللغة العربية أصل اللغة الانجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من لغات أوروبا. كما أنني لا يهمني كثيرا إثبات أن اللغة العربية أم اللغات، ليس لكوني أنتقص من شأنها، ولكن لأن اعتزازي بها ينبع من كونها لغتي التي ليس لدي سواها ولأنني لا يمكن أن استبدلها بلغة أخرى لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصل حد إتقاني لها وتمكني منها وشعوري بامتلاك ناصيتها إلى إتقاني وتمكني من اللغة العربية وشعوري بامتلاك ناصيتها.

ولذا فإن تمسكنا بلغتنا لا ينبغي أن ينبني على أساس أنها أقدم اللغات أو أفضلها أو أفصحها أو أكثرها جذورا أو ما إلى ذلك من معايير، لأن ذلك يعني أننا إذا اكتشفنا العكس صار تركها إلى اللغة التي تلبي تلك المعايير مقبولا ومستساغا. والخلاصة أنني إذا سألني أحدهم لماذا أتمسك باللغة العربية، كان جوابي: لأنها لغتي وكفى.

السبت، 31 ديسمبر 2011

حروفهم في لغتنا

لو قدر لعربي من الماضي أن يبعث من جديد ويتصفح بعضا مما يكتبه عرب اليوم لهاله أمر عجيب يمر على الكثير منا مرور الكرام، ألا وهو استخدام كلمات أجنبية بحروف أجنبية عادة ما تكون انجليزية أو فرنسية في متن الكتابات العربية. ولو سأل عربي الماضي كتاب الحاضر لماذا يرتكبون فعلتهم هذه لأجاب كثير منهم بأن الهدف من ذلك توضيح مقصود الكاتب، ولضحك عندها عربي الماضي من تلك الإجابة العجيبة، فهل يعقل أن يستخدم أحدهم كلمة أجنبية بحروف أجنبية لإيضاح كلمة عربية للقراء العرب؟؟

ولأن شر البلية ما يضحك، فإنه حري بنا أن نحلل تلك البلوى لنعرف بعضا من آثارها السلبية على لغتنا وعقولنا وثقافتنا، والتي من أهمها الآثار الثلاثة التالية:

١- يؤدي استخدام الكلمات الأجنبية بجانب مقابلاتها العربية إلى شعور الكاتب بعدم أهمية انتقاء الترجمة المناسبة للكلمات الأجنبية ظنا منه بأن القارئ إن لم يفهم ترجمته العربية السيئة أو الركيكة فسيفهم مقصوده من الكلمة الانجليزية أو الفرنسية الملاصقة للكلمة العربية. وغالبا ما يؤدي ذلك أيضا إلى جعل الكلمة العربية غير قادرة على الخروج من جلباب نظيرتها الأجنبية. ومثال ذلك السياسة التي تتبعها تركيا مع جيرانها والتي يعبر عنها الكثير من الكتاب العرب بترجمات مثل "صفر مشاكل" و"صفر مشكلات" و"صفر مشكلة"، وكلها ترجمات تحمل قدرا هائلا من الركاكة يجعلنا نظن أن مستخدميها لا يفقهون من العربية شيئا، وما هم كذلك، ولكنه الأصل الانجليزي الذي لم يستطع المترجمون التخلص من قيوده والفكاك من أسره.

٢- في كثير من الأحيان يمكن أن يكون المقابل العربي للكلمة الأجنبية مفهوما لكونه ترجم ترجمة جيدة، ولكن إصرار مستخدميه على إلحاق المقابل الأجنبي به يجعل من العسير أن يرسخ في الذاكرة بمفرده دون وصاية من الكلمة الأجنبية. ومثال ذلك ما ذكره أحدهم أنه سأل أستاذه سؤالا عن التخطيط، فلم يفهم الأستاذ مقصوده حتى ذكر له المقابل الانجليزي للكلمة، وذلك رغم أن كلمة تخطيط شائعة فضلا عن أنها ليست بمصطلح أصلا، ولكنه سحر الكلمات الأجنبية التي تقلب المعايير وتجعل البديهي مستغربا بل مستهجنا أحيانا. (شاهد هذا المقطع لترى كيف أن المتحدث لم يستطع أن يتذكر كلمة دورة مكثفة بسبب ارتباط ذهنه بنظيرتها الانجليزية).

٣- من أخطر ما يمكن أن يؤدي إليه استخدام الكلمات والحروف الأجنبية في الكتابات العربية أن تحاط تلك الكلمات بهالة وأهمية مبالغ فيها، مما يجعل البعض يتوهم بأنها طلاسم من خوارق العلم الذي لا طاقة لنا به، وذلك رغم أنها في أغلب الأحيان ليست كذلك، خصوصا أن الكثير من تلك الكلمات ليست بمصطلحات علمية أصلا. وغالبا لا تترك تلك الهالة أثرا على النفس لمجرد أن القارئ رأى بضعة أحرف أجنبية بضعة مرات، ولكن تكرار رؤية تلك الأحرف على مدار أعوام طوال في عدة كتابات هو ما يجعل النفس والعقل يحيطان تلك الكلمات بهالة يمتد أثرها بعد ذلك إلى تعظيم الغرب والإيمان بعصمته أحيانا، وذلك بسبب أن أغلب تلك الكلمات المقحمة في الكتابات العربية إما انجليزية أو بدرجة أقل فرنسية.

وقد ذكر الإمام الغزالي في بداية كتابه تهافت الفلاسفة أن أحد أسباب ضلال العديد من الفلاسفة من أمة الإسلام " سماعهم أسامي هائلة كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وأمثالهم". والشاهد هنا أن الأسماء الأجنبية تجعل الكثيرين يعظمون أقوال حامليها ظنا منهم برجاحة عقولهم. والفرق بين عصرنا وعصر الإمام الغزالي أن الأسماء الأجنبية كانت تكتب في الماضي بحروف عربية، بينما تجاوزنا نحن عرب اليوم ذلك بإضافة الحروف الأجنبية.


خاتمة
قد يظن البعض أن الحديث عن الظاهرة المذكورة أعلاه ليس سوى ترف فكري لا أولوية له في زمننا هذا، وهذا ليس بصحيح، وذلك لأن إقحام الكلمات الأجنبية بأحرفها اللاتينية في الكتابات العربية غيض من فيض من ممارسات عديدة تعكس التعلق بالغرب والانقياد له، وبالتالي فإن تلك الظاهرة جزء من بلاء أعم ينبغي التصدي له ومقاومته من أجل المضي قدما في مسيرة الاستقلال التام على جميع الأصعدة، والذي نتمنى أن نراه يتحقق عاجلا قبل آجل، وما ذلك على الله ببعيد.

الأربعاء، 30 نوفمبر 2011

جوائز الغرب


في بداية شهر أكتوبر من عام ٢٠١١ قررت اللجنة النرويجية المسؤولة عن جائزة نوبل للسلام منح الناشطة اليمينة توكل كرمان الجائزة لهذا العام بالاشتراك مع رئيسة ليبيريا وإحدى الناشطات الليبيريات. وفور إذاعة الخبر انهالت التهاني والتبريكات على توكل كرمان وعلى اليمن من المهنئين الذين اعتبروا أن الجائزة ليست تكريما لليمن فقط، وإنما جاءت أيضا في الوقت المناسب، حيث تدخل الثورة اليمنية مرحلة كسر العظام بين الشعب اليمني وعلي عبد الله صالح وزمرته، وحيث يرى البعض أن حصول توكل كرمان على الجائزة من شأنه أن يسلط الضوء على كفاح الشعب اليمني ضد الطاغية، وخصوصا أنها تشارك في هذا الكفاح بفعالية.

ورغم ذلك إلا أن بعض الأصوات ارتفعت لتبدي عدم سعادتها بحصول توكل كرمان على الجائزة، وذلك لأسباب مختلفة، حيث حاول البعض التقليل من شأن الحدث بدافع الحقد والحسد، وتسائل البعض الآخر عن الدوافع وراء قرار منح الجائزة للناشطة اليمنية وفي هذا التوقيت بالذات.

وإذا تجاهلنا أصوات الحساد والحاقدين التي لا قيمة لها، فإنه لا يسعنا أن نتجاهل أصوات من تسائلوا عن دوافع الغرب، وذلك لأن تاريخنا مع الغرب يجعلنا لا نكاد نصدق أنه يمكن أن يتعامل معنا بما يرضي الله، خصوصا وأن اللجنة المانحة للجائزة قالت وبكل وضوح أن الجائزة منحت لتوكل كرمان مكافأة لها على دورها في النضال السلمي من أجل سلامة وأمن المرأة وحقها في المشاركة الكاملة في تحقيق السلام، ولأنها كانت قبل وأثناء الثورة عنصرا رئيسيا وفاعلا في نضال المرأة لتحقيق الديمقراطية والسلام في اليمن.

ولإن ذكر مانحو الجائزة الثورة والديمقراطية، إلا أنهم صدروا لنا ذات الخطاب القديم المتعفن الذي ينادي بحقوق المرأة وما إلى ذلك من اسطوانات مشروخة اعتاد الغرب أن يشنف بها آذاننا صباح مساء.

وإذا تركنا سبب منح الجائزة جانبا حتى لا نتهم من قبل عشاق الغرب بأننا ممن يتبنون نظرية المؤامرة فإنه لا يسعنا إلا أن نسجل اعتراضنا على الجائزة من وجهين.

أول هذين الوجهين هو أن مصداقية مانحي الجائزة أقل ما يقال عنها أنها مشكوك فيها، وذلك لأن الجائزة منحت لشخصيات لا تمت إلى السلام بصلة مثل هنري كسنجر ومناحم بيجن وإسحاق رابين وشيمون بيريز وأخيرا أوباما، وكل هؤلاء متورطون في جرائم قتل واحتلال دول وممارسات أبعد ما تكون عن السلام.

كما أن هناك جانبا آخرا لوجه الاعتراض على الجائزة من حيث مصداقيتها، وهو أن الجائزة منحت للسادات وعرفات نظير توقيعهما اتفاقيات الاستسلام مع الكيان الصهيوني. كما منحت الجائزة قبل ذلك لأسباب سياسية بحتة، حيث أعطيت عام ١٩٨٣ لأحد القادة العماليين في بولندا نظير معارضته النظام الشيوعي آنذاك، ومنحت عام ٨٩ للدلاي لاما لمعارضته النظام الصيني، وبعد ذلك لجوربتشوف عام ٩٠ لدوره في تغيير النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي السابق، وللمعارضة المينمارية سان سو عام ٩١، ولشيرين عبادي عام ٢٠٠٣ لمعارضتها النظام الإيراني، وأخيرا للمعارض الصيني ليو شياوبو عام ٢٠١٠.

ومن هنا يتضح جليا أن الجائزة لا تمنح لغير الغربيين إلا لمن يحقق السلام من وجهة النظر الغربية، حيث أن كل الفائزين بالجائزة المذكورين أعلاه عارضوا حكومات ليست على اتفاق مع الغرب، باستثناء السادات وعرفات الذين عارضوا شعوبا تأبى الهيمنة الغربية. وبما أن مانحي الجائزة أبعد ما يكونون عن الحيادية، فإن الحصول على الجائزة لا يجب أن يكون مدعاة للفخر أو الزهو.

أما الوجه الثاني للاعتراض على الجائزة فليس موجها لمانحيها وإنما لممنوحيها، ولست أتحدث هنا عن توكل كرمان أو من تمنح أو منحت له الجائزة شخصيا، وإنما عن كل من يرى أن منح الجائزة لعربي أو عربية مدعاة للشعور بالبهجة السرور. ووجه الاعتراض هنا أن هناك أناسا من بني جلدتنا، وهم كثر، لا يشعرون بقيمة المرء إلا اعترف به من قبل الخواجات، وذلك بسبب الشعور بالدونية والانبهار بالغرب. والمشكلة ليست في عقدة النقص فقط، وإنما تتجاوز ذلك، حيث أن أحدهم قد يكرمه الغرب بينما أثره على وطنه سلبي، مثل نجيب محفوظ، والذي رغم أن أعماله تعج بالانحرافات الفكرية والخٌلقية، إلا أن حصوله على جائزة نوبل للأدب يجعل من العسير إقناع الكثيرين بأن أدبه مليء بقلة الأدب.

وفي ذات الوقت نجد أن الكثيرين لهم أثر طيب وكبير على بلدهم ولكنهم ليسوا ذائعي الصيت، مثل المناضل التونسي الصادق شورو والذي قضي في سجون بن علي أكثر من ثمانية عشر سنة منها ثلاثة عشر سنة كاملة في الحبس الانفرادي. والسؤال هنا هو: كم من غير التوانسة سمع بالصادق شورو مقارنة بعدد غير اليمنيين الذي يعرفون توكل كرمان الآن؟

وختاما فإنني لست أدعو هنا إلى تجاهل دور توكل كرمان في الثورة اليمنية أو دور غيرها من الصادحين بالحق في وجوه الظلمة والطغاة، وإنما أتمنى أن يأتي اليوم الذي نقيم فيه المناضل وعطائه بميزاننا نحن لا بميزان الغرب المعوج.

السبت، 18 ديسمبر 2010

الإيمان المستورد

في عام ٢٠٠٨ نشرت صحيفة فلت الألمانية خبرا عن إسلام هنرك برودر، وهو صحفي ألماني عرف بعدائه الشديد للإسلام وكتاباته التي يهاجم فيها المسلمين وعقيدتهم هجوما عنيفا. وقد تلقف بعض العرب خبر إسلام الرجل ونشروه على نطاق واسع لدرجة أنك إن كتبت كلمة "هنرك" على محرك البحث قوقل ظهر لك باقي الإسم تلقائيا.

ولكن الغريب في الأمر أن من يتابع كتابات الرجل حتى اليوم يجدها لا تزال تعج بالهجمات العدائية على المسلمين، حيث أنه نشر قبل فترة مقالا ينتقد فيه وزير الخارجية الألماني اللوطي لأنه قال أنه لن يصطحب معه شريك حياته في رحلاته إلى الدول التي ترفض اللواط وتجرمه لأن ذلك تصرف غير حكيم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يصدر كلام كهذا عن صحفي مسلم سمى نفسه هنرك محمد برودر؟

الحقيقة أن برودر لم يسلم ولا يحزنون، وإنما ورد خبر إسلامه في قسم المقالات الساخرة في صحيفة فلت الألمانية، وكان المقال مليئا بالتهكم والاستهزاء بالإسلام والمسلمين. ولكن تبعيتنا للغرب وانبهارنا به جعلتنا نفرح ذلك الفرح الطفولي الذي نبديه كلما أسلم غربي أو قال كلمة مدح في حق ديننا، حتى وإن كانت تنم عن سخرية وازدراء لا نلاحظها بسبب التبعية التي تعمي البصر والبصائر.

وإن كان ما قام به هنرك برودر من سخرية بالإسلام بالتظاهر بمدحه حالة معزولة لا تتكرر كثيرا، إلا أن هناك مشكلة أخرى نابعة من التبعية للغرب، وهي الاستئناس بما قاله الغربيون عن الإسلام وعظمته وسماحته وما إلى ذلك من مديح يكيلونه لديننا الحنيف. والمشكلة هنا أن غالبية هؤلاء المادحين للإسلام يمدحونه إما بناء على منهج مادي بحت أو رغبة في تغليب أحد جوانب الإسلام على غيره خدمة لمصالحهم. وللتفصيل في ذلك نورد النقطتين التاليتين:

١- في عام ١٩٧٨ أصدر أحد الكتاب الأمريكيين وإسمه مايكل هارت كتابا ذاع صيته نقله إلى العربية أنيس منصور بعنوان الخالدون المائة، وضع فيه الكاتب قائمة بأعظم مائة شخصية في التاريخ من حيث التأثير. وكانت المفاجأة أن الكاتب رغم كونه أمريكيا يهوديا وضع الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس القائمة.

وما إن شاع خبر الكتاب وصدرت ترجمته حتى هلل الكثير من العرب والمسلمين وفرحوا وما زالوا يفرحون فرح السذج، وكأننا قبل صدور الكتاب لم نكن نعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين.

وقد يرى البعض أنه ليس هناك غضاضة في أن نستأنس بالكتاب طالما أن الكاتب وصل إلى نتيجة توافق عقيدتنا وإيماننا. وطالما أن مكانة نبينا محفوظة وأن الكاتب رغم كونه كافرا قدمه على غيره من البشر فلا داعي للاعتراض ووضع العقدة في المنشار.

ولكننا إن أمعنا النظر في الكتب وفي فكر الكاتب وتركنا النظرة السطحية جانبا لوجدنا الآتي:

أولا، بالرغم من أن الكاتب وضع نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم على رأس قائمته، إلا أنه وضع نبي الله عيسى عليه السلام في المركز الثالث مقدما عليه العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن، كما أنه وضع موسى عليه السلام في المركز السادس عشر مقدما عليه شخصيات مثل بوذا وتسي لُن وكولمبس وأينشتاين وماركس وأرسطو ولينين. فكيف لنا أن نقبل بهذا الترتيب؟ ألا يناقض هذا الترتيب ديننا الحنيف الذي يعلمنا أن الأنبياء والمرسلين هم خير البشر؟ كيف نحتفل بكتاب يضع ثلاثة من أولي العزم من الرسل في قائمة واحدة مع رؤوس للشيوعية كماركس وستالين ومع ملك التتار جنكيز خان ومع دارون منكر خلق آدم وحواء ومع نابليون غازي مصر ومع الملكة إيزابلا التي حاربت المسلمين مع زوجها حتى قضيا على حكمهم في الأندلس؟

ثانيا وهو الأهم، أنه من الواضح أن المعايير التي رتب على أساسها مايكل هارت الشخصيات المائة معايير مادية جدا، فهو يتبع المنهج المادي في تفسير التاريخ الذي لا يعطي أولوية للجوانب الروحية والمعنوية. والدليل على ذلك أننا نجد أن قائمة الكاتب اشتملت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه دون أبي بكر رضي الله عنه، وذلك لأن عهد الفاروق شهد العديد من الفتوحات لمساحات شاسعة من الأراضي.

ثالثا، مما يدل على فساد عقيدة مايكل هالات ومادية تفكيره أنه أصدر عام ١٩٩٩ كتابا بعنوان "نظرة إلى العالم عام ٣٠٠٠" لا أعتقد أنه ترجم إلى العربية، وفي هذا الكتاب وضع مايكل هارت قائمة جديدة لأكثر الشخصيات تأثيرا على حياة البشر عام ٣٠٠٠، وجاء ترتيب الرسول صلى الله عليه وسلم في المركز التاسع مسبوقا بشخصيات حقيقية وتخيلية لها إسهامات في الرياضيات والفيزياء والطب وغير ذلك، وجاء عيسى عليه السلام في المركز الثامن لاعتقاد هارت أن المسيحية سوف تؤثر على الإسلام في المستقبل رغم أن الدين عامة لن يكون له ذلك الحضور الكبير أصلا في ذلك الزمان حسب رأيه. وهذا كله يعني أنه لا ثبات في أهمية الشخص بالنسبة لهارت، فإن كان نبينا عليه الصلاة والسلام مهما في الماضي وفي الحاضر، فإن أهميته سوف تقل في المستقبل. وهذا عكس ما نؤمن به نحن المسلمون، فالرسول صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين طال الزمان أو قصر، فكيف نستأنس بكلام شخص لا يؤمن بذلك؟

ولذا فإنه يجب التحذير من خطورة كتاب مايكل هارت والكتب والكتابات التي على شاكلته على عقيدتنا، ولا ينبغي إطلاقا أن نردد الكلام الوارد في تلك الكتب، ولا أن نفرح بما يظنه البعض انتصارا للإسلام وإنصافا لرسالته، وذلك لأن المادية في التعاطي مع التاريخ وتفسيره لا توافق عقيدة المسلم أبدا حتى وإن وصلت أحيانا إلى ذات النتائج، والأعمال بالنيات. (للاستزادة يمكن للقارئ الرجوع إلى فصل المدرسة التاريخية من كتاب الأستاذ غازي التوبة الفكر الإسلامي المعاصر وإلى رأي الشيخ سفر الحوالي في إطلاق لفظة عبقري على النبي صلى الله عليه وسلم).

٢- هناك فخ آخر يجب أن نحذره، ألا وهو مدح الغربيين للإسلام بهدف تغليب أحد جوانبه على الجوانب الأخرى خدمة للغرب ومصالحه.

ومثال ذلك ما يقوله الكثير من الغربيين قادة ومنظرين أن الإسلام دين السلام والتسامح، حيث يكررون هم وأزلامهم تلك المقولة في العديد من المناسبات، ومن ثم يتلقفها بعض المغفلين وبعض من علقت أفئدتهم بالغرب فيرددونها كالببغاوات دون النظر إلى الهدف من فرضها علينا ودون التفكر في مقصودها وعواقبها.

وليس لأحد منا أن ينكر أن الإسلام دين التسامح والسلام، ولكن الهدف من تكرار ذلك هو قصر الإسلام على هذين العنصرين دون غيرهما، بحيث يصبح ديننا الحنيف دينا ينبذ الجهاد ومقاومة الأعداء والمحتلين ودفع الظلم والطغيان والفساد.

وبمعنى آخر فإن الهدف من فرض مقولة أن الإسلام دين السلام والتسامح هو جعل الإسلام دين استسلام واستكانة وخنوع وخضوع للأعداء، بحيث يفقد طابعه الشمولي ويقتصر على المكونات التي تناسب الغرب وغاياته.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف تقوم أمريكا زعيمة الغرب بتشجيع الإسلام الذي يسمونه بالمعتدل، أي الإسلام الخانع، والذي لا يمت للإسلام الحقيقي بصلة، وذلك بناء على خطط وتوصيات مفكرين ومؤسسات غربية مثل مؤسسة رند الأمريكية التي أوصت في تقريرها لعام ٢٠٠٧ بدعم ذلك النوع من الإسلام.

وقبل مدة نشر الصحفي المصري فهمي هويدي مقالا في صحيفة الشروق المصرية بعنوان "تنسيق (روحي) مع أمريكا"، ذكر فيه أن مندوبا من السفارة الأمريكية بالقاهرة اجتمع مع ١٦ شيخا من شيوخ الطرق الصوفية في مصر وذلك بحضور ممثل لمباحث أمن الدولة المصرية، وكان الهدف من الاجتماع بالطبع دعم الحركات الصوفية في مصر كونها لا تتدخل في السياسة. كما هدف الاجتماع إلى البحث في سبل نشر الفكر الصوفي المنسحب من غمار الحياة بين مسلمي أمريكا. وهذا دليل واضح على أن الغرب ماض قدما في تنفيذ خططه المتعلقة بفرض إسلام السلام والتسامح علينا.

ومن آثار تكرار مقولة أن الإسلام دين التسامح والسلام أيضا أن بعضنا صار وللأسف يخجل من دين الله وأحكامه ويصف مقاومة الغزاة والمحتلين بأنها عنف يجب التخلي عنه، كما أصبح هناك من يستكثر علينا حتى الدعاء على الكفار لأن السادة الغربيين يرون أن في ذلك حض على الكراهية، لا بل صار البعض يقول أننا لا ينبغي أن نطلق عليهم كفارا أصلا.

كل هذا بسبب مقولة يرددها القادة الغربيون والمطبلون لهم مفادها أن الإسلام دين السلام والتسامح، وما هي إلا كلمة حق مجتزء أرادوا بها تدجين ديننا وتطويعه لصالحهم.


خاتمة
في وقت تعلقت فيه أفئدة الكثيرين بالغرب وصارت العيون للأسف تنظر بإجلال وانبهار لكل ما هو آت من الغربيين حتى وصل الحال بنا أن نستأنس بأقولهم لنثبت عظمة ديننا، علينا أن نلتزم ببعض الضوابط التي تحدد لنا متى يمكن أن نستشهد بأقوال الغربيين والكفار عامة.

ومن أهم هذه الضوابط ألا نلقي بالا لمن قال كلمة حق في ديننا، وذلك لأن الإيمان بالله لا يمكن أن يتأتى من عند الكفرة المعادين للإسلام، ولأن الكافر إذا شهد بعظمة الإسلام فإنه في أغلب الأحيان يفعل ذلك إما عن سوء نية أو بناء على منهج يخالف الإسلام.

ولا بأس أن نستشهد بكتابات الغربيين إذا كان الأمر يتعلق بعلم نافع أو من أجل كشف مخططاتهم والتحذير منها، فهذا مطلوب، شريطة أن نبذل مجهودا لمحاولة التثبت من صدق المعلومات الواردة إلينا منهم.

أما أن نقول أن الحق ما شهد به الأعداء ونتبع ذلك بقائمة طويلة بأقوال من يسمون بالمنصفين للإسلام، فلا، لا لاستيراد الإيمان، وإن لم يكن مقصودا، وخصوصا في عصرنا هذا، لأن النيات إن ساءت والمادية إن سادت شاع قول الحق الذي يؤدي إلى الباطل. فحذار، حذار من الاستئناس بآراء هؤلاء المنصفين المزعومين لديننا والإكثار من ذلك حتى يأتي يوم يتسلل فيه إلى عقولنا اعتقاد بأن عظمة الإسلام لا يمكن إدراكها دون شهادة حفنة من الكفرة.

الأربعاء، 30 يونيو 2010

اللغة والدين

ما انفك الإسلام منذ أن بعث الله سبحانه وتعالى نبيه بالهدى ودين الحق عاملا هاما يؤثر في العديد من نواحي حياة المسلمين، وقد امتد أثره إلى عدة مجالات كان ولايزال من أهمها اللغة، حيث تغير وجه اللغة العربية بفضل الرسالة المحمدية التي أعادت تشكيلها وبثت فيها روحا لم تعهدها في عصر الجاهلية.

ولم يقف تأثير الإسلام عند اللغة العربية، وإنما تخطاه إلى لغات العديد من الشعوب التي اعتنقت الإسلام كالفارسية والتركية والهوساوية والأردية. كما أن ذلك التأثير لم يتوقف عند حدود اللغة الفصحى مكتوبة كانت أم محكية، وإنما تعداه إلى اللهجات الدارجة حتى أضحى كلامنا فيه العديد من الاستعارات المستمدة من مصادر الإسلام. ومثال ذلك ما ذكره الأستاذ حسن الساعاتي في بحث حول أثر القرآن في حياة المصريين، إذ يقول:

واقتباس المصريين من لغة القرآن فى حياتهم الاقتصادية أمر يستحق الذكر ، فهناك معلقات تحمل آيات قرآنية يعلقها أصحاب بعض المهن في مجالهم . فيعلق الخياط قوله تعالى " وكل شيء فصلناه تفصيلا"(الإسراء:١٢)، ويعلق الحلاق من قوله تعالى : "تعرف في وجوههم نضرة النعيم" (المطففين: ٢٤) أو "وزيناها للناظرين" (الحجر:١٦)، ويعلق الحداد: " وألنا له الحديد " (سبأ:١٠)، ويعلق صاحب المطعم: " كلوا واشربوا هنيئا" (الطور : ١٩)، ويعلق السماك: "ومن كلٍ تأكلون لحما طريا " (فاطر :١٢)، ويعلق المأذون: "وزوجناهم بحور عين" (الطور : ٢٠)، ويعلق الشربتلي: " وسقاهم ربهم شرابا طهورا" (الإنسان:٢١).

وقد يرى البعض في هذه الأمثلة ضربا من ضروب استغلال الدين، لكنها حتى وإن كانت كذلك فإنها تظهر مدى عمق أثر الإسلام وتجذره في حياتنا من الناحية اللغوية.

لكن هناك جانب آخر من تأثير اللغة على الدين له من الأهمية ما يفوق ما ذكر أعلاه، وهو ما يتعلق بالثقافة الإسلامية السائدة في مجتمعاتنا، والتي تحدد ما يمكن أن يقال على الملأ أو يكتب وينشر وما لا يمكن. ومعنى ذلك أن الكتابة باللغة العربية حالها حال الكتابة بأية لغة تضع أمام الكاتب أطرا وأعرافا يصعب عليه تجاوزها دون الاصطدام بالمجتمع، حتى وإن اعترى ذلك المجتمع بعض مظاهر التخلي عن عقيدته أو إهمالها. (لاحظ مثلا أن العلمانيين في مصر باتوا يطلقون على أنفسهم "القوى المدنية" لأن لفظ العلمانية صار سيء السمعة).

ولا يعني هذا أن كل ما كتب ويكتب باللغة العربية موافق للدين الإسلامي الحنيف وتشريعاته، فاللغة العربية تحتوي العديد من الكتابات المخالفة للإسلام جزئيا أو كليا، لكن ما يميز العربية هو أن تلك الكتابات الضالة المضللة ما إن توجد حتى ينبري للتصدي لها كتاب يلتزمون النهج الإسلامي الأصيل، فشعر حسان بن ثابت كان خير رد على هجاء المشركين، وشعر كعب بن زهير بعد إسلامه قضى على ذمه الإسلام قبله، وآراء الفلاسفة المنحرفة دمرها الغزالي وابن تيمية وابن خلدون، وتبعية طه حسين للغرب وقف لها بالمرصاد أنور الجندي، وكتابات تغريبي عصرنا هذا يواجهها المتمسكون بثقافتنا الإسلامية العربية بثبات رغم تهميشهم المستمر من الإعلام، وهكذا دواليك.

ومعنى ذلك أن الكتابات العربية المنحرفة عن الدين وإن وجدت في لغتنا، فإنها أيضا تجد من يقف في وجهها، أي أن فضاء اللغة العربية إن احتوى على بعض العلل، فإن علاجها متوفر أيضا.

نستنتج إذن أن من تربى وعاش في كنف اللغة العربية وما يماثلها من لغات المسلمين يكون أقدر على التمسك بدينه وتعاليمه ممن سواه لأن لغته توفر المصادر التي تعينه على ذلك ولغلبة تلك المصادر على المواد التي تخالف الإسلام وشريعته.

هكذا يمكن أن تؤثر اللغة على الدين.

وإذا نظرنا اليوم إلى خريجي ما يسمى بمدارس اللغات ومدارس البعثات الأجنبية لوجدنا أن الغالبية العظمى منهم بعيدون عن ثقافتنا الإسلامية العربية وإن مارس بعضهم شعائر الدين، وذلك لأنهم نشأوا في كنف لغات كالإنجليزية والفرنسية، وهذه اللغات تفتح أمامهم عالما آخرا لا يكاد يكون للثقافة الإسلامية العربية فيه وجود. ولذا نجد الكثيرين منهم لا يفهمون روح ثقافتنا الأصيلة وإن صلوا وصاموا، ومن ثم فإن عقليتهم وتفكيرهم يكونان عادة متعلقين بالغرب لدرجة أنهم إن أرادوا أن يثوروا على الغرب استعملوا أدواته المعروفة كالاشتراكية والشيوعية واللبرالية وما إلى ذلك بدلا من مقاومته بالثقافة الإسلامية العربية التي غالبا ما تكون بضاعتهم فيها مزجاة.

وقد لا يسلم من هذا الداء حتى من نشأ في ظلال الثقافة الإسلامية العربية قبل أن ينفتح على الثقافة الغربية في مرحلة متأخرة نسبيا من عمره، وذلك لأن الحضارة الغربية لها بريق مادي يغوي الكثيرين ويجعلهم يهرعون نحوها ويرتمون في أحضانها التي تعصرهم حتى لا تبقي لهم من انتمائهم لأمتهم شيئا سوى كره الذات.

وليس معنى ذلك أن كل من يترعرع في ظل اللغة العربية أو سواها من لغات المسلمين يصبح ملتزما بالإسلام وثقافته تلقائيا، ولو صح هذا لما كان هناك الكثير من العرب غير الملتزمين بالدين، ولما بقي نصراني عربي على ديانته، ولكن المقصود هنا أن من ينشأ في كنف اللغة العربية أو التركية أو الأردية مثلا يظل أقدر على اتباع الإسلام والتمسك به لامتلاكه الأداة اللغوية التي تمكنه من النهل من المصادر الإسلامية الكثيرة المتوفرة في لغته. وفي ذات الوقت لا نستطيع أن نقول أن كل مسلم يتربى على لغات غير المسلمين وما تحويه من ثقافات تناقض الإسلام سينبذ الإسلام أو يصبح على الأقل غير ملتزم به بالضرورة وبثقافته، ولكن المراد هنا أنه يكون أكثر عرضة للانحراف عن طريق الإسلام ومنهجه لكون لغات كالإنجليزية والفرنسية تفتح أمامه أبواب الثقافة الغربية التي ليس لديننا الحنيف فيها وجود تقريبا سوى وسمه بالتخلف وبما يسمى بالإرهاب.

وخطر اللغات الأجنبية المشبعة بالفكر المخالف للإسلام وعقيدته ليس بمشكلة جديدة، وإنما له سابقة تاريخية تتمثل في انحرافات الفلاسفة التي نتجت عن الاطلاع على الفلسفة اليونانية. وفي هذا السياق ينقل الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه 'فضل علم السلف على علم الخلف' عن الإمام الشافعي قوله:

(ما جهل الناس واختلفوا إلاَّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطليس) "صفحة ٩٩".

والجدير بالذكر أن الفلسفة اليونانية الضالة التي أضرت بالأمة ردحا من الزمان قبل أن يتصدى لها أئمة عظام من أمثال الغزالي وابن تيمية وابن خلدون وصلت إلى غالبية المسلمين المطلعين عليها بواسطة الترجمة وليس عن طريق قراءتها بلغتها الأصلية كما يحدث اليوم. كما أنها تسربت إلى المسلمين في عصر ازدهار حضارتهم وليس في عصر ضعفهم كما هو حاصل في زماننا هذا. ولهذين السببين يمكننا القول أن خطر اللغات الأجنبية اليوم والفكر الفاسد الذي يردنا من خلالها أشد مما كان عليه بالأمس.

ولذا فإننا إن سمعنا أن أحد علماء الدين أفتى بحرمة تعلم اللغة الإنجليزية مثلا فإن الأولى أن نبحث عن الأسباب التي دفعته إلى إصدار فتواه بالنظر إلى واقعنا وتاريخنا بدلا من تسفيهه ووصفه أنه متطرف متخلف يعيش خارج العصر.

ومن هنا، وبالرغم من إيماننا العميق أن الهداية من عند الله سبحانه وتعالى وليست من عند البشر أو الثقافة أو اللغة، فإن لزاما علينا أن نأخذ بالأسباب ونعي أن فتح الباب على مصراعيه دونما رقابة أمام الجميع لتعلم لغات الآخرين والتبحر في ثقافاتهم كما يحدث في المدارس والجامعات الأجنبية يمكن أن يؤثر سلبا على عقليتنا وتفكيرنا وبالتالي على عقيدتنا الدينية ومدى التزامنا بها، خصوصا أن لذلك شواهد نراها في واقع العديد من خريجي تلك المدارس والجامعات والمنتسبين إلى الثقافات الأجنبية والمنبهرين بها والمبجلين لها، الغربية منها خاصة، حيث أن انتماء تلك الفئة إلى الثقافة الإسلامية ضعيف وإن صلوا وصاموا. وديننا الحنيف كما هو معروف ليس مجرد شعائر فقط وإنما هو نمط حياة أيضا.

وبالمقابل فإننا يجب أن نسعى إلى أن يكون تسييد اللغة العربية في مجتمعاتنا مقرونا باتباع منهاج ديننا الحنيف، وذلك بتعرية ونبذ الكتابات المنافية للإسلام التي كتبت وتكتب بلغتنا حتى اليوم وحتى تسود الكتابات الموافقة لديننا لغتنا. عندها فقط يمككنا أن نطمئن إلى أن التعريب لن يؤدي إلى علمنة مجتمعاتنا وتغريبها وأن لغتنا لن تصبح مرتعا لانحرافات اللبرالين والشيوعيين والتغريبيين وساء أولئك رفيقا.



الاثنين، 31 مايو 2010

هل هناك تلازم بين ازدهار الحضارة وقوة اللغة؟

شاعت في عصرنا هذا العديد من الأفكار التي غدت شبه مسلمات تسهم في بث الروح الانهزامية بين الناس وتبرر لهم عبثية الإصلاح وتزهدهم في مقاومة الفساد القائم في الداخل والقادم من الخارج. والمشكلة أن بعض هذه الأفكار فيها شيء من الصحة، ولكنها في أغلب الأحيان تعمم خارج نطاقها دون أية محاولة تذكر للتفصيل والتحقق مما إذا كانت تستخدم في سياقها الصحيح أم لا.

ومن هذه الأفكار التي أضحت شبه مسلمات ما انتشر بين الكثيرين من أن اللغة تنهض إذا نهض أهلها وصار لهم حضارة وتضمحل إذا ذبلت حضارتهم وخفت بريقها.

وهذا الكلام الذي فيه جانب من الصواب يستخدم اليوم لتبرير النفوذ الذي تملكه لغات أجنبية كالإنجليزية والفرنسية في بلادنا العربية ولإقناعنا أن لغتنا العربية لن تقوم لها قائمة إلا إذا صارت لنا حضارة من جديد. وعليه فإن الكثيرين باتوا يعتقدون أن المطالبة بتعريب الحياة العامة في بلادنا العربية في جميع القطاعات كالاقتصاد والتعليم يعد ضربا من العبثية وخطأ في ترتيب الأولويات، لأن صعود الحضارة حسب رأيهم يسبق صعود اللغة.

ولكننا لو اختبرنا الفرضية المذكورة أعلاه وحاولنا التأكد من مدى صحتها سواء في الماضي أو الحاضر لوجدنا أنها تخالف تاريخنا وتخالف أيضا نموذجا حيا نعيشه اليوم.

فمن الناحية التاريخية نجد أن اللغة العربية كانت قوية داخل بيئتها في العصر الجاهلي، وذلك بالرغم من أن العرب لم تكن لهم حضارة في ذلك العصر. لا بل إن عرب الجاهلية رغم مجاورتهم للامبراطوريتين الفارسية والرومانية لم يتخلوا عن لغتهم، بل برعوا في استخدامها لدرجة أن الله سبحانه وتعالى تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن الكريم. وهذا يعني أن اللغة كانت من أعظم المجالات التي برز فيها العرب في الجاهلية دون أن تكون لهم حضارة.

ولذلك فإن الأستاذ أحمد الضبيب يفرق في مقابلة له بين قوة اللغة داخل بيئتها وتأثيرها خارجها، فاللغة يمكن أن تكون مسيطرة داخل بيئتها حتى وإن لم يكن للمتحدثين بها حضارة، فإن قامت تلك الحضارة صار من الممكن أن يكون للغة تأثير خارج بيئتها.

وليس شرطا أن يتمثل هذا التأثير في قهر لغة لأخرى وحلولها محلها، فهذا لا يتم إلا توفرت عدة عوامل نناقشها في مقال آخر إن شاء الله. وإنما يمكن أن يكون ذلك التأثير محدودا بحيث تحتفظ كل لغة بكينونتها، فالفارسية رغم تأثرها بالعربية إلى حد كبير ظلت لغة مختلفة عن اللغة العربية بحيث لا يمكن لمتحدثي اللغتين التفاهم مستخدما كل لغته. وينطبق هذا على لغات أخرى تأثرت بالعربية كالتركية والسواحيلية والأردية والأندونيسية.

وحتى لا نخرج خارج إطار الموضوع فإن النتيجة التي يمكن أن نصل إليها هنا أنه إذا ازدهرت حضارة قوم فإنه يمكن للغتهم أن يكون لها تأثير في الخارج. أما إذا ذبلت حضارتهم فإن لغتهم يمكنها أن تبقى حاضرة بقوة متسيدة بيئتها، هذا بالطبع إن لم يبادر أبنائها بالتفريط فيها كما هو حاصل في كثير من الأقطار العربية اليوم.

أما إذا نظرنا إلى واقعنا اليوم لوجدنا أن دولة مثل سورية لها باع طويل في تعريب العلوم مقارنة بغالبية الدول العربية. والعجيب في الأمر أن هذه التجربة السورية في تعريب العلوم بدأت منذ فترة طويلة وفي ظروف غير مواتية خلال عهد الدولة العثمانية وحقبة الاستعمار الفرنسي بعده. ولم تدرس الجامعات الحكومية السورية العلوم بالفرنسية لغة الاستعمار أو بالإنجليزية منذ نشأتها، وما زالت حتى يومنا هذا تتخذ العربية لغة لتدريس جميع التخصصات.

ومما يثبت أنه ليس هناك تلازم بين ازدهار الحضارة وسيطرة اللغة داخل بيئتها أن سورية حالها حال الدول العربية الأخرى عاشت وما تزال تعيش عصر انكسار الحضارة الإسلامية، كما أن بها قدرا لا يستهان به من مظاهر التغريب. أضف إلى ذلك أن سورية ليست دولة كبيرة بحجم مصر مثلا، وأن التعريب فيها منفصل عن الإسلام انفصالا كبيرا على المستوى الرسمي على الأقل، وأنها شهدت في الفترة الأخيرة افتتاح عدد من الجامعات الخاصة التي تدرس بغير العربية، وأن اقتصادها يعاني من العديد من المشاكل. ولكن بالرغم من كل هذه المعوقات وغيرها فإن اللغة العربية لا تزال مسيطرة إلى حد كبير في سورية إذا ما قارناها بغالبية البلاد العربية الأخرى من ناحية التعليم العالي، وخصوصا بالنسبة إلى التخصصات العلمية.

وخلاصة القول أن النموذج السوري على الرغم من المصاعب التي تواجهه يظهر لنا أن التمكين للعربية داخل بيئتها لا يلزمه بالضرورة حضارة مزدهرة.

لا بل يمكننا أن نلاحظ أن اللغة العربية تشكل حالة نادرة من حيث أن الطلب عليها ما زال مرتفعا نسبيا بالرغم من انزواء الحضارة التي تمثلها، إذ لا يزال العديد من المسلمين من غير العرب يسعون إلى تعلمها داخل وخارج بيئتها مدركين أن الإلمام بها يعينهم على فهم دينهم فهما أعمقا، وذلك بالرغم من أن المردود المادي لمعرفة اللغة العربية أقل في كثير من الأحيان من المردود المادي لبعض اللغات الأخرى.

ومن هنا نستطيع أن نجيب على السؤال الذي عنونت به هذا المقال بالنفي، فليس هناك تلازم بين ازدهار الحضارة وقوة اللغة، على الأقل بالنسبة للغة العربية محور هذا المقال. ومعنى ذلك أن لغتنا العربية يمكنها أن تسود كل مناحي مجتمعاتنا حتى وإن قل تأثيرها في الخارج، وحتى وإن كانت حضارتنا تشهد ضعفا. وعليه فإننا إن سقمنا وسقمت معنا حضارتنا، فلا يجب أن نبادر متطوعين إلى قتل لغتنا بأيدينا. وكما يقول المثل السوداني: العافية درجات.


الجمعة، 30 أبريل 2010

مخاطر الترجمة وضوابطها

تعتبر الترجمة من أهم العوامل التي تساعد الأمم على المضي قدما نحو التطور والازدهار، حيث تستطيع كل أمة عن طريقها أن تنقل أهم ما وصل إليه الآخرون إلى لغتها حتى تتيح تداوله بين أفرادها لكي لا يكون العلم دولة بين من يتقنون اللغات الأجنبية دون غيرهم.

وكما هو معروف فإن على المترجم أن يراعي ثقافة اللغة التي ينقل إليها أحد الكتب، بحيث تكون ترجمته إضافة قيمة وبناءة للعلم في أمته. ولذلك يدعو الأستاذ طه عبد الرحمن في كتابه "الفقه والفلسفة ١- الفلسفة والترجمة" إلى ما يسميه الترجمة التأصيلية، وهي ترجمة تراعي الضوابط التي تفرضها طبيعة المجتمع المنقول إليه أعمال أقوام آخرين من الناحية اللغوية والعقدية والمعرفية فتنفي بتأصيليتها عملية النقل، وهي بذلك كما يقول الأستاذ طه عبد الرحمن "تحرص على ألا يفوتها شيء مما ينفع في تقوية التفلسف عند المتلقي ولو كان ذلك يوجب تغطية الصفات الأصلية للمنقول، بل محوها بالمرة، لأن العبرة هنا ليست بالحكاية عن الغير، وإنما بتمكين الذات من الممارسة الفكرية" (صفحة ٤٠٥). وبالرغم من أن الأستاذ طه عبد الرحمن تحدث عن ترجمة الفلسفة بصورة أساسية فإن ما قاله عن مفهوم وأهمية الترجمة التأصيلية يمكن تعميمه إلى حد كبير على باقي فروع المعرفة.

وإذا نظرنا إلى واقع الترجمة إلى اللغة العربية في عصرنا هذا لوجدنا أن مجموع ما يترجم إليها من لغات أخرى ضئيل ودون المستوى المنشود. ولكن هذا لم يمنع الكثيرين من أن يضيفوا إلى لغتنا ما يزعزع أركانها ويشوه جوهرها.

وإذا تابعنا كتابات بعض المعاصرين فإننا نجد أن العديد منهم يكتبون بالعربية ويفكرون باللغات الأجنبية، سواء كانوا يترجمون منها أم لا، مما يؤدي إلى ظهور نصوص ظاهرها العربية وباطنها الإنجليزية أو الفرنسية. وعلى سبيل المثال نجد أن الكثير ممن يهاجمون الإسلاميين يتهمونهم بأنهم يريدون أن يعودوا بنا إلى القرون الوسطى كناية عن التخلف، وذلك بالرغم من أن ما يسميه الغربيون القرون الوسطى كان عصر تخلف وتأخر للغرب وليس للمسلمين الذين كانت حضارتهم مزدهرة آنذاك.

وكما ذكرت في مقال سابق فإن للأستاذ علي درويش عدد من الدراسات التي يتناول فيها تلك الظاهرة.

أما بخصوص نوعية المواد التي تترجم إلى اللغة العربية فإن الكثير منها مما دخل المكتبة العربية منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا كان ذا محتوى مخالف لروح فكرنا العربي الإسلامي. وهذا ما عبر عنه المرحوم أنور الجندي في إحدى رسائله المعنونة "محاذير وأخطاء في مواجهة إحياء التراث والترجمة" حيث يقول:

إن معركة الترجمة لم تبدأ من منهج صحيح مدروس ينظم مدى ما نحتاجه وما لسنا في حاجة إليه، وإنما أخذ التغريب والغزو الثقافي بالمبادرة ومضى يقدم لنا على مدى قرن كامل نتاجاً سيئاً غاية السوء، قوامه ترجمة القصة المكشوفة الأجنبية، والتراث اليوناني الوثني، والمفاهيم المادية والإباحية في مجالات علم النفس والاجتماع والأخلاق والتربية. وقد قدمت لنا هذه الآثار على أنها علوم أصيلة وليست فروضاً قابلة للخطأ والصواب أو وجهات نظر تمثل أممها وأصحابها، ولم تسبق هذه الدراسات أو تلحق بما يكشف أمام القارئ العربي والمسلم مكانها من فكر أمتها وموقفنا كفكر له منهج متكامل جامع منها، وبذلك زيفت هذه الترجمات كثيراً من العقول وأفسدت كثيراً من النفوس وخلقت أجيالاً مضطربة لأنها استطاعت أن تقرأ الفكر الغربي (القائم على عقائد ومفاهيم وقيم وإيديولوجيات) تختلف عن فكرنا الإسلامي العربي وكان القائمون على هذه الأعمال في الأغلب من خصوم هذه الأمة وفكرها ومن الراغبين إلى اتخاذ سلاح الترجمة سبيلاً إلى هدم هذه المقومات.

ومن هنا يتضح لنا أن مجرد نقل أفكار من لغة ما إلى لغتنا العربية ليس كافيا، إذ ينبغي أن تكون الكتابات المترجمة موافقة للثقافة العربية الإسلامية روحا ونصا، لا نصا فقط. وهذا ما عبر عنه الأستاذ محمد سليم قلالة في كتابه "التغريب في الفكر والسياسة والاقتصاد"، إذ يؤكد أن الغاية من تعريب العلوم لا يجب أن يكون مجرد "إحلال أداة محل أخرى، كما حدث في العلوم الإنسانية، عندما أصبح نفس المحتوى يقدم بلغة جديدة (مهشمة). فتغيير الأداة ليس إلا بداية الطريق نحو تأصيل العلوم" (صفحة ٧١).

وبالرغم من أن هذه التحذيرات أطلقت في القرن الماضي، إلا أن ما هو واضح جلي لنا أن الكثير من القائمين على مشاريع الترجمة لم يعيروها اهتماما. ففي بداية القرن الواحد والعشرين صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام ٢٠٠٣، وكانت الترجمة إحدى النقاط التي ذكرت في التقرير، حيث وردت فيه إحصائية تقول أن متوسط الكتب المترجمة لكل مليون عربي لا يتجاوز ٤‚٤ كتاب، وهذا عدد متواضع جدا قياسا بعدد متحدثي العربية ومقارنة مع بعض اللغات التي لا يتحدثها سوى عدد محدود من الناس.

ومن أجل إصلاح هذا الخلل قامت عدة جهات بإطلاق مبادرات لزيادة عدد الكتب المترجمة إلى العربية. وعلى سبيل المثال أطلقت إمارة دبي برنامج 'ترجم'، وأطلقت أبو ظبي مشروع 'كلمة'. وقد صدر بالفعل من هذه المشاريع عدد من الكتب، ولكن نظرة خاطفة على تلك الإصدارات تثبت أن غالبية الكتب المترجمة تقتصر على كتب العلوم الإنسانية والآداب والثقافات، أي أن ريمة عادت لعادتها القديمة.

وفي هذا الصدد يصف الأستاذ وليد خليفة هذه الكتب في مقاله مصيبة مشاريع الترجمة الحديثة بأنها غير مفيدة على الإطلاق ولا قيمة لها ولا مردود. وهو بالطبع محق إلى حد بعيد، ولكن تلك الكتب علاوة على قلة فوائدها كثيرا ما تحمل في طياتها العديد من الأفكار الأجنبية التي تتعارض جزئيا أو كليا مع روح فكرنا العربي الإسلامي، أي أن ضررها أكبر من نفعها بكثير.

وإذا تصفحنا عناوين الكتب التي تترجم تحت إشراف المركز القومي للترجمة بمصر للاحظنا أن جلها يندرج تحت إطار الفكر والثقافة وليس العلوم والتقنية. وهذا أمر غريب مثير لكثير من علامات الاستفهام، ولكن الأغرب من ذلك أنك إن زرت موقع المركز القومي للبحوث والذي يختص بأبحاث العلوم الطبيعية بأرض الكنانة لوجدت أن كل صفحاته باللغة الانجليزية، وكأن تعريف زوار الموقع من المصريين والعرب بنشاطات المركز أمر لا يعني القائمين عليه، وكأن المركز يقع في لندن أو بوسطن وليس في قاهرة المعز. والسؤال الذي يطرح نفسه بداهة هنا هو: هل يعقل أن يقوم المركز القومي للترجمة بنقل مئات من الكتب إلى اللغة العربية وتترك صفحات موقع مركز علمي يعرف بالقومي قائمة بلغة أجنبية؟

ولست أزعم هنا أن كل كتب العلوم الإنسانية والآداب المرتبطة بثقافات مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا غير مفيدة على الإطلاق، إذ يمكننا أن نجد فكرة هنا أو مفهوما هناك يناسب روح فكرنا الأصيل، ولكن تمحيص تلك الكتب ينبغي أن يقوم به أناس ليس لديهم عقدة الخواجة أو هواية تأليه اليابانيين، أي أنهم أناس لا يتركون الانبهار بكل ما هو آت من الخارج وتبجيل ما يصل من وراء البحار يحطمان استقلالهم الفكري. والمنتمون إلى هذه الفئة الواعية المستقلة المعتزة بذاتها المتبحرة في تاريخ أمتها والمدركة طبيعة احتياجاتها الحاضرة والمستقبلية أضحوا اليوم عملة نادرة ترفضها أغلب الحكومات وتقمعها تارة وتجيش لها أدواتها من اللبراليين الذين يريدون تغريب مجتمعاتنا إما عن سوء نية أو عن جهل بطبيعتها تارة أخرى.

وإذا عدنا بذاكرتنا إلى الوراء ونظرنا في تاريخ الترجمة لدينا نجد أن ترجمة الفلسفة اليونانية في العصر العباسي تسببت في هزات عقائدية لدى بعض المسلمين، ولكن وجود تيار واع بما هو أصيل وما هو دخيل مكن علماء أجلاء مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن خلدون من محاربة الجوانب السيئة للفلسفة ومن ثم إبعادها عن الإلهيات وحصرها في الطبيعيات (راجع مقدمة ابن خلدون، فصل "في إبطال الفلسفة و فساد منتحلها").

وما كان من الممكن لتيار الأصالة أن يتغلب على وثنيات الفلسفة اليونانية ويدجنها لو كان قادته لا يعتزون بحضارتهم ولا يدركون جوهرها ويلهثون وراء كل فكر يرد من الخارج وينزهون كتابه عن الخطأ والزلل.

ولذا فإن الترجمة لدينا يجب أن يصحح مسارها وأن تركز على العلوم الطبيعية مع مراعاة أهمية تأصيلها ونزع النظرة المادية منها واختيار كتبها التي تتفق مع أولويات أمتنا وتلبي احتياجاتها التطبيقية (راجع مقال هوية العلوم). وكما يذكر الأستاذ وليد خليفة فإن المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق له نشاط يشكر عليه في مجال ترجمة العلوم الطبيعية، وقد يكون ذلك عائدا إلى أن التعليم العالي الحكومي معرب بالكامل في سورية.

أما كتب الثقافات الإلحادية والفكر الدخيل فإن العديد منها لا يصلح لنا ولا يساهم سوى في تدمير فكرنا بتغريبه وفي إضاعة جهدنا وأموالنا. ولذلك فإن ترجمة شيء من تلك الكتب يجب أن يكون بغرض النقد وتعرية المضمون المنحرف وبيان علله والتحذير منه، وليس من أجل الانقياد لها والتسبيح بحمد كتابها. وقد يكون من الأنجع التوجه صوب كتب الفكر الإسلامي المكتوب بلغات كالتركية والفارسية والأردية، فهي أقرب لنا من فكر أقوام اتخذوا المادية والإلحاد دينا لهم.


الأربعاء، 31 مارس 2010

حرف القاف

في العام الماضي نشر الكاتب والمدون المعروف أشرف فقيه مقالا في مدونته تناول فيه ما وصفه بأزمة كتابة الكلمات الأجنبية التي تحتوي على صوت القاف الدارجة (القاف التي ينطق بها متحدثوا العديد من اللهجات العربية في العصر الحالي). واقترح الكاتب أن نحل مشكلة نطق كلمات مثل قوقل وعبد الله جل والغولف بإضافة حرف الگاف الذي يستخدم في الفارسية والأردية والكردية إلى أبجديتنا العربية لكتابة الكلمات الأجنبية التي بها صوت القاف الدارجة.

وعندما قرأت المقال ظننت أنه ليس سوى اقتراح عابر يمثل فكرة معزولة يندر تطبيقها، ولكني علمت فيما بعد عن طريق الكاتب والمدون ماجد الحمدان أن موسوعة المعرفة تستخدم حرف الگاف لكتابة الكلمات الأجنبية التي يرد فيها صوت القاف الدارجة، فجاليلو يكتب گاليلو. ولذا فإني هنا بصدد الرد على الحجج التي ساقها أشرف فقيه في مقاله الذي أرجو من القراء الأعزاء قراءته قبل مواصلة قراءة هذا المقال حتى لا أكون قد ظلمت الرجل بعرضي الموجز لفكرته في الفقرة الأولى من مقالي هذا. والرد الذي أود عرضه في السطور التالية ليس فقط على مقال أشرف فقيه، وإنما أتمنى أيضا أن يكون بمثابة تنبيه للقائمين على موسوعة المعرفة إلى ما يمكن أن يترتب على تبني حرف الگاف من عواقب. ولهذا الغرض أورد النقاط الآتية:

١- من البديهي أن الحروف الأبجدية لأية لغة تستخدم من أجل كتابة أصواتها الأصيلة وليس الدخيلة. ولهذا السبب استحدث الفرس حرف الگاف ليرمزوا به إلى صوت أصيل في لغتهم. والقاف الدارجة ليست بدخيلة على اللهجات العربية، فهي موجودة فيها منذ زمن بعيد نسبيا إلى درجة أن ابن خلدون تحدث عنها في مقدمته، ولكنها في ذات الوقت غريبة على اللغة العربية الفصحى حيث تحل محلها القاف الفصيحة. ولذا لا نكاد نجد اليوم متحدثا يتحدث العربية الفصحى وينطق بالقاف الدارجة خلال حديثه بها. وباختصار فإن إضافة حرف لكتابة الكلمات الأجنبية يعني أننا نغير لغتنا الفصحى من أجل الأجانب، فهل يعقل هذا؟

٢- ليس شرطا لصحة نطق الكلمات الأجنبية أن ننطقها متبعين منهج "حذو النعل بالنعل"، فهذا إما من قبيل الفذلكة أو الاستلاب اللغوي والثقافي، وذلك لأن الكلمات المستعارة يجب تحويرها بحيث تلائم نسق اللغة المنقولة إليها. وهذا ما تم في الماضي ويتم في الحاضر في العديد من اللغات حول العالم، فجل الناطقين بغير العربية لا يلفظون كلمة "انتفاضة" كما نلفظها نحن، ورجل الشارع العربي إذا سمع كلمة "ديمقراطية" يخالها عربية قحة من وقع القاف والطاء فيها. وهذا كله حفاظ على تجانس اللغة.

ويذهب أشرف فقيه إلى أن تخلفنا وضعفنا الحالي لا يسمح لنا بأن ننتصر للغة العربية ونعتز بها لأن هذا على حد قوله كلام عاطفي وغير عملي. ولكن نظرة خاطفة على التاريخ تثبت أن التخلف الحضاري لا يؤدي بالضرورة إلى الاستسلام اللغوي، فالعرب استعاروا العديد من الكلمات الفارسية قبل الإسلام، وبالرغم من تخلفهم وتقدم الفرس آنذاك فإن الكلمات الفارسية التي تبنوها حورت حتى تناسب نسق اللغة العربية. ومن أمثلة ذلك بنفسج وتاج وسمسار، بالإضافة إلى ألفاظ أخرى ورد بعضها في القرآن الكريم مثل أباريق وأسباط وإستبرق وتنور وسندس. وقد ذكر الإمام السيوطي هذه الألفاظ وغيرها مما يعود أصله إلى لغات أخرى غير الفارسية في رسالته المعنونة المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب.

ولقد كانت تلك الألفاظ قد تعربت تماما وتجذرت في اللغة العربية بحيث لم يقدح ورودها في القرآن في كونه نزل بلسان عربي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف استطاع عرب الجاهلية المتخلفون أن يطوعوا الكلمات الأجنبية لتلائم لغتهم بالرغم من ضعفهم مقارنة بالأمم التي كانت حولهم؟

ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الغرب في عصر تخلفه أخذ من اللغة العربية عددا من الكلمات التي تم تحويرها لكي تتماشى مع النسق اللغوي لكل لغة أوروبية. ولا أود أن أسرد هنا قائمة بتلك الكلمات حتى لا أتهم بأني أعيش على أمجاد الماضي. ولكن الدرس الذي يجب علينا أن نعيه هو أن الوهن والتخلف الذي عاشه العرب قبل الإسلام والغرب بعد الإسلام لم يجبر أيا منهما على تغيير لغته وحروفها لتنطق بما ليس فيها، فهلا قرأنا التاريخ؟

٣- إن إشكالية صوت القاف تكمن في أن صيغته الدارجة ليست مستخدمة في العربية الفصحى، ولهذا فإن قدرتنا على نطق الكلمات الأجنبية التي تحتوي على القاف الدارجة نابعة من لهجاتنا وليس من اللغة العربية الفصحى. وبالتالي فإن لنا أن نتخيل ما يمكن أن يقع من كوارث إذا أضفنا حرف الگاف إلى أبجديتنا.

عندها يمكن أن يحصل خلط بين القاف الفصيحة والقاف الدارجة عند كتابة الكلمات العربية الأصيلة وليس حفنة الكلمات الأجنبية التي بها صوت القاف الدارجة.
عندها سوف يزول تدريجيا حرف القاف من الكتابات العامية ومن ثم سيستبدل العديد من العرب القاف الفصيحة بالگاف الجديدة.
عندها سيكتب المصري جيمه القاهرية مستخدما الحرف الجديد كما ورد في تعليق على مقال أشرف فقيه كتب فيه أحدهم: گزاك الله الف خير, الموضوع ده مگنيني من زمان اوي.

وقد يقول قائل: ما المشكلة إذا ما تحقق هذا السيناريو؟
والإجابة هي أن حرف الگاف المقترح من المفترض أن يقتصر استعماله على الكلمات الأجنبية فقط، فإذا به يستخدم لزعزعة ركن من أركان اللغة العربية ولتعميق الفجوة بين فصحتها ودارجاتها. وكل هذا بسبب قصر النظر وقلة التبصر والتفكر في عواقب الأمور.


وإذا كان البعض يرون أن مسألة كتابة الكلمات الأجنبية التي بها حرف القاف الدارجة تشكل بالفعل مشكلة، وما هي بذلك، فلهم أن يعلموا أن هذه المسألة قد تعرض لها أبو منصور الجواليقي في كتابه المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، والذي يقول فيه التالي:

باب معرفة مذاهب العرب في استعمال الأعجمي

إعلم أنهم كثيرا ما يجرئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها. فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا.
وربما أبدلوا ما بعد مخرجه أيضا.
والإبدال لازم. لئلا يدخلوا في كلامهم ما ليس من حروفهم.
وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب.
وهذا التغيير يكون بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو إبدال حركة بحركة، أو إسكان متحرك أو تحريك ساكن.
وربما تركوا الحرف على حاله ولم يغيروه.

فمما غيروه من الحروف ما كان بين الجيم والكاف، وربما جعلوه جيما، وربما جعلوه كافا، وربما جعلوه قافا، لقرب القاف من الكاف، قالوا: "كربج" وبعضهم يقول "قُرْبَق".
قال أبو عمرو: سمعت الأصمعي يقول: هو موضع يقال له: "كربك"، قال: يريدون "كربج". قال سالم بن قحفان في "قُرْبَق":
ما شربت بعد طوي القُرْبَق *** من شربة غير النجاء الأدفق



القُرْبَق في القاموس المحيط هو دكان البقال.



يتضح لنا من كلام الجواليقي أن هناك طرقا لتعريب الكلمات الأجنبية من حيث الأصوات والأوزان، وأن هذه الطرق، وإن كانت مرنة، تهدف في نهاية المطاف إلى الحفاظ على تجانس اللغة العربية، ولا ينطبق هذا على صوت القاف الدارجة فقط، وإنما على أصوات وحروف وأوزان أخرى ذكرها الجواليقي في كتابه ولا يتسع المقام لسردها هنا.

وبالنسبة لصوت القاف الدارجة فإننا يمكن أن نضيف خيارا رابعا بجانب الخيارات الثلاثة التي ذكرها الجواليقي وهي الكاف والقاف والجيم، وهذا الخيار هو حرف الغين الذي يستخدم في كلمات مثل جغرافيا وغرناطة وغانا وأغندا وبلغاريا. والملاحظ هنا أن هذه الكلمات وغيرها التي ترد بصوت القاف الدارجة في لغاتها الأصل كسرقسطة وملقة قد ترسخت في لغتنا العربية ولم يعد الصوت الذي حل محل صوت القاف الدارجة شاذا.

ولذا فإن كل ما ينبغي علينا فعله هو أن نعطي كلمات مثل قوقل وعبد الله جل وغردون براون بعض الوقت حتى نألف إحدى طرق لفظها سواء كانت بالقاف أو الكاف أو الجيم أو الغين، فهذا منهاج مجرب وقد ثبتت نجاعته، ولذا فإنه أولى أن يتبع بدلا من اقتراح الگاف الذي تفوح منه رائحة التبعية والانهزامية وقصر النظر وانعدام الروية والجهل بالتاريخ وبطبيعة لغتنا.


السبت، 27 فبراير 2010

فخ اللغة: الجزء الثاني

تحدثت في المقال السابق عن الكيفية التي يمكن بها للغة أن تصرف الأنظار عن مضمون الكلام سواء كان جيدا أو فارغا، وسواء كانت لغة المتحدث أو الكاتب ضعيفة ركيكة أو قوية منمقة. وبينت على عجل أن فخ اللغة تزداد خطورته إن كان التعامل بلغة أجنبية، وذلك لأن الشكل في هذه الحالة كثيرا ما يطغى على المحتوى بسبب أن المستمعين يركزون على مدى إجادة المتحدث للغة الأجنبية أكثر من تركيزهم على مضمون كلامه لتوقعهم ارتكابه أخطاء لغوية. وهو إن لم يرتكب أي خطأ انبهروا به مستعجبين إجادته اللغة الأجنبية. وفي كلتا الحالتين يكون الشكل (اللغة) أهم من المضمون.

أما في هذا المقال فإني أود الحديث عن فخ آخر متعلق باللغات الأجنبية فقط دون لغتنا العربية. وقبل أن أسترسل في الحديث أود من القراء الأعزاء أن يسألوا أنفسهم سؤالا جوهريا، وهو: لماذا نتعلم اللغات الأجنبية؟

أعتقد أن كثيرا منا سوف يجيبون على هذا السؤال بقولهم أنهم يتعلمون اللغات الأجنبية للانتفاع بما تحتويه من علوم ومعارف وللتواصل مع العالم الخارجي، وذلك حتى يفيدوا أنفسهم وأهليهم وربما لكي ينتشلوا أمتهم العربية والإسلامية من حالة التخلف التي تمر بها وليسهموا في نهضتها. ومعنى ذلك أننا نتعلم اللغات الأجنبية مؤمنين بأننا نقوم بذلك من أجل تحقيق مصلحة.

ولكننا إن سلمنا بصحة هذا الطرح فإن سؤالا آخرا يتبادر إلى الذهن، ألا وهو: كم منا ممن يبذلون الغالي والنفيس لتعلم اللغات الأجنبية يقتصر استخداهم لها على مجالهم العلمي الذي تعلموها من أجله؟ وبمعنى آخر، كم من طالب طب أو طبيب حذق الإنجليزية من أجل الطب فغدا يستخدمها لقراءة كتب الفلسفات الإلحادية الغربية؟ وكم من مهندس أتقن الإنجليزية فما عاد همه سوى مشاهدة أفلام هوليود التي تحتوي الكثير من الموبقات الفكرية والمرئية؟ وكم من مبرمج تعلم الإنجليزية من أجل اكتساب علوم الحاسوب فصار يدندن طيلة يومه بما يفهمه وما لا يفهمه من الأغاني الأمريكية الصاخبة؟

ليست لدي أدنى فكرة عن عدد من يتقنون اللغات الأجنبية في عالمنا العربي، ولست أدري إن كانت هناك أصلا إحصائيات بهذا الصدد، ولكن ما هو واضح جلي أمام أعيننا أن إتقان اللغات الأجنبية صار أداة لتغريب مجتمعاتنا واستلاب فكرنا، خصوصا أن اللغات التي نتعلمها غالبا ما تكون تلك التي تنتمي إلى الحضارة الغربية التي تختلف اختلافا جذريا عن حضارتنا العربية الإسلامية، وخصوصا أن كلتا الحضارتين كان ومايزال وسيظل على الأرجح بينهما عداء وتنافس محموم.

وفخ اللغات الأجنبية هو ببساطة أنك تتعلمها معتقدا، إن كنت بالطبع من ذوي النية الحسنة، أنك لن تأخذ منها سوى ما تحتاجه من العلوم، فإذا بك تأخذ منها كل شيء، من صالحها الذي قد لا يصلح لك إلى طالحها الذي حتما يدمرك، إلى غير ذلك من الآفات التي تصيبك كاحتقار الذات وتبجيل الآخرين والإيمان بحتمية تفوقهم وعبثية مقاومتهم واللهث وراء اتباع أنماط حياتهم في جميع المجالات بحثا عن سراب الرقي والتقدم.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جميل بخصوص اللغة، إذ يقول في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أهل الجحيم: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قـويا بينا ، ويـؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ، ومشابهتهم تزيد في العقل والدين والخلق.

ولكم وددت أن أكتفي بقول ابن تيمية الموجز الذي يحمل العظيم من المعاني والذي يظهر نباهته وتعمقه وبعد نظره رحمه الله بالنسبة لقضية الاستقلال اللغوي، ولكني أعلم أن البعض يصيبه نوع من الحساسية بمجرد سماع اسم ابن تيمية، كما أعلم أن البعض لا يقتنع إلا بما يصدر عن أفواه السادة الغربيين. ولهؤلاء أورد النقطتين التاليتين:

١- تركز سياسة الإغواء الأمريكية منذ عدة أعوام على نشر اللغة الإنجليزية في العالم العربي والإسلامي من أجل التأثير على عقولنا بحيث نظن أن أمريكا دولة خيرة تود نشر السلام والوئام حول العالم. ويتم ذلك عبر عدة طرق من أهمها برنامج "التمكين" الذي ترعاه الحكومة الأمريكية، والذي تسعى من خلاله إلى تمكين الشباب بين سن الأربعة العشر والثمانية عشر من تعلم اللغة الإنجليزية بهدف غسل أمخاخهم ومن ثم تلويثها. وقد شارك في هذا البرنامج حوالي أربعة وأربعون ألف طالب من أكثر من خمس وخمسين دولة منذ عام ٢٠٠٤.

وقد يتسائل أحدهم قائلا: ما المشكلة في الاستفادة من ذلك البرنامج؟ والإجابة هي أن المشكلة بكل بساطة تكمن في المحتوى الذي يتم من خلاله تعليم اللغة الإنجليزية. ولمزيد من الإيضاح، وحتى لا أتهم بتبني نظرية المؤامرة، دعونا نطلع على ترجمة لجزئية وردت في مقال على مدونة جيمس جلاسمان أحد مسؤولي ومنظري دبلوماسية الإغواء الأمريكية، حيث يقول:

إذا ألقينا نظرة على العالم، فإننا نجد أنه ما من شخص إلا ويريد تعلم اللغة الإنجليزية. ولذا فإنه ينبغي علينا أن نروج لأفكارنا من خلال تلك اللغة. وقد شاهدت بأم عيني عندما زرت رام الله أطفالا فلسطينيين يتعلمون اللغة الإنجليزية عن طريق قراءة تاريخ السود في أمريكا والتعرف على عيد الشكر.

وبمعنى آخر فإن الهدف من ذلك البرنامج هو التبشير بالثقافة الأمريكية وليس نشر اللغة الإنجليزية فحسب. وهذا أمر متوقع، فلا لغة بدون ثقافة.

وفي خطاب منشور على مدونته يقول جلاسمان أن كارن هيوز والتي كانت تشغل قبله منصب وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للدبلوماسية الشعبية نصحته قبيل تسليمها المنصب له بأمرين أساسيين، أولهما الحرص على تمكين الفئة المستهدفة من الأجانب - أي العرب والمسلمين – من مقابلة الأمريكان والتحدث معهم، وثانيهما التركيز على نشر اللغة الإنجليزية. وباختصار فإنه يمكن تلخيص الهدف من كل هذا المجهود الأمريكي بالعودة إلى ما قاله جلاسمان في خطاب آخر له اختتمه بقوله:

التأثير: هذه هي المهمة التي اخترنا أن نضطلع بها.


والمعني بالتأثير هنا بالطبع هو الإغواء.


٢- تنتهج الحكومة الأمريكية سياسة الإغواء عن طريق العلوم والتكنولوجيا، وقد كانت هذه السياسة أحد أهم العوامل التي ساهمت في انتصار أمريكا على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة كما يذكر الأستاذ رفيق عبد السلام في دراسته حول القوة الناعمة.

وتقوم الحكومة الأمريكية اليوم باتباع ذات المنهاج مع الدول التي ترغب في ترويضها دون الدخول في مواجهات عسكرية معها. ولهذا الغرض تم تأسيس المركز الأمريكي لدبلوماسية العلوم في عام ٢٠٠٨ لاستخدام العلوم والتكنولوجيا التي يعتقد البعض بحياديتها التامة في جذب الشعوب الكارهة لأمريكا إلى نمط الحياة الأمريكي ولإقناعها بأن أمريكا ليست بعدو. وبنظرة خاطفة على تقرير المركز السنوي نجد أن نشاطاته تتمحور حول التواصل مع دول بعينها مثل سوريا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا.

ويقوم المركز بتشجيع التبادل العلمي من أجل تحسين صورة أمريكا بصورة أساسية وليس بهدف إفادة الآخرين أو إطلاعهم على آخر المستجدات العلمية. وقد تكون هناك أهداف أخرى كالتجسس على البلدان المستهدفة وربطها بأمريكا حتى يكاد يستحيل عليها تحقيق أي استقلال حقيقي. ومن أمثلة الإغواء بالعلوم والتكنولوجيا ما ذكره الأستاذ عبد العظيم حنفي عن اللقاءات التي تمت بين علماء إيرانيين وأمريكيين في واشنطن، والمكتبة العلمية العراقية على شبكة الانترنت التي افتتحتها أمريكا في عام ٢٠٠٦ للمساعدة في إعادة بناء البنية التحتية للتعليم والعلوم في العراق. وبمعنى آخر فإن أمريكا الرسمية تصفعك على خدك الأيمن ومن ثم تأتي أمريكا الشعبية لتقبلك على خدك الأيسر حتى تظل محتارا أعدوة هي أمريكا أم صديقة.

ومن نافلة القول أن الإغواء بالعلوم يلزمه بالطبع معرفة اللغة الإنجليزية.




ولا يجب أن نعتقد أن الترويج لأمريكا عن طريق اللغة الإنجليزية والعلوم الأمريكية أمر دبر بليل ليصعب كشفه، فكل ما ذكر أعلاه موجود على صفحات الإنترنت ويكمن الوصول إليه بمجرد نقرة، ولكن المشكلة أن كثيرا منا حين يقرأ لا يكلف نفسه جهد التفكر والتبصر في النصوص والأخبار حتى يستطيع أن يعقل ما يقرأ وحتى يستطيع أن يعرف ما يمكن أن يترتب على شيوع لغات كالإنجليزية والفرنسية بيننا من عواقب ونتائج كارثية لا يسعنا تجنبها سوى بتعريب العقول والعلوم والحياة العامة بكل جوانبها.

وإذا عدنا إلى صلب المقال وهو فخ اللغة لاستطعنا من خلال النظر في المقال السابق وهذا المقال من استنتاج الفرضية التالية:

كلما تمكنا من لغتنا العربية، كلما قلت احتمالية سقوطنا في فخها.
وكلما تمكنا من لغة أجنبية، كلما ازدادت خطورة سقوطنا في فخها.


وهذه الفرضية المستوحاة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن تأثير اللغة على العقل والخلق والدين لا يمكن إطلاقها على كل اللغات الأجنبية، فاللغة الأردية مثلا لا يمكن أن تشكل خطرا على عقولنا كالخطر الذي يمكن أن تشكله لغات كالإنجليزية أو الفرنسية أو الروسية أو الصينية، وذلك لاختلاف الحضارات التي تنتمي إليها تلك عن اللغات عن الحضارة التي تنتمي إليها اللغة الأردية واللغة العربية.

كما أن هناك حالات لأشخاص شذوا عن الفرضية كالشهيد سيد قطب الذي زار أمريكا ودرس فيها ولم يزده ذلك إلا ثباتا على الحق والدين، وكالمرحوم أنور الجندي الذي لم تضعف معرفته باللغة الإنجليزية عزيمته على الجهاد الفكري في سبيل الله. أضف إلى ذلك أنه يمكن الاستفادة من إنجازات الآخرين في حدود وذلك عن طريق استخدام لغاتهم لنقل ما يمكن نقله من المعرفة بعد غربلتها وتعريبها. ولكن الثابت أن ضرر المعرفة باللغات الأجنبية في عصرنا هذا أكبر من نفعها، وذلك لأن المرحلة التاريخية التي نمر بها حاليا تتطلب الانغلاق أكثر من الانفتاح.

وعليه فإن تعلم اللغات الأجنبية يجب أن ينحصر في فئة محددة تعرف الهدف من استخدام تلك اللغات. كما يجب على هذه الفئة أن تكون محصنة عقائديا وفكريا وثقافيا. وبهذا يكون تعلم اللغات من فروض الكفايات حسب ما ذكره الشيخ القرضاوي في فتوى له.

وحتى نحقق هذا الهدف فإن تعليم اللغات الأجنبية لهذه الفئة لا يجب أن يبدأ سوى في مرحلة عمرية متأخرة نسبيا يحددها التربيون، والغرض من هذا التأخير هو أن يعطى أفراد هذه الفئة وقتا كافيا للانعزال والانغماس في مشاكل مجتمعاتهم العربية حتى يتمكنوا من التعرف عليها جيدا وفهم احتياجاتها لكي تكون هناك أهداف محددة لعملية نقل العلوم من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولكي يتمكن هؤلاء الأفراد من خلال هذا الانعزال من أن يحصنوا أنفسهم عقائديا وفكريا وثقافيا. وبالطبع فإن أحد أهداف هذا التأخير هو عدم تمكين هؤلاء الأفراد من الإتقان التام للغات الأجنبية كما يحدث مع خريجي المدارس الأجنبية الذين عادة ما تكون معدلات التغريب والاستلاب بالأمركة والفرنسة بينهم في أوجها.

وختاما فإنه يتعين علينا أن نتوخى الحذر حتى لا نقع في فخ اللغات الأجنبية وحتى لا تدخل الأفكار الهدامة عقولنا وتعشعش فيها إلى أن نؤمن أنه لا رب سوى الغرب.

الاثنين، 25 يناير 2010

فخ اللغة: الجزء الأول




في الشهر الماضي شاهد اللبنانيون والعرب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يلقي بيان حكومته الأول أمام البرلمان اللبناني، وشاهدوا أيضا كيف قام الحريري بارتكاب أخطاء لغوية يندى لها الجبين في هجاء ونطق بعض الكلمات التي وردت في خطابه. ومن أمثلة ذلك قوله ستنننتجها بدلا من ستنتهجها، والتكنوجيا المعلومة بدلا من تكنولوجيا المعلومات، تينمويهما بدلا من تقييمهما. (شاهد أخطاء الحريري في المقطع المرفق أعلاه).

ولقد تسببت فداحة تلك الأخطاء في تقليل اهتمام المتابعين للخطاب بمحتواه، وذلك بسبب تشويش تلك الكارثة اللغوية على قدرة المتابعين على التركيز على مضمون كلمة الحريري. فبدلا من أن ينصت النواب اللبنانيون إلى البيان الوزاري راحوا يضحكون على رئيس وزرائهم الجديد، ووقعوا بذلك في فخ كثيرا ما تنصبه اللغة لنا عندما يكون مستخدمها غير قادر على التحدث بها بصورة فعالة. وبذلك أطاحت قباحة الشكل بأهمية الجوهر.

وليس شرطا أن يقع أحدنا في فخ اللغة بسبب عجزه عن استخدامها بشكل صحيح وفعال، إذ يمكن لأحدهم أن ينصب فخا بلغة جميلة منمقة تحتوي على ألفاظ رائعة ولكن محتواها إما ضعيف أو مكرر أو هدام. وبخصوص ذلك يقول الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني في بحث له بعنوان "نظرية المعرفة في التربية الإسلامية" التالي:

إن الحديث الذي يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم والذي يقول: ((إن من البيان لسحرًا)) هذا الحديث لم يرد بصيغة المدح كما يشاع فيها خلاف وإنما ورد في معرض الذم لهذا الأسلوب من الأداء اللغوي، كما ورد عن مسلم والإمام أحمد وغيرهما من المحدثين؛ حيث ذكروا أن رجلا نهض ليمدح الرسول بأسلوب بياني شاعري، فلم يعجب ذلك الرسول ورد على الرجل: أن تكلم كلامًا عاديا مما يتكلم به الناس، ثم علق قائلاً: ((إن من البيان لسحرًا))؛ أي: شبه السحر في زيفه وأثره.

ومن هنا يتضح أن اللغة يمكن أن تكون فخا نقع فيه سواء كانت ضعيفة تشوبها الأخطاء والعلل أو محشوة بجزيل الألفاظ والعبارات. وكلاهما يصرف المستمع عن المحتوى. وربما لهذا السبب لم يعلم الله رسوله الشعر، ولكنه آتاه جوامع الكلم، حتى يتحقق له صلى الله عليه وسلم التوازن المطلوب، بحيث لا يضيع لب رسالة الإسلام بين أحاديث ركيكة أو شعر منمق.

ولا يجب أن يفهم من كلامي هذا أنه ينبغي أن نشطب الشعر وغيره من الفنون من قاموس حياتنا، فالقول بهذا يعد بمثابة دعوة لانتحار ثقافي. ولكن لكل مقام مقال، فالشعر والنثر والخطابة لهم مجالات يستخدمون فيها بحيث يعودون بالنفع على الأمة كما كان الحال مع حسان ابن ثابت وكعب ابن زهير. ولكنهم لا ينبغي أن يستخدموا لتغليف الأفكار بغلاف جميل مبهر من أجل خداع المتلقين وتضليلهم عن طريق إقناعهم بأهمية فكرة هزيلة أو صحة رأي هدام. وباختصار فإننا يجب أن نوازن بين حديث "إن من البيان لسحرا" وحديث "إن من الشعر لحكمة".

كما لا ينبغي للقارئ أن يستنتج أن الوقوع في فخ اللغة أمر حتمي، إذ يمكن لكل منا إذا أمعن النظر في الكلام أن يستخلص محتواه ويميز صالحه من طالحه. وقد يكون القيام بذلك أصعب إذا كان البيان سحرا، ولكننا في نهاية المطاف نتعامل مع كلام ملقى أو مكتوب بلغتنا الأم التي نشأنا عليها، ولكل منا فرصة متساوية لإتقانها والتمكن منها والإلمام بتفاصيلها لدرجة نتمكن من خلالها من تمييز المضمون الغث من السمين دون أن نقع في فخ اللغة الجميلة الساحرة التي قيل أو كتب بها.

ولكن قدرة التمييز تلك تضعف بصورة كبيرة ومؤثرة عندما نتعامل بلغة أجنبية، إذ تحيط بنا الأفخاخ اللغوية من كل حدب وصوب، مما يؤدي إلى طغيان الشكل على الجوهر. وعندما يتحدث أحدنا بلغة أجنبية يصغي الكثيرون منا إلى طريقة نطق المتحدث ومدى إجادته لقواعد وتراكيب تلك اللغة أكثر من تركيزهم على مضمون ما يقول، وذلك لأن إتقانه لتلك اللغة محل شك، وهذا طبيعي، لأنها ببساطة شديدة ليست لغته الأم. وهذا أمر بديهي يعرفه الجميع ويتغافل العديد منا عما يترتب عليه من نتائج، وخصوصا على المدى البعيد، وذلك بسبب نظرتنا القاصرة التي لا تمكننا من التبصر في عواقب الأمور.

وعليه فإن فخ اللغة الأم أهون بكثير من فخ اللغة الأحنبية، إذ أن فرصتنا في تجنبه أكبر بكثير من إمكانية تجنب فخ لغة أجنبية غريبة علينا كثيرا ما يؤدي الحديث بها من قبل غير أهلها إلى أن يكون سؤال "كيف تحدث؟" أكثر أهمية من "ماذا قال؟".