‏إظهار الرسائل ذات التسميات خلدونيات لغوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خلدونيات لغوية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 فبراير 2013

خلدونيات لغوية: بين أهل اللغة والطارئين عليها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي. 
______________________________________________________

 يؤمن غالبية الناس أن الطريقة المثلى لتعلم لغة أجنبية هي تلقيها من أهلها، ويتحمل نفر غير قليل منهم تكاليفا كثيرا ما تكون باهظة في سبيل دراستها على يد معلم ينتمي إليها انتماءً لا شك فيه. وأحيانا يذهب البعض إلى أبعد من ذلك فيسافرون إلى بلد تلك اللغة ليخالطوا أهلها ويتشربوها من منبعها.

وكثيرا ما يؤدي تلقي اللغة على يد واحد من أهلها إلى شعور الطالب بأنه سيتعلمها بالفعل، وأنه متميز عن نظيره الذي يتعلمها على يد طارئ عليها تعلمها على كبر، حتى وإن أتقنها هذا الأخير إتقانا معقولا.

ولم يأت تفضيل أهل اللغة على الطارئين عليها من فراغ، فأهل اللغة تتوفر فيهم مزايا لا توجد في غيرهم، وإن وجدت فإنها غالبا ما تكون ناقصة.

ولذلك فإننا سنحاول في هذا المقال، معتمدين على كلام ابن خلدون، أن نتحدث عن معايير ثلاثة يمكننا بمقتضاها أن نفرق بين أهل اللغة والطارئين عليها، وهي كالتالي:

أولا، تحدث ابن خلدون عن معيار الزمان بصفته معيارا يمكننا أن نفرق به بين أهل اللغة والطارئين عليها، حيث أكد أن أهل اللغة هم من يربون عليها منذ الصغر حتى يكبرون وتستحكم لديهم ملكتها، فإذا تجاوزوا سنا معينة صاروا من أهلها وصار من الصعب على أقرانهم ممن هم في السن ذاتها اكتساب اللغة وإتقانها مثلهم، لأن المتعلمين في الصغر "أشد استحكاما لملكاتهم"، ولأن "الألسن واللغات شبيهة بالصنائع ... والصنائع وملكاتها لا تزدحم ... ومن سبقت له إجادة ملكة فقل أن يجيد أخرى أو يستولي فيها على الغاية".

ولقد أشار ابن خلدون إلى نقطة أخرى بخصوص عامل الزمان، وهي أن الطفل إذا نشأ في البداية على لغة، ثم انتقل إلى محيط آخر تستعمل فيه لغة أخرى وهو لا يزال صغيرا وكبر فيه، فإنه من الممكن أن يتقن اللغة اللاحقة ويصبح من أهلها رغم أنه بدأ حياته في كنف لغة أخرى، ومثال ذلك "أصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم".

ثانيا، تكلم ابن خلدون عن عامل آخر مهم للتمييز بين أهل اللغة والطارئين عليها، حيث بين أن المكان الذي ينشأ فيه المرء له دور مهم في اكتساب اللغة، فانتماء الواحد منا لأهل لغة ما نابع من كونه سمع في صغره "كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم"، ثم تكررت عملية السماع تلك متزامنة مع الاستعمال من قبل الصغير حتى كبر، وصارت اللغة "ملكة وصفة راسخة" فيه، وأصبح هو من أهلها.

ولأن مكان النشأة عامل مهم في تحديد انتماء المرء لأهل لغة ما، فإنه يطغى على الأصل والعرق في الأهمية، فقد يكون الصغير منتميا إلى قوم مختلفين تماما لغويا وعرقيا عن سكان المحيط الذي ينشأ فيه، ومع ذلك نجده يكتسب لغتهم ويصبح من أهلها. ولذلك يقول ابن خلدون أنه " إن عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم"، أي ملكة اللغة، "فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط، وأما المربى والنشأة، فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم، فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شيء وراءها، وكأنهم في أول نشأتهم بمنزلة الأصاغر من العرب الذين نشأوا في أجيالهم حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها. فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا بأعجام في اللغة والكلام".

ثالثا، أشار ابن خلدون في غير موضع من مقدمته إلى معيار ثالث مهم، وهو معيار الأداء، والذي يتفوق فيه أهل اللغة على الطارئين عليها، فحسب ابن خلدون فإن التلقائية في الأداء من أهم ما يميز أهل اللغة، فهم على سبيل المثال ليس لديهم مشكلة في فهم معاني الكلمات مباشرة ودون تأخر أو تردد، فالواحد منهم له من الرسوخ في اللغة "بحيث تتبادر المعاني إلى ذهنه من ... الألفاظ عند استعمالها، شأن البديهي والجبلي"، وإن استعصى عليه فهم شيء كان السبب في ذلك "المباحث الذهنية"، أي محتوى الكلام وليس اللغة.

ومن أوجه التلقائية في الأداء عند أهل اللغة أيضا أن استخدامها استخداما صحيحا يعد طبعا لديهم، فالواحد فيهم إن سمع كلاما يخالف ملكة اللغة كما يتحدثها أهلها "مجه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر"، ولو أراد استخدام اللغة استخداما مخالفا لما اصطلح عليه أهلها "لما قدر عليه، ولا وافقه عليه لسانه، لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده".

وكما أن التلقائية في الأداء تدل على رسوخ اللغة واستحكامها عند أهلها، فإنها تعني أيضا أن أغلبهم يتقنون لغتهم دون معرفة بتفاصيل قواعدها المجردة رغم استعمالهم تلك القواعد استعمالا صحيحا، فمعرفة القواعد "علم بكيفية، لا نفس كيفية"، كما يقول ابن خلدون، والواحد من أهل اللغة رغم تمكنه من لغته فقد "يعجز عن الاحتجاج لذلك كما يصنع أهل القوانين النحوية والبيانية"، لأن إتقانه لغته أمر وجداني كما يسميه ابن خلدون.

ثمة نقطة أخرى يتميز بها أهل اللغة عن الطارئين عليها من ناحية الأداء، وهي قدرتهم على اكتساب وجهها الفصيح حتى وإن كان اختلافه عن أوجهها العامية التي يربون عليها بينا جليا كما هو الحال في اللغة العربية، فأهل اللغة ليس عليهم سوى مخالطة وجهها الفصيح مخالطة مكثفة واستعماله حتى يتمكنوا منه. أما الطارئون عليها فإنه يصعب عليهم ذلك لأن الملكة "إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة".

شواهد وفوائد
بعد أن استنبطنا من كلام ابن خلدون المعايير الثلاثة التي يمكننا أن نفرق بمقتضاها بين أهل اللغة والطارئين عليها، سنحاول فيما يلي أن ننظر فيما يمكن أن يعنيه هذا الكلام لنا في عصرنا الحاضر.

ولأن نقاطا مثل أهمية اكتساب اللغة في الصغر ودور المحيط الحيوي في ذلك والتلقائية التي يتميز بها أهل اللغة تعد مما نلمسه ونراه في حياتنا اليومية، فإنه في الغالب لا خلاف عليها ولا حاجة ماسة للتفصيل فيها. ولذلك فإننا سنقصر الحديث على نقطتين ارتأينا أهميتهما، وهما كالتالي:

أولا، يمكننا أن نستنتج من كلام ابن خلدون أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك تلازم بين الانتماء اللغوي والانتماء العرقي، فما ذكره صاحب المقدمة عن العجم الذين نشأوا بين العرب فانتموا إليهم لغة وإن لم ينتموا إليهم نسبا يبين لنا أن من الممكن أن يكون المرء من أهل لغة ما دون أن يكون من جنس من ارتبطت بهم اللغة تاريخيا، وهذا واضح جلي في أبناء المهاجرين الذين يربون في بلاد هاجر إليها آباؤهم فيصبحون من أهل لغة بلدهم الجديد رغم اختلافهم عرقيا في كثير من الأحيان عن الغالبية المستقرة به.

لكن أهمية كلام ابن خلدون بالنسبة لنا تكمن في الحالة المعاكسة، وهي التي تتغلب فيها لغة المهاجرين على لغة المستقرين، لأن الاختلاف بين الانتمائين اللغوي والعرقي يكون في هذه الحالة ملحوظا.

وإذا نظرنا إلى اللغة العربية على سبيل المثال فسنجد أن انتشارها وترسخها خارج جزيرة العرب جاء أساسا نتيجة هجرات مجموعات من أهل العربية الذين استوطنوا عدة بلاد وخالطوا أهلها، وهو ما أدى إلى تعرب تلك البلاد تدريجيا وجعل غالبية سكانها من أهل العربية وإن لم يكونوا عربا خلصا من ناحية الجنس، وهو ما نراه اليوم في سحناتهم التي تختلف عن بعضها رغم انتمائهم للغة واحدة، وإن تعددت لهجاتها.

الأمر ذاته يمكننا أن نراه في الناطقين بالأسبانية في أمريكا اللاتينية، فبالرغم من أن كثيرا منهم يختلفون عن الأسبان عرقا ورغم أن أشكالهم وألوانهم وسحناتهم متنوعة، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة انتمائهم لأهل اللغة الأسبانية.

إذن، إذا لم يكن هناك بالضرورة تلازم بين الانتمائين العرقي واللغوي فإن هذا يعني، وهنا مربط الفرس، أن الادعاءات الشعوبية التي يسوقها البعض بأن اللغة العربية غريبة عن البلاد التي تسودها خارج جزيرة العرب لا أساس لها من الصحة، فرغم اختلاف سحنات كثير من أهل العربية عن سحنات سكان جزيرة العرب، إلا أن الجميع مشتركون في كونهم من أهل العربية بغض النظر عن نسبة الدم العربي في كل منهم.

ولذلك فإن من المهم أن ننظر إلى الأمور بشيء من التجرد وألا نقع في إفراط أو تفريط، إذ لا يمكن أن نزعم أن أهل العربية خارج جزيرة العرب عرب خلص لأن لغتهم العربية، ولا يمكن أيضا أن نصغي إلى الأصوات النشاز التي تدعوهم إلى نبذ العربية لأنهم مختلفون سحنة عن عرب الجزيرة، فكلتا النظرتين قاصرتان لأنهما لا يراعيان الكيفية التي انتشرت بها العربية خارج منشأها ولا الكيفيات التي تنتشر بها اللغات عامة.

ثانيا، من أبرز ما استنبطناه من كلام ابن خلدون هو أن أهل اللغة قادرون على اكتساب وجهها الفصيح وإتقانه رغم أنهم يربون على وجهها الدارج، فرغم أن محيطهم تغلب عليه العامية إلا أن من الممكن للواحد منهم أن يتمكن من الفصحى ويتحدثها كما تحدثها السابقون، وذلك "بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك، بحيث تحصل الملكة ويصير كواحد من نشأ في جيلهم وربى بين أحيائهم". أما الطارئ على اللغة فإنه إن حاول أن يتعلم الفصحى ويتقنها بالطريقة ذاتها فإنه لا يصل إلى درجة إتقان أهل اللغة لأن الملكة، كما ورد أعلاه، "إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة".

وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر والذي هو أبعد عن عصر العرب الأوائل مقارنة بعصر ابن خلدون فسنجد كلام صاحب المقدمة لا يزال مطابقا للواقع إلى حد كبير، فالطارئون على العربية نادرا ما يتقنونها بنفس درجة أهلها، وذلك رغم أن أغلبهم يدرسون فصحاها فقط، ورغم أن أهلها منغمسون كل في دارجته.

ولا يعني هذا الكلام أننا نتعامى عن الضعف الذي يعتري استخدامنا للفصحى، ولا عن الأخطاء الفادحة التي يرتكبها الكثيرون منا عند الحديث بها، لكننا نتحدث هنا عن القدرة الكامنة لدى أهل العربية، فقصور الواحد منهم ناتج عن قلة مخالطة وجه اللغة الفصيح وندرة استخدامه إياه، وبذلك فإنه ليس قصورا حتميا كما هو الحال عند الطارئ على العربية الذي عنده "من الفتور بالعجمة السابقة التي تؤثر القصور بالضرورة".

ولذلك فإن الدعوة إلى تقعيد العامية بدعوى صعوبة الفصحى وكونها لغة أخرى تختلف عن اللهجات التي يزعم البعض أنها لغات منفصلة مجافية للواقع ولا ترتكز على أساس سليم، فهي مجافية للواقع لأن أصحابها يتجاهلون حقيقة أن السواد الأعظم ممن يتقنون الفصحى هم من أهل العربية الذين نشأوا في كنف لهجاتهم، فلو كانت لهجاتهم تلك لغات منفصلة لكانت الصعوبة التي تلاقيهم عند اكتساب الفصحى بنفس درجة الصعوبة التي يلاقيها الطارئون عليها ممن ربوا على لغة مختلفة، ولكانت أخطائهم شبيهة بتلك التي تصدر عن هؤلاء الطارئين.

ثم إن دعوتهم هذه ليست مرتكزة على أساس سليم لأنها لا تفرق بين الممكن والمستحيل، ولا بين المرحلي والأزلي، فقصور أهل العربية في فصحاهم يمكن جبره بتحسين أو تغيير مناهج اكتسابها حتى يصلوا إلى درجة الإتقان، وكثير منهم يصل، أما قصور الطارئين عليها فهو حتمي يظل قائما مهما حاول المتعلم تلافيه، اللهم إلا في حالات نادرة لا يقاس عليها.

خاتمة
بغض النظر عن المعايير التي ذكرناها في هذا المقال فإن كل من سمع أجنبيا يتحدث لغته أو تعلم هو لغة أجنبية يعلم أن ملكة أهل اللغة أرسخ مقارنة بالطارئين عليها، ولا يحتاج في الغالب إلى من يثبت له ذلك لأنه من المعلوم من الواقع بالضرورة.

ولأن الأمر كذلك فإن من المهم جدا أن يمَكَّن الناس من التعامل بلغتهم في مجالات الحياة المهمة كافة، وألا يضطروا إلى التعامل بلغة لا رسوخ لهم فيها طالما هم في بلدهم، لأن ذلك يعزلهم عن كثير من الأمور الحيوية بالنسبة لهم.

ولذلك فإن تعريب الحياة العامة تعريبا كاملا وتنشيط الترجمة، وخصوصا في مجال العلوم، يعدان من الأمور التي ينبغي لنا نحن أهل العربية الالتفات إليها والسعي إلى تحقيقها، وذلك لإتاحة المعلومات أمام الجميع ولإقرار مبدأ تكافؤ الفرص ولمنع جعل اللغة، وهي الشكل، معيارا للتنافس عوضا عن المضمون، وحتى لا ينقسم المجتمع بين أغلبية تندب حظها لأنها لا تتقن لغة أجنبية، وقلة تظن أنها شعب الله المختار.

الخميس، 31 يناير 2013

خلدونيات لغوية: عن اللغة والفكر


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي. 
____________________________________________________________________

تحدث علماء اللغة والفلاسفة في الماضي والحاضر عن علاقة اللغة بالفكر، واختلفوا حول تحكم اللغة ببنيتها في الفكر ومدى ذلك التحكم، فقال بعضهم أن الفكر مستقل عن اللغة وأنها لا تتحكم فيه ولا تقيده، وقال البعض الآخر أن اللغة التي نتحدثها تحدد نظرتنا إلى العالم وسميت تلك الفرضية الحتمية اللغوية، واتخذ فريق ثالث موقفا وسطا بقوله أن لغة المرء تؤثر على تفكيره ولكنها لا تتحكم فيه وسميت فرضيتهم النسبية اللغوية. (شاهد، عزيزي القارئ، هذا الشرح المبسط لفهم الموضوع).

وبينما رفض أغلب علماء اللغة فرضية الحتمية اللغوية التي تقول أننا سجناء داخل لغتنا، لقيت فرضية النسبية اللغوية شيئا من القبول عند بعض الباحثين وإن كانت نتائج دراساتهم بشأنها لا تزال بعيدة عن إثبات صحة الفرضية إثباتا مقنعا.

وحيث أن باب النقاش حول الموضوع ما زال مفتوحا فإننا سنحاول في هذا المقال معرفة وتحليل ما ذكره ابن خلدون عنه علنا نجد عنده جديدا.

يقول ابن خلدون في فصل بعنوان "في أن صناعة النظم و النثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني":

"المعاني موجودة عند كل أحد، وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى، فلا يحتاج إلى تكلف صناعة في تأليفها. وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة، كما قلناه، وهو بمثابة القوالب للمعاني. فكما أن الأواني التى يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف، والماء واحد في نفسه، وتختلف الجودة في الأواني المملؤة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء، كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد، والمعاني واحدة في نفسها. وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى ملكة اللسان إذا حاول العبارة عن مقصوده ولم يحسن بمثابة المقعد الذي يروم النهوض ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه".

إذا حاولنا تحليل كلام ابن خلدون، على قصره، ورغم أنه يتكلم عن اللغة أساسا وليس عن الفكر، فمن الممكن أن نستخرج نقطتين:

أولا، يرى ابن خلدون أن اللغة لا تتحكم في الفكر ولا تؤثر فيه، "فالمعاني موجودة عند كل أحد، وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى"، وهو ما يعني أن المرء ليس أسير لغته، إذ له أن يعمل عقله ويخرج بأفكار قد تكون عبقرية وقد تكون غير ذلك دون أن يكون للغة دور مقيد في ذلك.

ثانيا، رغم أن عملية التفكير ليست مرتبطة باللغة عند ابن خلدون، إلا أن عملية التعبير عما ينشأ من أفكار يلزمها استعمال اللغة، والتي هي "بمثابة القوالب للمعاني". ومعرفة هذه القوالب اللغوية هي "ملكة اللسان"، والتي نكتسبها من مجتمعنا قراءة وسماعا، وهو ما يعني أنه يلزمنا التعبير عن أفكارنا باستعمال ما درج الآخرون على استعماله حسب المقام، وهذا هو معنى القوالب.

إذن، نستنتج من كلام ابن خلدون أن اللغة لا تحدد أفكارنا، وإنما تحدد كيفية تعبيرنا عنها، "فصناعة الكلام نظما ونثرا إنما هي في الألفاظ لا في المعاني".

تقييم
قد يرى البعض في الرأي الخلدوني عن علاقة اللغة بالفكر شيئا من التناقض، فصاحب المقدمة يقول أن اللغة ليست مقيدة بالفكر، لكنه في الوقت ذاته يرى أن اللغة بمثابة القوالب التي تُصب فيها الأفكار، فكيف إذن يكون الفكر غير مقيد باللغة؟

الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تستوجب استحضار أمر مهم ما انفك ابن خلدون يذكره في مواضع مختلفة من مقدمته، ألا وهو طبيعة اللغة الاجتماعية، فاللغة ملكة اجتماعية بامتياز، ووظيفتها الأساسية هي تمكين الناس من التواصل، فهي للمجتمع ومنه وإليه. ولأنها كذلك، فإن ما يجدِّ من أفكار يعبَّر عنه بكلام يفهمه الناس، فما فائدة الفكرة الجديدة إن لم تصل عقول الناس ولم تدركها أفهامهم؟

وقد تكون طبيعة اللغة الاجتماعية وكونها أداة تواصل السبب الرئيسي الذي يدفع البعض إلى القول بأن اللغة تقيد الفكر، فقد تدور في خلد المرء من الأفكار "ما يشاء ويرضى" كما يقول ابن خلدون، لكنه إذا أراد التعبير عنها تحتم عليه تأطيرها بلغة يفهمها الناس، فتبدو كأنها مقيدة باللغة رغم كونها ليست كذلك.

وليس شرطا أن يعبَّر عن الأفكار الجديدة بكلمات يستعملها الناس، فقد يصَّك مصطلح أو تستعار كلمة من لغة أخرى لهذا الغرض، لكن مدى تناسبها مع نسق اللغة وروحها هو ما يحدد إمكانية اندماجها في جسد اللغة ووجدان متحدثيها أو طائفة منهم إن كانت الكلمة مصطلحا خاصا.

ثم إننا إذا ألقينا نظرة خاطفة على بعض لغات العالم فسنجد أن من الصعب التسليم بأن اللغة توجه الفكر، ففي العربية نقول أنتَ وأنتِ، بينما لا يوجد في لغات أخرى كثيرة سوى ضمير واحد للمخاطب المفرد، فهل يؤثر ذلك أحيانا على متحدثي تلك اللغات فلا يدركون أرجلا أم امرأة يخاطبون؟؟

وهناك من اللغات، ومنها العربية، ما تكون فيها الأسماء إما مذكرة أو مؤنثة، سواء كان المسمى عاقلا أو غير عاقل، فالليل والقمر والقلب أسماء مذكرة في لغتنا، والنار والحرب والصحراء مؤنثة، فهل يعني هذا أننا نضفي على الأولى صفات الذكورة وعلى الثانية صفات الأنوثة؟

إذن، بالعودة إلى كلام ابن خلدون فإننا نقول أن اللغة عنده تقولب الأفكار ولا تقيد الفكر أو تؤثر فيه، وبدون تلك القولبة يكاد ينتفي الهدف الأساسي الذي وجدت من أجله اللغة، وهو التواصل.

استطراد
شاهدت ذات مرة مقابلة قصيرة مع رجل عجوز في أحد شوارع مصر بدأتها المذيعة بسؤال الرجل عن ضعف تمثيل المرأة في البرلمان، وهو ما دفع الرجل إلى الرد بشيء من الغضب قائلا أنه يريد الحديث عن حافلات النقل العام بدلا من الموضوع الذي طرحته المذيعة!

ورغم أن الرجل استعمل في بداية حديثه كلمة لا تقال على التلفاز أمام الملأ، إلا أن رده جسد مدى انفصال الفكرة التي طرحتها المذيعة عن هموم الرجل والناس عامة.

ولذلك فإن اللغة وإن كانت تقولب الأفكار ولا تقيد الفكر كما استنبطنا من كلام ابن خلدون، فإننا لا يمكن أن نتجاهل أن لكل لغة فضائها الخاص الذي تغلب عليه أفكار أهلها وثقافتهم، فالخطاب السائد في مجتمع ما يحدد الأفكار التي يكتب لها أن تنتشر وتسود، ويحدد أيضا ما لا يمكن أن يقبله المجتمع وإن جيشت له جحافل الكتاب والمذيعين.

ونحن اليوم نجد أن مسألة حقوق المرأة مثلا والتي تطرح باستمرار في كثير من وسائل إعلامنا منذ عشرات السنين لا تلقى تجاوبا من رجل الشارع العادي كما شاهدنا في المثال أعلاه، لأن الكثيرين يشعرون أنها فكرة دخيلة مستجلبة من سياق مختلف غريب عنهم، فهي لا تنتمي إلى فضاء لغتهم وإن عُبِّر عنها بها.

إذن، سواء أكانت اللغة ذاتها ببنيتها وقواعدها لا تؤثر على الفكر، وهو ما نعتقده، أو كانت تؤثر، فإن من المؤكد أن المحتوى السائد فيها له أثر مهم على الفكر.

خاتمة
من الصعب لموضوع مثل موضوع اللغة والفكر أن نوفيه حقه في سطور معدودات، فالعقل البشري الذي أبدعه الخالق سبحانه وتعالى أعقد مما نتصور، ومعرفتنا بتفاصيله لا تعد شيئا مقارنة بما يجري فيه من عمليات على مستوى عال من الدقة والتعقيد والسرعة.

لكننا مع ذلك نقول أن من المهم جدا أن ندرك أن اللغة سواء كانت تؤثر في الفكر أو لا تؤثر، فإن المجتمع الذي يتحدثها ويحدد شكلها يؤثر في الفكر، ويؤثر أيضا في إمكانية وكيفية التعبير عما ينتجه عقل ما من أفكار.

ولذلك فإن من الضروري  للباحث في علاقة اللغة بالفكر ألا ينسى أن اللغة نتاج مجتمع، وأنه لا يمكن النظر إليها مجردة، فهي إن لم تكن لازمة للتفكير فإنها لازمة للتعبير، وهي وإن كانت كما عرفها ابن خلدون "عبارة المتحدث عن مقصوده"، إلا أنها في الوقت ذاته "في كل أمة حسب اصطلاحاتهم".

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

خلدونيات لغوية: منابع الفصحى

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي. 
____________________________________________________________________

 تعد قدرة الأطفال على اكتساب اللغة من محيطهم دونما تلقين يذكر من أجل النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فمحيط الطفل داخل المنزل وخارجه هو المنبع الذي تفيض منه اللغة عليه فيكتسبها دون الحاجة إلى تعليم أو شرح أو أي شيء من قبيل ما يحتاجه الكبار حين يتعلمون لغة أجنبية.

وقد وصف ابن خلدون عملية الاكتساب تلك في فصل من مقدمته عنونه ب" في أن اللغة ملكة صناعية"، ذكر فيه أن "الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال، لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم يتكرر، فيكون حالا. ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة. ثم يزيد التكرار، فيكون ملكة، أي صفة راسخة. فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا. ثم يسمع التراكيب بعدها، فيلقنها كذلك. ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر، إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ويكون كأحدهم".

وواضح من كلام ابن خلدون أنه يصف العصور الأولى التي سبقت استشراء اللحن في اللغة، والذي أدى إلى انقسام اللغة العربية إلى قسمين رئيسيين أولهما الفصحى وثانيهما اللهجات الدراجة التي أصبحت هي لغة المحيط التي يكتسبها الطفل اكتسابا طبيعيا ويربى عليها.

ولأن الفصحى قد ابتعدت عن البيت والشارع واختصت بمجالات محددة كالتعليم وكتابة الوثائق الرسمية والكتب والرسائل العلمية فقد صار من اللازم إيجاد طرائق لإتقانها رغم قلة استخدامها في المحيط العام وابتعداها عن أغلب ما هو رسمي.

ولقد أكد ابن خلدون في مقدمته أن الطريقة الأنجع للتمكن من الفصحى هي مخالطتها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:

ما هي منابع الفصحى التي ينبغي النهل منها لإتقانها؟

أجاب ابن خلدون عن هذا السؤال في أكثر من موضع في مقدمته، حيث أشار إلى منابع نسميها في هذا المقال بالعامة، وأخرى نسميها بالخاصة، وسنتناولهما في نقطتين، وهما كالتالي:

أولا، تحدث ابن خلدون عن منابع عامة للغة، الهدف من النهل منها هو إتقان الفصحى عامة بحيث لا تكون اللهجات العامية مسيطرة على ألسنتنا، وبحيث نستطيع التحدث بالفصحى بنفس الطلاقة التي نتحدث بها اللهجة التي ربينا عليها.

ولقد رأى ابن خلدون أن على من أراد أن يكتسب سليقة الفصحى ويتحدث بها كالعرب الأوائل أن " يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم".

والشاهد في هذا الكلام أن من الأهمية بمكان ألا يقتصر مخالط الفصحى على منبع واحد أو منبعين من منابعهما، إذ ينبغي أن ينهل من مختلف المنابع حتى تصبح الفصحى طيعة في متناوله يستخدمها بسهولة ويسر ليعبر بها عن مقاصده.

وقد أشار ابن خلدون إلى أهمية النهل من منابع متنوعة للفصحى في موضع آخر من المقدمة، وذلك في الفصل الذي عقده بعنوان " في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه"، والذي استعرض فيه طرق التعليم ومواده في كل من الأندلس والمغرب وإفريقية، ولاحظ أن الطلاب في المغرب وبدرجة أقل في إفريقية لا يتمكنون من الفصحى في الأغلب لأن المعلميمن يركزون على القرآن ويهملون باقي منابع اللغة الأخرى، والقرآن "لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله. فهم مصروفون كذلك عن الاستعمال على أساليبه، فلا تحصل لصاحبه ملكة في اللسان العربي. وحظه الجمود في العبارات، وقلة التصرف في الكلام".

أما أهل الأندلس فلم يكونوا يقتصرون على القرآن بل كانوا "يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب، والترسيل"، ولذلك كانوا أقدر على إتقان الفصحى من أهل المغرب وإفريقية، مما يدل على أهمية نهل طالب الفصحى من عامة منابعها ومن مختلف مصادر كلام العرب إلى أن "يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم، فينسج هو عليه، ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم".

ثانيا، أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن إتقان الفصحى بنفس درجة إتقان العامية لا يكفي لاستخدامها، أي الفصحى، للحديث عن أي شيء، وذلك لأن "لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة".

وعلى سبيل المثال فقد لاحظ ابن خلدون أن نظم الشعر"لا تكفي فيه ملكة الكلام العربي على الإطلاق، بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب التي اختصته العرب بها وباستعمالها فيه". ولذلك فقد رأى أنه من الضروري لمن أراد أن يصبح شاعرا أن يخالط الشعر ويحفظ الكثير منه حتى يستوعب أساليبه التي تختلف عن أساليب فنون الكلام الأخرى ويكون ملكة خاصة بفصحى الشعر.

ولقد عرف ابن خلدون الأسلوب على أنه " المنوال الذي تنسج فيه التراكيب، أو القالب الذي ترص فيه"، وبين، كما ورد أعلاه، أن إتقان الفصحى يختلف عن معرفة الأسلوب الذي يختص به مجال ما، فقد يكون أحدهم ضليعا بالفصحى المستعملة في علم ما وقاصرا في الفصحى السائدة في علم آخر. ولقد ضرب ابن خلدون مثلا على ذلك بنفسه، حيث قال:

" ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب، وزير الملوك بالأندلس، وكان الصدر المقدم في الشعر و الكتابة، فقلت له: أجد استصعابا علي في نظم الشعر متى رمته، مع بصري به وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث وفنون من كلام العرب، وإن كان محفوظي قليلا. و إنما أتيت، والله أعلم، من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية والقوانين التأليفية، فإني حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في القراءات في الرسم واستظهرتهما، وتدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه والأصول وجمل الخونجى في المنطق، وكثيرا من قوانين التعليم في المجالس، فامتلأ محفوظي من ذلك و خدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن و الحديث و كلام العرب، فعاق القريحة عن بلوغها. فنظر إلي ساعة معجبا، ثم قال: لله أنت، هل يقول هذا إلا مثلك؟".

ولم يكتف ابن خلدون بالحديث عن نفسه مثالا لمن يتقنون الفصحى عامة ولا يجيدون استخدام سوى بعض أساليبها، حيث أعطى مثالا آخرا محددا عن الاختلاف بين أسلوب الشعراء وأسلوب الفقهاء، فقال:

"أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان، كاتب العلامة بالدولة المرينية، قال: ذاكرت يوما صاحبنا أبا العباس بن شعيب، كاتب السلطان أبي الحسن، وكان المقدم في البصر باللسان لعهده، فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي، ولم أنسبها له، وهو هذا:

لم أدر حين وقفت بالأطلال            ما الفرق بين جديدها و البال

فقال لي على البديه: هذا شعر فقيه، فقلت له: ومن أين لك ذلك؟ قال: من قوله ما الفرق، إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من أساليب كلام العرب، فقلت له: لله أبوك، إنه ابن النحوي".


يتبين لنا إذن أن هناك منابع خاصة لإتقان الفصحى المستخدمة في مجال معين من مجالات الحياة المختلفة، وأن مخالطة الكلام المستخدم في مجال ما هو ما يمكن المخالط من استيعاب الأسلوب المطرد فيه، وأنه هناك فرقا بين الفصحى العامة والتي هي عكس اللهجات الدارجة، وبين أنماط مختلفة من الفصحى تتمايز فيما بينها باختلاف أساليبها.


تطبيقات

بعد أن تحدثنا عن منابع الفصحى وصنفناها بناءً على كلام ابن خلدون، سنحاول فيما يلي أن نأتي على ذكر شيء من الشواهد والفوائد التي يمكن استقائها مما ورد أعلاه، قاصرين الحديث على نقطتين، وهما كما يلي:


أولا، إذا نظرنا في النقطة الأولى التي أوردنا فيها كلام ابن خلدون عن أهمية مخالطة نصوص متنوعة من الفصحى فسنجد أن النهل من منابع الفصحى المتعددة يعد بالفعل أمرا حيويا لكل من رام امتلاك ناصيتها، لأن الاقتصار على منبع أو منبعين فقط يحد من قدرتنا على اكتساب مفردات وتعابير جديدة وعلى ترسيخ قدرتنا على الالتزام بحركات الإعراب عند الحديث.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ثمة منابع أهم من الأخرى؟

الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التذكير بأن الهدف الرئيسي من مخالطة الفصحى هو التخلص من تأثير العامية على اللسان، وهو ما يدفعنا إلى إعادة صياغة السؤال كالتالي:

ما هي نصوص الفصحى الأقدر على تخليص مخالطها من تأثير العامية؟


من الصعب بالطبع الإجابة على هذا السؤال دون دراسة ميدانية مفصلة، لكننا يمكن أن نقول أن مدارسة القرآن والحديث والنصوص المرتبطة بهما تجعلنا أقرب إلى استخدام حركات الإعراب استخداما صحيحا، لأن قدسيتها تجعلنا حريصين على نطقها نطقا صحيحا كما وردت ودون أي خطأ وإن كان غير مقصود.

لكن إتقان الفصحى لا يقتصر على الإعراب فقط، بل يتعداه إلى العلم بمفرداتها ومعانيها وتراكيبها وأسالبيها وما إلى ذلك مما يخرج عن نطاق علم النحو والذي هو جزء من علوم العربية. ولذلك فإن على من رام الفصحى أن ينهل من منابعها المختلفة حتى يتقنها من كافة جوانبها، فحتى وإن كان أحدهم متقنا للفصحى من ناحية النطق بها دون لحن، فإن قدرته على وصف مباراة كرة قدم مثلا مرتبطة بمدى معرفته بالمفردات والمصطلحات وربما الأساليب المستخدمة في ذلك المجال.

وعليه فإن قال قائل أن نصوص القرآن والسنة وما يتعلق بهما ليست كافية لتقويم اللسان، فإننا نقول أن هذا صحيح، لكننا نقول أيضا أن دارس العلوم الشرعية الجاد بطبيعة تخصصه لا يقتصر عليها، بل يلزمه مخالطة العديد من متون العلوم الأخرى، فتضعه مخالطته نصوص القرآن والسنة على أول طريق اللسان الفصيح، فتكون بمثابة الأساس، وتزيد مخالطة النصوص الأخرى من قدرته على استخدام الفصحى بطلاقة ودون لحن، فتكون بمثابة المرسخ. ولربما كان هذا أحد أهم أسباب قدرة علماء الدين على الحديث بعربية تقل فيها لدرجة كبيرة الأخطاء في الإعراب وحركاته، خصوصا إذا ما قارناهم بغيرهم.

وبناءً على ذلك يمكننا أن نقول أن إتقان الفصحى يستلزم أولا تقويم اعوجاج اللسان وتخليصه من تأثير العامية من الناحية الإعرابية، وهو ما يتأتى بمخالطة نصوص الكتاب والسنة وما يرتبط بهما مما له طابع قدسي، ويتبع ذلك مخالطة أنماط الفصحى الأخرى من نثر وشعر للتمكن من جوانب الفصحى الأخرى واستكمال تقويم اللسان.

ثانيا، بالنسبة للنقطة الثانية التي أشار فيها ابن خلدون إلى أن كل فن من فنون الكلام له أساليب معينة فإن نظرة خاطفة على استخدام اللغة في مجالات مختلفة تثبت لنا أن هذا الكلام صحيح، إذ أن لكل مجال قوالب لغوية محددة تشيع فيه وتميزه عن غيره. وإذا نظرنا إلى لغة الإعلام مثلا فإننا نجد أن بها عبارات شائعة من قبيل:

١- صرح مصدر مسؤول بوزارة الداخلية...
٢- أفادت التقارير الواردة من...
٣- وفي خبر عاجل وردنا للتو...

ولا تقتصر تلك القوالب الجاهزة على مفردات أو عبارات محددة فقط، بل قد تدخل أيضا في اختيار الأزمنة، فنجد مثلا أن عنوان الخبر قد يكون في المضارع، بينما الخبر نفسه في الماضي.

مثال
العنوان: الرئيس يطيح بمستشاريه
نص الخبر: أفادت وكالة الأنباء ال... بأن الرئيس ال... أصدر قرارا بإعفاء كل من...


ولا يعني اختصاص كل مجال بأنماط معينة من اللغة أنه لا مشترك بينها، فاللغة في نهاية المطاف واحدة، وتفرد مجال ما بقوالب معينة لا يعني أن كل اللغة المستخدمة فيه مختلفة عما هو مستخدم في مجالات أخرى، لأن تلك القوالب جزء مما هو شائع في ذلك المجال وليست كله.

ومن نافلة القول أن اكتساب ملكة الكتابة أو الحديث بالفصحى عن مجال بعينه عملية يسبقها اكتساب "ملكة الكلام العربي على الإطلاق"، أي إتقان الفصحى عامة، إذ هي بمثابة الأساس الذي يجب أن يوجد حتى تصبح عملية اكتساب أسلوب متخصص يسيرة.

ومما يلحظه قارئ كتب التراث أن اللغة المستخدمة فيها، بغض النظر عن مواضيعها، مختلفة بعض الشيء عن فصحانا المعاصرة، والاختلاف ليس في اللغة بقدر ما هو في الأساليب، ولربما يعود ذلك إلى اختلاف نمط حياتنا عن نمط حياة من سبقنا، ولكن أيا كانت الأسباب فإن من المهم أن نشجع النشئ وحتى الكبار على مخالطة كتب التراث وعدم الاقتصار على ما يكتب بالفصحى المعاصرة فقط، لأن ذلك من شأنه أن يجعل الأساليب القديمة بمفرداتها وتراكيبها مألوفة لدينا ليسهل بذلك اتصالنا بماضينا ولكي لا تكون كتب التراث مثلا للعربية المقعرة التي يتخذها البعض مادة للتندر.


خاتمة

تكلمنا في مقال سابق عن أن مخالطة الفصحى هي السبيل الأمثل لإتقانها، وحاولنا في هذا المقال أن نبين المنابع التي ينبغي النهل منها لتحقيق تلك المخالطة، لكن يبقى سؤال مهم ينبغي الإجابة عليه وهو:

ما هي الطريقة المثلى لمخالطة الفصحى؟


إذا عدنا إلى ما قاله ابن خلدون عن كيفية اكتساب ملكة الفصحى فسنجد أنه حدد الحفظ طريقة مثلى لذلك حين قال أن "وجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم".

ولم يذكر ابن خلدون لماذا اختار الحفظ سبيلا أمثلا لمخالطة الفصحى، لكننا إذا فتشنا في مقدمته لوجدناه يقول في موضع آخر أن "السمع أبو الملكات اللسانية"، وهو ما يعني أن اختياره راجع والله أعلم إلى أن التأكد من حفظ نص ما يستلزم قراءته بصوت عال ولو كان المرء بمفرده، مما ينقل النص من خانة المقروء فقط إلى خانة المقروء والمسموع والمنطوق.

لكن مخالطة الفصحى لا تؤتي أكلها بالحفظ فقط حسب ما يرى ابن خلدون، إذ ينبغي الانتقال بعد الحفظ وربما بالتزامن معه إلى مرحلة الاستعمال والتعبير عن المقاصد حتى ترسخ الملكة المكتسبة ويصبح جريانها على اللسان تلقائيا، "وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المؤلف".

إذن، إذا عرفنا أن التمكن من الفصحى يستلزم مخالطتها، وأن مخالطتها تستلزم معرفة منابعها، وأنها تكون بكثرة الحفظ والاستعمال، فماذا نحن فاعلون لنطبق ذلك في عصرنا الحالي؟

الحقيقة أن مخالطة الفصحى في عصرنا هذا لربما تكون، على عكس ما يعتقده البعض، أيسر من العصور السابقة، إذ يتوفر لدينا من التقنيات ما يتيح الفصحى وبغزارة أمام الجمهور، فالصغير يسمع الفصحى منذ نعومة أظفاره في الرسوم المتحركة، والكبار، متعلمين وأميين، يستمعون إليها في العديد من البرامج الإذاعية والمتلفزة، لا بل أننا لا نبالغ إذا قلنا أن انتشار الحواسيب والنت جعل الفصحى في متناول كل من طلبها.

لكننا مع كثرة سماعنا الفصحى في وسائل الإعلام لا نتقنها كما يجب، أو بالأصح، لا نتقن الحديث بها كما نتقن فهمها، والسبب في ذلك يعود إلى قلة حديثنا بها، وهو ما يجعل استعمالها استعمالا صحيحا تلقائيا عند الحديث بها أمرا صعبا للكثيرين منا.

ولذا فإن علينا أن نوجد السبل التي تمكننا من استخدام الفصحى وبكثرة حتى تجري على ألسنتنا، ولعل من أنجع تلك السبل أن تكون الخطابة والإلقاء والمناظرة موادا إلزامية في المدارس والجامعات وأن تربط بمناهج اللغة العربية حتى تحل مشكلة الفصحى في مهدها، و"يخرج الولد من عمر البلوغ إلى عمر الشبيبة وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والتبصر بهما، وبرز في الخط والكتاب، وتعلق بأذيال العلم على الجملة".