الخميس، 31 ديسمبر 2009

هوية العلوم

يعتقد الكثيرون في عصرنا هذا أن العلوم لا هوية لها ولا ملة، و أن العلم الياباني لا يختلف عن نظيره الصيني ولا عن علوم الغرب. وبالرغم من أن هذا الاعتقاد ليس بجديد، إلا أن رياح العولمة والمبشرين بها زادوا من رسوخها في أذهان الكثيرين إلى درجة جعلت العديد منا يؤمن بحيادية العلوم ويظن أن الثقافة لا تساهم في تطويرها ولا بلورتها ولا تدخل في تفاصيلها.

وبناء على ذلك الاعتقاد استنتج الكثيرون أن العلم يمكن استيراده كما هو دون الحاجة إلى تمحيصه والتمييز بين ما يمكن نقله دون تعديل يذكر، وما يمكن نقله مع القليل أو الكثير من التعديلات، وما لا يمكن نقله إطلاقا. وانطلاقا من ذلك الاستنتاج ذهب البعض إلى أنه لا فرق بين تدريس العلوم بالإنجليزية والفرنسية وبين تدريسها بالعربية، فالعلم، حسب رأيهم، لا يحمل جواز سفر.

ولست أدري بالتحديد من أين أتى البعض بتلك الفكرة، فربما تأثر البعض بالقوة الناعمة الأمريكية وبالترويج المستمر من قبل بعض أبناء جلدتنا لإنجازات الآخرين حتى صار من العسير التمييز بين ما هو إنساني مشترك بين بني البشر وما هو مرتبط بالخصوصية الثقافية لشعب أو حضارة ما.

ولذا فإنه ينبغي علينا أن ننظر إلى الأمثلة التالية حتى ندرك أن المجتمعات المنتجة للعلوم، وخصوصا الناجحة منها، تؤثر بشكل فعال مباشر أو غير مباشر على العلم، وذلك على مستويين على الأقل:

١- تؤثر العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها من العوامل على أولويات البحث العلمي لدى كل مجتمع. وهناك شواهد عدة على ذلك قد يكون من أشهرها نظرية دارون التي، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، لم تكن لترى النور سوى في عصر أصبحت فيه قصة نبي الله آدم وزوجه حواء حسب النصوص الدينية المتبناة من قبل الكنيسة رواية لا يمكن لعقل دارون وأتباعه أن يصفوها بالعلمية حسب معاييرهم.

أما في القرن العشرين فإننا نجد كما تذكر الأستاذة فاطمة الزاهراء كفيف في بحث لها بعنوان "الطبيعة الأيديولوجية للعلم الغربي" أن الأفكار والعقائد السائدة في المجتمع وجهت العلم والباحثين بصورة فعالة. ومثال ذلك كما تقول تطور العلوم الفيزيائية نتيجة سياسات الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يتغير ذلك التأثير حتى يومنا هذا، ففي شهر أبريل من عامنا هذا احتج العديد من المدافعين عن حقوق الشواذ جنسيا قبيل مؤتمر علمي في ألمانيا أدرج على جدول أعماله بحثين حول معالجة الشذوذ الجنسي. وهذا كما يعرف الكثيرون أمر مستهجن في الخطاب الغربي، الرسمي منه على الأقل، وذلك لاعتقادهم بأن الشذوذ الجنسي ليس بمرض. ومن ثم فإن الخوض في أبحاث من هذا القبيل يؤدي بالباحث إلى الاصطدام بعقيدة المجتمع، مما يصعب من مهمته البحثية ويجعل من الحصول على الأموال اللازمة لإجراء بحثه أمرا عسيرا حتى وإن توفرت الحرية العلمية. والقوانين كما نعرف ليست فقط تلك المنصوص عليها كتابة، وإنما هي أيضا الأعراف المفهومة ضمنيا من قبل أفراد المجتمع.

وتأثير المجتمع على أولويات البحث أمر طبيعي، وهو ليس صفة غربية كما قد يستنتج البعض من الأمثلة التي وردت أعلاه، فقد كان ذلك التأثير حاضرا وبقوة في الحضارة الإسلامية. ويذكر الأستاذ غازي التوبة أن تطوير النحو العربي كان من أجل خدمة القرآن وحفظه من التحريف واللحن، كما أن جانبا مهما من علوم الجبر والرياضيات طور من أجل حل مشاكل توزيع الميراث وجباية الخراج وتحديد أنصبة الزكاة.

٢- المستوى الثاني الذي يؤثر فيه المجتمع على العلم هو الجانب التطبيقي للعلوم، وهو أمر يبدو فيه تأثير المجتمع واضحا لأن التطبيق يفضي إلى منتجات ملموسة أو محسوسة، مما يسهل رؤية أثر الاختلافات بين مجتمع وآخر على تلك المنتجات.

ولذا فإننا نكتفي بمثال واحد أورده الأستاذ أبوزيد المقرئ الإدريسي في محاضرة له بعنوان صناعة الحضارة. ويذكر فيها كيف أن الاستعانة بأحد المعماريين الغربيين لبناء مسجد في الكويت أدى إلى قيام ذلك الرجل بتصميم مسجد اتضح عند قرب اكتمال بنائه أنه على شاكلة كنيسة، مما اضطر القائمين على المشروع إلى هدم جزء كبير من المسجد وإعادة البناء من جديد، وهو أمر كان يمكن تفاديه بسهولة لو لم يترك أصحاب الشأن الحبل على الغارب للمهندس. وكما يقول الأستاذ الإدريسي فإن تلك الفضيحة لم تكن مؤامرة كما قد يزعم البعض، ولم يرد بالضرورة ذلك المعماري تعيس الحظ أن يسيء للمسلمين، وإنما تصور الرجل لدور العبادة، وهنا بيت القصيد، متأثر بالبيئة التي نشأ فيها حيث تكثر الكنائس.


وبعد سرد تلك الأمثلة لا يجب على القارئ أن يهرع إلى اتهام الآخرين بعدم الموضوعية، فهم، كما يبين الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني في حديثه عن الغرب، لا يعملون إلا لحسابهم أولا وأخيرا، وليسوا ملزمين بالإنسانية جمعاء. ولذا فإنهم لا يكادون يرعون علما لا يساهم في رقيهم هم بالدرجة الأولى، وهذا حقهم، فكل يغني على ليلاه، وما ليلانا كليلاهم.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن للعلوم هوية، وأن استيرادها دون غربلتها ومعرفة تأثيرات المجتمعات التي نشأت بها عليها فعل يتصف بقصور النظر والسذاجة والصبيانية إن صح التعبير. ولذا فإن أقل ما يجب أن نقوم به بصفتنا أمة متخلفة لا ترغب في الانغلاق على ذاتها ولا تريد إنتاج علمها بسواعد أبنائها أن نمحص العلوم التي تردنا من الخارج لنميز بين ما يمكن نقله لطبيعته الإنسانية المشتركة بين أبناء آدم وبين ما هو ذو خصوصية ثقافية لشعوب الأرض المختلفة عنا. فالوهن الذي نعيشه لا يشل كل قدراتنا ولا يلغي هامش المقاومة لدينا، ولا يعقل أن نتعامل مع كل الأمور بمنطق "إما إفراط او تفريط" لمجرد أننا حالنا حال سرحان عبد البصير لم نعد نطيق التعامل مع اللون الرمادي. وكوننا ضعفاء مهيضي الجناح لا يعني أن نبقي أبوابنا مفتوحة على مصراعيها أما كل من هب ودب، فحتى بعض العاهرات يخترن زبائنهن.

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

شيء من الانغلاق

"الفرنسية غنيمة حرب"، هكذا وصف الكاتب الجزائري الراحل كاتب ياسين اللغة الفرنسية التي كانت أحد أدوات احتلال الأراضي والعقول، وهكذا ينظر إليها وإلى غيرها من اللغات الأجنبية الكثيرون منا في عصرنا هذا. ويمكن إرجاع هذه النظرة إلى الآراء التي ما انفكت تردد أن التمكن من لغات الأمم المتطورة أحد أهم مفاتيح التقدم بالنسبة لعالمنا العربي، وذلك لأن تلك اللغات بوابتنا نحو التعرف على أحدث ما وصلت إليه دول العالم المتقدمة من اختراعات وإبداعات. وهذا هو الوجه الحسن لمعرفة تلك اللغات. ولكن هل فكرت عزيزي القاريء فيما إذا كان هناك جانب سلبي لإعطاء تلك اللغات ذاك القدر الهائل من الأهمية كما يحدث في العديد من الدول العربية. إذا نظرنا حولنا فسنجد أن التمكين للغات الأجنبية في بلادنا يحد بشكل كبير من الإبداع المحلي، وذلك من جوانب ثلاث على الأقل:

١- الجانب اللغوي: يؤدي فرض اللغات الأجنبية في مجتمعاتنا إلى جعل اللغة العربية لغة كسيحة لا تتطور بالسرعة الكافية ولا بالكفاءة المطلوبة. وهذا كما يعرف الجميع لا يحدث بسب فقر اللغة العربية، بل بسبب إقصائها عن العديد من القطاعات الحيوية في أغلب بلداننا. ونتيجة لهذا الإقصاء تظل المعاجم التي تصدرها مجامع اللغة العربية حبيسة الرفوف لا تجد من يستخدمها، كما تبقى المقررات الجامعية التي تصدر باللغة العربية ضعيفة الانتشار بسبب رفض أغلب الكليات العلمية التدريس باللغة العربية، وكثيرا ما يؤدي هذا إلى حبس اللغة العربية داخل حلبة العلوم الدينية والأدبية وتكريس فكرة أنها لا يمكن أن تصبح لغة للعلوم الدقيقة. وباختصار فإن لغة لا تستخدم لا تتطور.

أضف إلى ذلك أن الحضور الطاغي للغات الأجنبية يشوش على السليقة اللغوية لأبناء العربية مما يتسبب في ظهور ترجمات غربية لمصطلحات ومفاهيم لا يفهمها إلا المتبحر في اللغة الأجنبية المنقولة منها تلك المصطلحات والمفاهيم، بالإضافة إلى ترجمات لا تتناسب مع نسق اللغة العربية وثقافة متحدثيها (راجع دراسات الدكتور علي درويش للاستزادة).

٢- الجانب الاقتصادي: إن من آثار تهميش اللغة العربية في مجتمعاتنا وإعطاء الأولوية للغات الأجنبية أننا نجد أن هناك العديد من الوظائف التي يشترط على المتقدمين إليها أن يتقنوا لغة أجنبية كالإنجليزية أو الفرنسية. ويؤدي هذا إلى حصر فرصة الحصول على وظيفة جيدة بمن يتحدثون لغة أجنبية وهم أقلية، واستبعاد من لا يتحدثون سوى العربية وهم الأغلبية. وبذلك تقل فرص الاستفادة من المبدعين لأن الشركات تختار موظفين من عدد محدود بدلا من فتح المجال أمام عدد أكبر.

وقد يقول قائل أن هناك وظائف يحتاج الموظف فيها إلى لغة أجنبية بالفعل، وهذا صحيح. ولكننا إذا أمعنا النظر في سوق العمل لوجدنا أن الوظائف التي تتطلب حقا إتقان لغة أجنبية قليلة، أما باق الوظائف فيمكن إنجازها باللغة العربية دون غيرها شريطة أن يتم فرض لغتنا في جميع مناحي الحياة، فثمة فرق هائل بين الحاجات الضرورية والاحتياجات المصطنعة.

وأحيانا يصل الشطط والتنطع بالبعض إلى اشتراط لغة أجنبية كالإنجليزية دون وجود أدنى حاجة إليها. ومثال ذلك ما ذكرت في مقال سابق عن إحدى الجامعات السعودية التي اشترطت على المتقدمين لشغل وظائف تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية إجادة اللغة الإنجليزية. والأدهى من ذلك أن إحدى المستشفيات السعودية طلبت ذات الشيء ممن يودون التقدم لشغل وظيفة صياد عقارب وأفاع.

٣- الجانب الاجتماعي: إذا ألقينا نظرة سريعة على عالمنا العربي لوجدنا أن المتأمركين والمتفرنسين فيه عادة ما ينتمون إلى الطبقة الميسورة، إذ أن تلك الطبقة هي من تقوى على تحمل التكاليف الباهظة لنمط الحياة الغربي من تعليم في مدارس وجامعات أجنبية ورحلات إلى الخارج. ونمط حياة كهذا يؤدي إلى انعزال تلك الطبقة، وهي أقلية ذات قوة اقتصادية وفكرية وإعلامية، عن السواد الأعظم من الشعب، مما يؤدي إلى جعل إبداعات تلك الأقلية تدور في فلك الثقافات التي تبنتها وتبنت لغاتها، ومما يصعب بدوره على المجتمع الاستفادة من تلك الإبداعات. أما الأغلبية التي تصارع من أجل كسب لقمة العيش فإن إبداعاتها، إن وجدت، لا تلقى من يتبناها من قبل أفراد النخبة الذين يعيشون بأجسادهم في العالم العربي وبعقولهم وقلوبهم في أوروبا أو أمريكا. وهنا يكون الاستعمار اللغوي في أوجه.

ولا أزعم هنا أم كل أفراد النخبة لدينا متغربون، إذ يوجد الكثيرون من صفوة المجتمع من هم مغرسون جسدا وعقلا وفؤادا في الوطن العربي، ولكنهم مع الأسف محاربون من قبل النخب المتأمركة أو المتفرنسة التي تجيد فن الاستقواء بالخارج.

إن على العاقل أن يعمل عقله ويطرح السؤال التالي: إذا كان نفع اللغات والثقافات الغربية أكبر من ضررهما، فلماذا يحاول الغرب الذي بيننا وبينه الكثير من العداء نشر لغاته وثقافاته في أراضينا؟ هل يحرص الغرب إلى هذه الدرجة على إفادتنا؟ أم على السيطرة علينا؟ ليس لدي جواب شاف على هذه السؤال، ولكني أعتقد أن الانفتاح بلا رقيب في زمن الضعف يؤدي إلى كوارث أشد خطرا من عواقب الانغلاق.

قبل أن أنهي هذا المقال أحيل الحديث إلى الشاعر الكويتي حمود البغيلي الذي يوجه صرخة تحذيرية لدعاة الانفتاح من خلال أبيات يقول فيها:

عجيب أمر أمتنا عجيب ... تروضنا ليركبنا الغريب
وتحرقنا كعود المسك قهرا ... ليخرج منه للأغراب طيب
فقل للطالبين اليوم علما ... من السفهاء: ويحكموا أجيبوا
متى كان السفيه يدر علما ... ليلقفه على شغفٍ أديب
اذا لصق القراد بضرع شاة ... فلا يرجى من الشاة الحليب

الأحد، 25 أكتوبر 2009

حلول كارثية

في عام ٢٠٠٤ كتب الصحفي الكويتي أحمد البغدادي مقالا في جريدة السياسة بعنوان "أما لهذا التخلف من نهاية؟". وفي المقال، كما ترون في الأسفل، ينتقد البغدادي سعي وزارة التربية الكويتية إلى زيادة حصص التربية الإسلامية والقرآن والتجويد على حساب بعض المواد الأخرى كالموسيقى والنشاط، وذلك في المدارس الخاصة ذات المناهج العربية والأجنبية.



وبعد نشر المقال تعرض البغدادي لحملة قوية واجه خلالها سيلا عارما من الانتقادات. وقد أفضت تلك الحملة إلى تعرضه للمحاكمة بتهمة ازدراء الدين، وحكم عليه بالسجن الذي خرج منه بعفو أميري. ولقد كان الهجوم الذي تعرض البغدادي في مجمله سطحيا لم يتطرق إلا إلى مسألة تفضيل البغدادي للموسيقى على القرآن والتجويد وللغات الأجنبية على اللغة العربية.

ولكننا إذا نظرنا بعين الناقد المتعمق إلى ما كتبه البغدادي من أفكار يرددها ويقتنع بها في كثير من الأحيان عدد لا يستهان به من الكتاب والمثقفين والعامة لوجدنا التالي:

١- يعتقد البغدادي والكثيرون غيره أن دروس التربية الإسلامية واللغة العربية مجرد أداة لإبقاء النشء داخل حظيرة الدين الإسلامي، وتلك نظرة قاصرة. فالإسلام كما هو دين غالبية العرب فإنه جزء أصيل من ثقافتهم التي ساهم في تشكيلها على مدى قرون طويلة. وعليه فإن أحد أهداف ما يسميه البغدادي تخلفا هو محاولة لربط طلاب المدارس الأهلية، وخصوصا ممن يدرسون في المدارس ذات المناهج الأجنبية، بمجتمعهم وواقعهم وثقافتهم وليس الهدف منه تخريج أئمة أو مقرئين في سرادق الموتى بالضرورة.

٢- إن القاريء لمقال البغدادي لا يسعه إلا أن يستنتج أنه يدعو للهروب من المشاكل بدلا من مواجهتها وحلها أو على الأقل التنبيه إليها. وهذا الهروب من المشاكل عادة سيئة فينا. وقد نعذر بعض المستضعفين ومن لاحيلة لهم إن هم خافوا من مواجهة المشاكل. أما البغدادي فهو بالإضافة إلى كونه صحفيا فإنه كان محاضرا في جامعة الكويت بقسم العلوم السياسية. فإذا كانت المدارس الحكومية فاشلة ومناهجها متخلفة، وقد تكون كذلك بالفعل، فإن الأحرى بالبغدادي أن يسهم في إصلاح الخلل الموجود بها بدلا من الهروب منها على طريقة الخلاص الفردي، وذلك لأن هامش المقاومة والنقد لديه ولدى أقرانه من صفوة المجتمع أكبر من القدرة على مجابهة المشاكل التي تتوفر لباقي أفراد الشعب.

٣- إذا سلمنا أن البغدادي والمدافعين عن التعليم الأجنبي أحرار في اختياراتهم على طريقة لكم دينكم ولي دين، فإننا لا يمكن أن نسلم أن تلك الفئة المتغربة ليس لها تأثير على المجتمع، شئنا أم أبينا، فالكل يعيشون في وطن واحد بحيث يصبح تأثر الأفراد بعضهم ببعض أمرا يكاد يكون حتميا. ووجود طبقة ليس لديها انتماء كاف إلى المجتمع الذي تعيش فيه، وإن كان متخلفا، يخلق لها ولباقي أفراد المجتمع مشاكل عديدة تتجاوز الجوانب الاجتماعية والثقافية إلى الجوانب الاقتصادية وحتى الأمنية، خصوصا أن تلك الفئة عادة ما تكون من النخبة، والنخبة لها من الأثر العظيم على المجتمع ما لا يمكن إغفاله. وهذا الانفصام يؤدي إلى ظهور نوع من الطبقية التي يصعب محاربتها بسبب تجذر بعض القيم الأجنبية في نفوس العديد من أفراد النخبة منذ الصغر.

والخلاصة أن مشكلة تخلف التعليم لدينا التي ذكرها البغدادي أمر يصعب إنكاره، ولكن محاولة حلها على الطريقة البغدادية يؤدي إلى مشاكل أخرى قد لا تظهر آثارها، التي قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، على المجتمع إلا بعد سنين عديدة. عندها تكون عقول أبناء النخبة قد صارت في واد محاط بالورود المستوردة و عقول باقي أفراد الشعب في واد آخر. وعندها سيعرف دعاة الانسلاخ أهمية أن يعيش المرء واقعه بحلوه ومره بدلا من استيراد الحلول الكارثية.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

عن إسلام مايكل وإخوانه

عندما توفي المغني الأمريكي مايكل جاكسون في شهر يونيو الماضي عادت قصة إسلامه تطفو على السطح من جديد، وبدأ الكثيرون من العرب ينسجون من الحكايات ما يحاولون به أن يثبتوا أن الرجل مات مسلما. كما بدئوا يتناقشون حول مسألة دفنه وهل سيدفن مع المسلمين أم مع النصارى، ومسألة هل يجوز لأهله أن يرثوا ماله أم لا. لا بل ذهب البعض إلى الادعاء أن مايكل كان بصدد تقديم أغنية جديدة في حفلة لندن التي كان ينوي إحيائها، وأن تلك الأغنية كانت ستثبت للعالم بأسره أنه مسلم.

وحتى يومنا هذا ما زال البعض يروي بزهو قصة إسلام المغني البريطاني يوسف إسلام، والذي أسلم قبل أكثر من ثلاثين عاما. وقبل عدة أشهر شغلتنا بعض الصحف بخبر إسلام بروفيسور فرنسي سمى نفسه شريف دارينيز، وذلك خلال حضوره مؤتمرا في مدينة الرياض عاصمة السعودية. و لقد قامت الدنيا ولم تقعد فرحا بإسلامه. وما زالت بعض الكتب تروي لنا قصص إسلام المفكر الفرنسي روجيه غارودي والدبلوماسي الألماني مراد هوفمان. لا بل وصل ذلك الهوس إلى لاعبي كرة القدم أمثال هنري وريبري وأنيلكا، وهي أسماء يعرفها عدد لا بأس به من العرب.

إن القاسم المشترك بين كل تلك الشخصيات أنهم غربيون، ولذا يطيب للعديد منا أن يتحدث بنشوة عن قصص إسلامهم. فالاستلاب الثقافي وصل بنا إلى درجة أننا نفرح بصورة طفولية لإسلام أحد الغربين، بينما قد يسلم جمع غفير من الأفارقة أو الهنود أو الفلبنيين دون أن تتحفنا وسائل إعلامنا بقصص إسلامهم. وهذا ليس نفاقا فحسب، وإنما محاولة يائسة منا بأن نقنع أنفسنا أن انتشار الإسلام في الغرب يمثل انتصارا لنا.

وقد يظن البعض أن إسلام بعض الأفراد في أوروبا وأمريكا الشمالية ليس إلا بداية لانتشار الدين الحنيف بين سكان تلك المناطق. ولكن هذا أمر يصعب حصوله، وذلك لأن التاريخ وقصص الأنبياء أثبتوا أن الأقوياء عادة ما يحجمون عن قبول أي دين جديد يمكن أن يغير من وضعهم الآني المتميز.

ولكن ماذا لو أسلم الغرب عن بكرة أبيه؟ هل سيغير ذلك من أوضاعنا المزرية نحن العرب شيئا؟

الإجابة يصعب أن تكون إلا بالنفي، فإن أقصى ما يمكن حدوثه هو أن يكف الغرب عنا شره، وأن يتكرم علينا ببعض المساعدات الاقتصادية. ولكن ذلك لن يحل مشاكلنا بصورة جذرية، وذلك لسبب بسيط ومعروف، وهو أن مشاكلنا ناتجة عن ضعفنا وتقصيرنا نحن بصورة أساسية.

ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا أن هذه دعوة إلى انتكاسة أو عودة إلى فكر القومية العربية المضللة التي سادت الخمسينات والستينات من القرن الماضي والتي أغفلت دور الدين الحيوي في النهضة. ولكن كما روي في الحديث الشريف، فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين، ولم يدع، على حد علمي، أن يعزه بكسرى أوهرقل، بالرغم من أن الأخيرين كانا أقوى بكثير من عمر ابن الخطاب وأبي جهل، فالدعوة يجب أن تنجح على الصعيد المحلي قبل أن تنتشر في الخارج.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن فكرنا وجهودنا وإخلاصنا هو جوهر نهضتنا وتقدمنا. أما إسلام أسماء كفلادمير وهلموت وفرانسوا وجون قد يعز الإسلام وقد ينفع الغرب، ولكنه لن يعود علينا بالنفع الكثير ولن يحقق لنا نهضتنا المنشودة. فكفانا إذا استلابا ولهثا وراء أسلمة الغرب، ولندع الاتكالية جانبا ونضع مجتمعاتنا صوب أعيننا، على الأقل من باب أولى لك فأولى.

الخميس، 17 سبتمبر 2009

من تعلم لغة قوم: أمن مكرهم أم أمنوا مكره؟

قرأت منذ أسبوعين مقالا نقديا على موقع الجزيرة بعنوان الحديث ضعيف والأمة ضعيفة ناقش فيه الكاتب ظاهرة استخدام أحاديث ونصوص لم تثبت صحتها من أجل فرض بعض القيم السلبية على مجتمعاتنا وذلك لإقناعنا بأن الأمور محسومة وأن ما باليد حيلة. واستشهد كاتب المقال بحديث: "كما تكونوا يولى عليكم"، وذكر أوجه ضعفه من ناحية السند والمتن وكيف أنه يخالف أحاديث صحيحة مثل حديث كلمة حق عند سلطان جائر وحديث تغيير المنكر، ناهيك عن أنه يخالف التاريخ والواقع. (الرجاء قراءة المقال للفهم والاستزادة).

وبعد أن قرأت المقال بأسبوع عثرت خلال بحث عن مقالات تتعلق بتعلم اللغات على معلومة تصحيحية أخرى، ومفادها أن حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" ليس ضعيفا، وإنما لا أصل له من الأساس حسب ما ذكره الإمام الألباني وحسب ما أكده الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة. والمعلوم أن الكثيرين يتشهدون بهذا الحديث عندما يؤكدون أهمية تعلم لغات كالإنجليزية والفرنسية وحتى عندما يدافعون عن التدريس بتلك اللغات في جامعاتنا بدلا من التدريس بالعربية. وهم إذ يقومون بذلك فإنهم يرمون إلى غلق باب النقاش محتجين بذلك الحديث الموضوع.

لست من هواة التشكيك بكل الأحاديث، ليس فقط لأنني لست من علماء الحديث ولا أفقه شيئا يذكر عن كيفية تحقيق الأحاديث، وإنما لأني أعلم أن العديد من ذوي النوايا السيئة والمضللين يتخذون من التشكيك بحديث ضعيف أو موضوع حجة للبدء بالتشكيك بكل الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، وهذا مما لا ينبغي لأنه منهج التغريبيين واللبراليين والعلمانيين والانهزاميين وساء أولئك رفيقا.

وإذا عدنا إلى محور هذا المقال لوجدنا أن مقولة "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" مغلوطة، أو على الأقل منقوصة كما سنرى لاحقا، ليس فقط لكونها ليست بحديث، وإنما لأنها لا يمكن أن تفسر ظاهرة حرص العديد من الدول المتقدمة على نشر لغاتها في أنحاء العالم. فهل تحرص دول مثل أمريكا وفرنسا وغيرها على فرض لغاتها على الدول الأخرى حتى تأمن تلك الدول شرها؟ أم حتى تأمن أمريكا وفرنسا مكر تلك الدول؟ وهل يعد مركز مثل المجلس الثقافي البريطاني مجرد معهد لتعليم اللغة الإنجليزية نحج إليه حتى نتعلم الإنجليزية فنأمن مكر الإنجليز؟ أم أنه أداة للترويج للثقافة البريطانية وتحبيبها إلى نفوسنا كما يوحي اسمه بذلك؟

إن ما تقوم به العديد من الدول القوية في عصرنا هذا من نشر للغاتها ليس سوى أحد أوجه استخدامها لما بات يعرف بالقوة الناعمة، وهي ضرب من الإغواء بالثقافة تهدف من خلاله تلك الدول لأن تأمن مكرنا وتروضنا حتى نسلم بحتمية سيادتها علينا وعلى غيرنا دون الحاجة إلى تجييش الجيوش وإطلاق الصواريخ من قبل تلك الدول. فأحيانا يكون قصف العقول أنجع وأقل تكلفة من تدمير البلدان واحتلالها. (راجع هذا التقرير عن مفهوم القوة الناعمة وراجع الصفحات رقم ٦٤ و ٦٥ و ٦٦ للتعرف باختصار على دور اللغة الإنجليزية كقوة ناعمة في الدول العربية).

وقد يحتار القاريء هنا متسائلا: هل يعني ما ذكرته أعلاه أن مجرد تعلمي للغة كالإنجليزية سوف يغير من مفاهيمي ويجعلني تابعا لماما أمريكا؟

الإجابة تكمن في إدراك أن الأعمال بالنيات، فمن كان يريد تعلم لغة قوم ليأمن مكرهم كان له ما أراد حتى وإن كان حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" لا أصل له. ومن كان ينوي تعلم لغة قوم ليضر بها قومه بصورة مباشرة أو غير مباشرة وليغوص في وحل العمالة حصل على مراده. ومن تعلم لغة قوم طلبا لعلم نافع لديهم فلا تثريب عليه. ومن تعلم لغة قوم رغبة في الهجرة إلى بلادهم فهجرته إلى ما هاجر إليه. ومن تعلم لغة قوم ليستعلي بها على قومه ويوهم ذاته بتقدمه وتحضره كان له من التمايز والتقدم الزائفين ما أراد.

والخلاصة أن السؤال الذي عنونت به هذا المقال يحتمل أكثر من إجابة حسب مراد كل منا. ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا جنينا من وراء تعلمنا للغات الآخرين؟ هل أمنا مكرهم؟ أم أن قوتهم الناعمة تدمرنا من حيث لا ندري؟

فكر مليا عزيزي القاريء قبل الإجابة.

الأحد، 30 أغسطس 2009

بأية لغة نقرأ؟

ناقشني في إحدى المرات أحد الأصدقاء في المقالات التي أكتبها في مدونتي هذه قائلا أنني انتقد في الكثير منها دور اللغات الأجنبية في عالمنا العربي وفي نفس الوقت استفيد من تلك اللغات في مقالاتي عن طريق الاستشهاد بمواد مكتوبة بها. وعلى سبيل المثال فإن مقالي السابق يحتوي على عدة روابط لمواد منشورة على الانترنت اثنان منها باللغة الإنجليزية. فهل ما أقوم به يمكن أن يصنف تحت بند "يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم"؟

أود أن أؤكد أولا أنني لست ضد اللغات الأجنبية وإنما ضد سوء استخدامها في مجتمعاتنا العربية بحجج واهية كالعولمة ومواكبة العصر والانفتاح. إذ أن هناك فرق بين استخدام اللغات الأجنبية للاستفادة من علوم الآخرين وبين تسليط تلك اللغات على ألسنة العباد وثقافاتهم بل وحتى أرزاقهم. وإذا نظرنا إلى المجال الأكاديمي لوجدنا أنه ليس هناك ضير من القراءة باللغات الأجنبية والإفادة من العلوم المكتوبة بغير لغتنا، وذلك شريطة أن يكون للقاريء عقلا يقظا يستطيع أن يميز به الغث من السمين وألا يكون شديد الانبهار بعلوم الآخرين وإنجازاتهم.

كما يجب لمناهج تعليم اللغات الأجنبية، على الأقل في الجامعات، أن تركز على مهارتي القراءة والاستماع أكثر من التركيز على مهارتي التحدث والكتابة باللغات الأجنبية، وذلك لأن النهل من معارف الآخرين يقتضي قراءة علومهم وربما الاستماع إلى محاضراتهم أكثر من التحدث والكتابة بلغاتهم. وكما يذكر بروس شيرود فإنه ليس شرطا للأكاديميين أن يتحدثوا أو يكتبوا بلغة أجنبية ما ليقرؤا بها أو حتى ليترجموا منها إلى لغتهم الأم. (راجع هذا المقال لمزيد من التفصيل).

أما أن يجلس طلاب عرب أمام محاضر عربي في جامعة عربية تمولها حكومة عربية على أرض عربية ويتخاطب المحاضر مع طلابه بلغة أجنبية كثيرا ما تكون مكسرة، بل قل مهشمة، ومخلوطة بالعربية على نحو تهجيني عجيب، فإن هذا أمر يصعب قبوله وإن ساق المدافعون عنه من الحجج ما ساقوا.

والعارف بحال أمتنا العربية يتعجب من ذلك الاهتمام الشديد باللغات الأجنبية، وكأننا نعشق القراءة والعلم لدرجة أن ما هو متوفر بين أيدينا باللغة العربية لا يكفينا. (راجع هذا الخبر عن قرار المركز الثقافي البريطاني إغلاق مكتبته بالقاهرة لضعف الإقبال عليها). وهنا اختتم هذا المقال بما ذكره الدكتور محمد هيثم الخياط في مقال نشر في العدد الثالث عشر من مجلة تعريب الطب بعنوان "التعريب: حديث مستطرد"، والذي يقول فيه:

كم من الأطباء الخريجين يتابع العلم بعد تخرجه في مجلة أجنبية؟ نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال بيقين, بناء على المعطيات المتوافرة لدينا في منظمة الصحة العالمية, فنقول إن نسبتهم المئوية لاتتعدى خمساً في المئة في أحسن الظروف. ثم يقولون لنا إننا نعلم الطالب بالإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية حتى يستطيع متابعة الركب العلمي بعد تخرجه... فأي ركب هذا؟

الاثنين، 17 أغسطس 2009

جامعاتنا والتصانيف العالمية

منذ أن بدأت التصنيفات العالمية للجامعات بالصدور قبل عدة سنوات والكثير من التربويين العرب يندبون حظهم لعدم ظهور أسماء الجامعات العربية بين أسماء مثل هارفرد وأكسفورد، وكأننا قد اكتشفنا فجأة أن التعليم الجامعي في بلداننا قد انحدر مستواه بشكل مريع. وقد نتج عن ذلك تعالي العديد من الأصوات من قبل المسؤولين وغيرهم مطالبة برفع مستوى جامعاتنا علها تتمكن من دخول تلك التصنيفات ولو ضمن قائمة أفضل خمسمائة جامعة في العالم.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إذا ما كانت المعايير التي تصنف على أساسها الجامعات حول العالم هي ذات المعايير التي يجب تبنيها للحكم على مدى تلبية جامعاتنا لاحتياجاتنا التنموية المحلية. وللإيضاح دعونا ننظر في النقاط التالية:

١- إذا دققنا النظر في معايير تصنيف شانغهاي الشهير مثلا لوجدنا أنها متحيزة لمصلحة العلوم الطبيعية. فعشرون بالمائة من الدرجة المعطاة لكل جامعة مخصصة لمعرفة مدى نجاح هيئة أعضاء التدريس بجامعة ما في نشر أبحاثهم في مجلتي "ساينس" الأمريكية و"نيتشر" البريطانية. وكلتا المجلتين تنشران أبحاثا في العلوم الطبيعية بصورة أساسية. ولكن كما نعرف فإن نهضة الأمم المتأخرة مثلنا تعتمد بشكل رئيسي على الأفكار التي تنبع من علوم الدين والعلوم الاجتماعية والإنسانية. أما حذق العلوم الطبيعية فإنه عادة ما يتم في مرحلة متقدمة من الحضارة تحل بعد النهضة وليس قبلها. ولست أدعو هنا لإهمال العلوم الطبيعية في بلداننا، ولكنني أعتقد أنها لا يجب أن تعطى الأولوية القصوى كسبيل للنهضة والتقدم.

٢- تعتبر البحوث العلمية المنشورة في المجلات العلمية ومدى استشهاد الآخرين بها من أهم المعايير التي تصنف حسبها الجامعات، ولكن المشكلة التي تواجه العديد من الجامعات الموجودة في الدول الغير ناطقة بالإنجليزية هي أن القائمين على تصنيف الجامعات يرفعون إلى درجة العالمية ما هو منشور بالإنجليزية ويتجاهلون ما سواه بغض النظر عن جودته. وإذا ما نظرنا إلى أغلب التصانيف نجد أن الجامعات الأمريكية والبريطانية تسيطر على المراكز الأولى فيها، وقد يكون هذا أمرا مفهوما بالنسبة لأمريكا كمركز ضخم للعلوم، ولكن وجود إحدى عشر جامعة بريطانية مقابل ست جامعات ألمانية وثلاث فرنسية في تصنيف شانغهاي الأخير أمر يتطلب مناقشة دور اللغة في تضخيم دور جامعات الدول الناطقة بالإنجليزية.

٣- تركز أهم التصنيفات العالمية للجامعات على البحث العلمي الذي يقوم به أعضاء هيئة التدريس في كل جامعة، مما يجعل التصنيف متحيزا لصالح الجامعات البحثية على حساب الجامعات التي تركز على التدريس. وإذا نظرنا إلى بلد مثل فرنسا فإننا نجد أن كمية لا يستهان بها من البحوث يتم القيام بها في مراكز البحث وليس في الجامعات كما هو مذكور في هذه الدراسة (صفحة ٣٤). فهل هذا يعني أن التعليم الجامعي في فرنسا ليس جيدا؟

وإذا عدنا إلى جامعاتنا العربية فإننا نجد الكثير منها في وضع مزر بغض النظر عن توفر المال من عدمه، مما لا يؤهلها لاحتلال مراكز متقدمة في أي تصنيف سواء كانت معاييره تراعي الفروقات بين الدول أم لا. وبالتالي فإني هنا لست بصدد تقديم الأعذار لتأخر جامعاتنا وتدني مستواها، ولكن من المهم أن ندرك أن دور جامعتنا ودور العلم بصورة عامة في بلداننا يجب أن يتركز حول خدمة مجتمعاتنا قبل استيفاء شروط التصنيفات كما يحاول البعض أن يفعل.

الخميس، 30 يوليو 2009

لماذا أنزل القرآن باللغة العربية؟




عثرت خلال بحث على اليوتوب عن مواد تتعلق باللغة العربية على المقطع الموجود أعلاه والذي يتحدث فيه الأستاذ زيد قاسم غزاوي عن الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة العربية. وتتلخص هذه الحكمة في رأي الأستاذ زيد في كون أن القرآن إذا أنزل بلغة أخرى غير العربية لما استطاع أن يحوي ما فيه من معان ودروس على نفس مستوى القرآن العربي. ويضيف الأستاذ زيد أن القرآن الكريم إذا أنزل بلغة أخرى كالإنجليزية لاستلزم ذلك أن يكون القرآن أكبر من حجمه الحالي حتى يؤدي غرضه، وذلك بسبب أنه لا توجد لغة تضاهي العربية في الإيجاز والفصاحة والبيان.

إن المتمعن في كلام الأستاذ زيد لا يسعه إلا أن يستنتج أن الإعجاز اللغوي الكائن في القرآن يرجع لكونه نزل بالعربية، وهذا أمر ليس بصحيح، وذلك لسبب بسيط وهو أن جميع أوجه الإعجاز في القرآن الكريم تعود لكونه منزلا من عند الله لا من عند بني البشر. فالعرب على فصاحتهم لم يتمكنوا من أن يأتوا بكتاب يقترب من فصاحة القرآن وقوة لغته، فما جاء من عند الله لا يمكن أن يساوي ما عند البشر.

وبالتالي فإننا لا يمكننا أن نجعل من تميز العربية على غيرها من اللغات سببا في إنزال القرآن بها. أضف إلى ذلك أن ما قاله الأستاذ زيد عن أن القرآن الكريم لو نزل بالإنجليزية لكان أكبر من حجمه الحالي ليس بحجة يعتد بها، وذلك لذات السبب المذكور أعلاه وهو أن القرآن إعجاز إلهي، والله سبحانه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فإذا أراد الله أن ينزل القرآن بأية لغة وبأي حجم وبأي مستوى من الفصاحة والبيان لاستطاع ذلك، كيف لا وهو القادر على كل شيء. ولكنه جل جلاله أنزله بالعربية لكون الرسالة بدأت على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عز وجل في بادئ الأمر بين قومه من العرب ثم عمت دعوته العديد من الأقطار الغير عربية في حياته وبعد وفاته. فكيف للقرآن أن ينزل بلغة لا يفهمها أول قوم دعوا إلى الإسلام؟

ولذا فإن علينا أن ندرك أن القرآن الكريم هو من ارتقى باللغة العربية وليس العكس. فالعرب على براعتهم في استخدام لغتهم ذهلوا من لغة القرآن، وذلك لأنه كلام الله الذي لا يمكن أن يضاهيه كلام البشر سواء كان بالعربية أو بغيرها من اللغات قديمها وحديثها.

الجمعة، 17 يوليو 2009

خطورة التبعية على تقدم العلم: تكملة

تحدثت في المقال السابق عن كيف أن التبعية لثقافة بعينها تجبرنا على الدوران في مسار محدد بحيث لا ترى أعيننا من العلوم سوى ما يصدر من تلك الثقافة، مما يضيع علينا فرصة الاستفادة من علوم الثقافات الأخرى وحتى من علومنا. ولكني أريد اليوم الحديث وباختصار عن خطورة التبعية من حيث التضليل الذي يمكن أن تمارسه الثقافة المتبَعة على الثقافة التابعة.

وعلى سبيل المثال فإن الدكتور ريتشارد دول الذي ذكرته في الأسبوع الماضي اتضح بعد وفاته أنه كان يعمل مستشارا لبعض الشركات التي تصنع منتجات كيميائية أشار العديد من العلماء بأنها تضر بالصحة، بينما كان دول يصر على أن تلك المنتجات ليست ذات ضرر بالصحة. وقد صدقه فيما قال الكثيرون ولم يشكك أحد في مصداقيته، كيف لا وهو الرجل الذي ينسب إليه أنه أول من أثبت أن هناك علاقة سببية بين التدخين والسرطان. ولم يكشف المستور إلا بعد أن توفي الرجل وعرف من سجلاته ورسائله أنه كان يعمل مستشارا بأجر لدى الشركات التي كان يدافع عن منتجاتها. فكيف نسلم بصدق كل ما قاله رجل في ذمته قدح؟

وإذا عدنا إلى مسألة التبعية فإنه يجب علينا أن نعي أن التبعية لثقافة بعينها لا تكون في العلم فقط، بل يلزم التبعية للغير انبهارا شديدا بنموذج حياة الآخر وإنتاجه الأدبي والفني بالإضافة إلى التسليم بصحة ما لديه من علم. وحتى يتم كل هذا فإن من الضروري وجود العديد من الهيئات التي تروج لتفوق الدول المتبعة كالمراكز الثقافية ودورات تعليم اللغة والبرامج التلفزيونية. وهذا ما أصبح يسميه البعض في يومنا هذا القوة الناعمة، وهي قوة إغرائية تهيأ شعبا أو أمة ما للانقياد لدولة أو ثقافة معينة دون استخدام الصواريخ والقنابل.

والانبهار بالآخر والإيمان شبه المطلق بعصمته واستحالة التفوق عليه بوعي أو بدون وعي داء قد يصيب الكثير من أفراد أي مجتمع، من كبيرهم وحتى صغيرهم. وخير دليل على ذلك محاولة السادات غزو ليبيا للاستيلاء على نفطها عام ١٩٧٧، وذلك بإيعاز من إسرائيل، إذ ظن السادات أن أمريكا بصفتها حليفة إسرائيل سوف تبارك أو تغض الطرف عن هجومه على ليبيا، وهو ما لم يتم، إذ صدم السادات من ردة فعل أمريكا التي كان يؤمن بها إيمانا عميقا لدرجة أنه طلب منها أن تتكفل بأمنه الشخصي حسب ما ذكره حسن يوسف الشريف نقلا عن هيكل.

وختاما فإن التبعية للغير سواء كانت تسبب في تضييق الأفق كما تبين في المقال السابق أو في تضليل العقول وتغييبها كما رأينا في هذا المقال، فإن عواقبها وخيمة جدا على مجتمعاتنا، حتى وإن لم يتضح ذلك على المدى القصير. ولا يعقل أن يكون التقدم من السهولة بمكان بحيث يتم عن طريق اتباع الآخرين وأخذ علومهم ومعارفهم دون أن يكون لذلك ثمن باهظ يتحتم علينا دفعه. وقد قيل قديما: ما حك جلدك مثل ظفرك، فتول أنت جميع أمرك.

الخميس، 9 يوليو 2009

خطورة التبعية على تقدم العلم

١- في عام ٢٠٠٥ منح الدكتور ريتشارد دول مناصفة مع الدكتور ريتشارد بيتو جائزة الملك فيصل العالمية في الطب تقديرا لأبحاثها عن الأمراض التي يسببها التدخين. وحسب اللجنة المانحة فإن الرجلين كانا "أول من أثبت بشكل قاطع وجود صلة وثيقة بين التدخين وأمراض الأوعية الدموية والسرطان وغيرها، كما كانت بحوثهما حافزاً للعديد من الدراسات الأخرى بما فيها استخدام الأحياء الجزيئية لإثبات العلاقة السببية بين التدخين والسرطان".

والحق يقال أن الرجلين قاما بالعديد من الأبحاث عن الآثار السلبية للتدخين على الصحة، ولكنهما لم يكونا أول من أثبت أن للتدخين ضررا على الصحة، إذ أن الأطباء الألمان أثبتوا في العهد النازي العلاقة بين التدخين وأمراض كالسرطان وغيره. بينما لم يبدأ ريتشارد دول أبحاثه إلا مع بداية الخمسينات.

٢- إذا سألت أي شخص عن نشأة الإنترنت فإنه سوف يخبرك أنه نشأ في أمريكا. وهذا صحيح، ولكن ما لا يعرفه يعرفه الكثيرون، حتى بعض المتخصصين في علوم الحاسوب، أن الصيغ الأساسية، أو البرتوكولات، التي بني على أساسها الإنترنت بشكله الحالي صممت في فرنسا تحت قيادة عالم يسمى لويس بوزان. وقد تلقف هذه الصيغ عالمان أمريكيان وهما روبرت كان وفنت سرف وطوراها حتى نشأ الإنترنت وأصبح فنت سيرف يعرف بأبي الإنترنت. أما بوزان فأصبح إسما قلما يسمع به حتى طلاب علوم الحاسوب. وإذا راجعت موسوعة ويكيبيديا فإنك تجد السيرة الذاتية لسيرف متوفرة في أربع وعشرين لغة، بينما سيرة بوزان متوفرة في ثلاث لغات فقط.


ولست هنا بصدد أن أبخس الأمريكان أو البريطانيين حقهم أو أن أدافع عن الألمان أو الفرنسيين، ولكني أريد أن أنبه إلى أن التبعية للثقافة الأنجلوساكسونية تجعلنا ندور في فلكها حتى لا نرى العالم إلى بعيون أنجلوأمريكية. ولست هنا أتهم الأمريكان أو البريطانيين بالسطو على أعمال غيرهم، فالدكتور دول أشار في أبحاثه إلى جهود الألمان، وروبرت كان وفنت سرف اعترفا بفضل بوزان. ولكن ما اشتهر أن دول كان أول من أثبت ضرر التدخين على الصحة وأن سيرف هو أبو الإنترنت. والناس يتذكرون ما اشتهر وشاع حتى وإن كان جزئا من الحقيقة لا الحقيقة كلها.

ولذلك يتوجب علينا أن نعي أن التبعية لثقافة بعينها تؤدي إلى أن ما يصلنا عن العلم وعن مصادره يمر بفلتر تلك الثقافة التي نتبعها، مما يعيق تقدم العلم لدينا. وإلا فكيف نفسر منح ريتشارد دول جائزة توصف بالعالمية دون التحقق من مسألة أول من أثبت علاقة التدخين بأمراض خطيرة كالسرطان، وذلك بالرغم من توفر المعلومة التي غابت عن اللجنة المانحة للجائزة باللغة الإنجليزية التي كثيرا ما ندور في فلك الثقافة الحاملة لها (راجع كتاب روبرت بروكتر عن محاربة التدخين في ألمانيا النازية والذي صدر عام ١٩٩٩، أي قبل ستة أعوام من منح دول الجائزة).

٣- إذا سألت أي مثقف عن أول من تحدث عن صراع الحضارات لقال لك أنه صامويل هنتنجتون، وهذا هو السائد والشائع في العالم وحتى بين العرب بالرغم أن المفكر المغربي المهدي المنجرة كان أول من تحدث عن الموضوع في كتابه الحرب الحضارية الأولى، وبالرغم أن هنتنجتون ذكر في كتابه كتاب المنجرة عن صراع الحضارات. فهل يجب للمعرفة أن تكتب في هارفارد حتى تصبح ذات قيمة؟

والقضية هنا لست سباقا أو لهثا وراء شرف أو لقب من قبيل أننا أول من اخترع كذا وكذا، ولكن كتاب المنجرة يختلف من حيث الطرح عن كتاب هنتنجتون، فلكل منهجه في معالجة الموضوع. فالمنجرة يركز على أهمية الحوار في الحد من صراع الحضارات، بينما يرى هنتنجتون أن الثقافات الغير غربية سوف تكون مصدر صراع الحضارات. فلماذا ندور في فلك من يرى أننا أحد الأسباب الرئيسية لصراع لا مفر منه ولا نلقي بالا لكتاب المنجرة الذي يقدم أطروحات مختلفة؟

وفي الختام فإنه ينبغي أن نعلم أن التبعية للغرب أو لجزء منه كأمريكا تعيق نهضتنا العلمية وتحجب أبصارنا عن علوم الثقافات الأخرى وحتى عن علومنا كما رأينا في حالة المنجرة. والسبب في هذا ليس فقط الاستعمار الفكري الذي يمارسه ضدنا الغير، وإنما أيضا تبجيلنا للآخرين وانقيادنا لهم، وهو ما سماه مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة القابلية للاستعمار. فالداء فينا قبل أن يكون في الغير، فهل نعي ذلك؟