السبت، 30 يونيو 2012

خلدونيات لغوية: بين الفصحى واللهجات

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
___________________________________________________


تعد سيطرة اللهجات العامية على ألسنة الكثير من أبناء العربية أحد المشاكل التي تواجهنا منذ زمن بعيد، إذ يصعب أن نجد من هو قادر على النطق بعربية سليمة دون أخطاء، وذلك حتى بين من الحاصلين على الشهادات الجامعية وبين من يشغلون مناصب عليا في بلادنا.

وبما أن ابن خلدون عاش في القرن الثامن الهجري حيث كان الفرق بين الفصحى والعاميات واضحا جليا، فإن لنا أن نتسائل: كيف عالج ابن خلدون هذا الموضوع؟

أولا، قبل أن نسترسل في الحديث عن ما قاله ابن خلدون عن اللهجات الدارجة في عصره والتي قسمها إلى قسمين، أولهما اللهجة البدوية، وثانيهما لهجات الحضر التي قسمها إلى لهجة المشرق ولهجة المغرب ولهجة الأندلس، فإن من اللافت للنظر أن صاحب المقدمة أوضح أن اختلاف اللهجات العامية عن الفصحى لا يعني أن ليس لها قواعد، فكما أن للفصحى قواعد فإن للهجات الدارجة قواعدها وإن لم تدون. ولذلك يقول ابن خلدون أننا "لعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد"، أي أننا لو درسنا اللهجات الدراجة في زمنه، "واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها. ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر"، أي في العربية الفصحى، "فليست اللغات و ملكاتها مجانا"، أي أن لكل لهجة نظام وقوانين وقواعد وإن لم تستنبط. ولذلك يؤكد ابن خلدون في موضع آخر أن كل متحدث من متحدثي اللهجات الدارجة "متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه. وهذا معنى اللسان واللغة. وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم".

وإذا عدنا إلى تقسيم ابن خلدون للهجات العامية في عصره نرى أن ذلك التقسيم لم يكن على أساس جغرافي فقط، وإنما على أساس لغوي أيضا، حيث ذكر ابن خلدون أن عربية البدو في عصره كانت قريبة من الفصحى، فهي من ناحية "بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيين الفاعل من المفعول فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد".

ومعنى هذا الكلام أن الفرق بين الفصحى وعامية البدو في عصر ابن خلدون هو أن الأخيرة فقدت حركات الإعراب كالفتحة والضمة وانتشر فيها تسكين أوخر الكلمات، مما أدى إلى استخدام سبل أخرى لتحديد الفاعل والمفعول مثل تقديم الفاعل على الفعل بعكس الفصحى التي يتقدم فيها الفعل على الفاعل. وللتوضيح نضرب المثال التالي:

في الفصحى:  قتلَ البطلُ الأسدَ.

في العامية: البطلْ قتل الأسدْ.

نجد في المثال الأول أن حركات الإعراب هي التي تحدد القاتل من المقتول، إذ يسعنا أن نقدم المفعول به لنقول "قتلَ الأسدَ البطلٌ" دون أن يتغير المعنى، لأن حركات الإعراب هي التي تبين الفاعل والمفعول بغض النظر عن موقعهما في الجملة.

أما في الجملة العامية فإننا نجد أن تغيير موضع الأسماء بالبدء بالأسد بدلا عن البطل يغير معنى الجملة، إذ يصبح الأسد فاعلا والبطل مفعولا به، وذلك لأن فقدان حركات الإعراب وتسكين أواخر الكلمات يجعلان من العسير تعيين الفاعل من المفعول، ولذلك يبدأ متحدثو العامية بالفاعل حتى لا يختلط المعنى على المستمع، وهذا ماعناه ابن خلدون بالتقديم والتأخير، وهما سمة من سمات لهجاتنا المعاصرة أيضا.

وبالطبع فإن معنى الجملة يفهم اعتمادا على ما ذكر قبلها وبعدها، فجملة مثل المذكورة أعلاه لا تقال دون تمهيد أو معرفة بما سبق الحدث، إذ غالبا ما يكون عند المستمع فكرة عما يسميه ابن خلدون "بساط الحال"، وهو ما يعرف اليوم بالسياق.

ولا يعني تأكيد ابن خلدون على أن الفروق بين الفصحى ولهجة البدو في عصره لم تكن كبيرة جدا أنهما يكادان يتطابقان، إذ أنه بالإضافة إلى تميز الفصحى باحتفاظها بحركات الإعراب فإن البيان والبلاغة فيها " أكثر وأعرق" كما يستدرك ابن خلدون.

أما بالنسبة للهجات الحضر فقد قسمها ابن خلدون كما  ذكرنا إلى ثلاث لهجات رئيسة، وهي لهجة الأندلس ولهجة المغرب ولهجة المشرق. كما بين ابن خلدون أن هذه اللهجات تختلف عن بعضها، كما أنها تختلف اختلافا كبيرا عن الفصحى وعن دارجة البدو، وهي أبعد من الفصحى من دارجة البدو، والسبب في ذلك أن أهل الحضر اختلطوا بغير العرب اختلاطا كثيفا، ومن "خالط العجم أكثر كانت لغته عن اللسان العربي أبعد".

ومن مظاهر هذا الاختلاف أن لهجات الحضر لم تفقد حركات الإعراب في أواخر الكلمات فقط، وإنما اشتملت أيضا على كلمات موجودة في الفصحى ولكن بمعنى مغاير، ولذا يذكر ابن خلدون أن تلك اللهجات "تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب وكذا أهل الأندلس عنهما".

ولهذا السبب اعتبر ابن خلدون أن عربية الحضر أبعد من الفصحى من عربية البدو، إذ اختلفت عن الفصحى في إعراب الكلمات وفي مصطلحاتها وليس في الإعراب فقط.

ثانيا، بالنسبة للعلاقة بين الفصحى واللهجات الدارجة فقد ذكر ابن خلدون أن السبيل إلى إتقان الفصحى هو مخالطتها مخالطة مكثفة حتى يصبح الكلام العربي الفصيح سليقة لدى المخالط يستخدمه بطلاقة دون التفكير في الإعراب أو في قواعد النحو والصرف.

وقد ذكر ابن خلدون أن تلك المخالطة تؤتي أكلها كاملة لمن يربى على اللهجات الدارجة العربية، ولكنها لا تؤدي إلى التمكن من الفصحى لمن يربى على لغة غير اللغة العربية، وذلك لحلول ملكة أخرى واستحكامها عند الأعجمي، وهو ما يؤدي إلى عدم قدرته على الوصول إلى درجة قدرة العربي على إتقان الفصحى.

وهذا يعني أن العربي المخالط للفصحى بكثافة عالية يسعه أن يبلغ درجة تمكن من الفصحى يمكن وصفها بالكمال، بينما يستحيل ذلك على الأعجمي الذي مهما أتقن اللغة يظل له قصورا في بعض جوانبها. ولهذا أكد ابن خلدون أن ما يسميه أهل البيان بالذوق، وهو "حصول ملكة البلاغة للسان"، "لا يحصل للمستعربين من العجم".

لكن ابن خلدون لا يتوقف عند هذا الحد، إذ أنه يفرق بين عرب البادية وعرب المدن المجاورين للعجم من ناحية قدرة كل منهما على اكتساب الفصحى بالمخالطة، فعرب البادية لا يواجهون عائقا كبيرا إذا ما راموا إتقان الفصحى بالمخالطة، لانعزالهم عن العجم ولأن لهجتهم زمن ابن خلدون كانت قريبة من الفصحى ولم تختلف عنها إلا من ناحية فقدانها حركات الإعراب وانتشار التسكين في أواخر الكلمات، ومن ناحية أنها كانت أقل درجة في البيان والبلاغة كما سبق أعلاه.

أما بالنسبة لعرب الحضر فإن ابن خلدون يفرق بين عرب المدن المجاورين لغير العرب في الأرياف والبادية من ناحية، وعرب المدن الكائنة في بلاد يشكل متحدثو العربية الأغلبية داخل مدنها وخارجها.

ومثال المجموعة الأولى بلاد المغرب قبل هجرة بني هلال وبني سليم إليها في القرن الخامس الهجري، إذ كان العرب في الأربعة قرون الأولى من الهجرة يشكلون أقلية تسكن المدن وكانوا محاطين بالبربر، مما جعل لسانهم العربي بعيدا عن اللسان العربي الأول، ولهذا "كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم"، أي أن اكتسابهم الفصحى بمخالطتها كان صعبا لأن دارجتهم كانت بعيدة جدا عن الفصحى.

أما أهل الأندلس، وهم مثال ابن خلدون على المجموعة الثانية، فقد كانوا "أقرب إلى تحصيل هذه الملكة"، ليس فقط "لكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظما ونثرا"، وإنما أيضا لأن " أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم إنما هم طارئون عليهم. وليست عجمتهم أصلا للغة أهل الأندلس".

وعليه فإن الفصل الذي عنونه ابن خلدون بقوله " في أن أهل الأمصار على الإطلاق"، أي عامة، "قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم ومن كان منهم أبعد عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب وأعسر"، لا يعني أن كل أهل المدن كذلك، وإنما الظاهر أن ابن خلدون عنى بذلك أهل الأمصار المجاورين لغير العرب المتأثرة لهجتهم العربية بكلامهم تأثرا عميقا. والدليل على ذلك أنه عد أهل الأندلس من القادرين على اكتساب الفصحى بالمخالطة رغم انتشار التمدن والعمران بينهم.

وباختصار فإن ابن خلدون يرى أن اكتساب الفصحى لمتحدث العامية ممكن شريطة مخالطتها بكثرة حتى يستطيع التحدث بها كمن نشأ بين العرب الأوائل.


شواهد وفوائد
قد يرى البعض في تأكيد ابن خلدون على أن لكل لهجة عامية قواعدها دعوة إلى العامية ومحاولة لزعزعة مكانة الفصحى، وقد يرى البعض الآخر أن ابن خلدون كان مفكرا تقدميا وتحرريا ولبراليا وما إلى ذلك من الأوصاف التي دخلت معجمنا الحديث، لكننا لا يمكننا أن نصف ابن خلدون بمثل تلك الأوصاف ليس فقط لأنه لم يعش في عصرنا الذي اقتحمت فيه المفاهيم الغربية ثقافتنا، ولكن لأن مثل هذه القراءة لا يمكن إلا أن تكون اجتزاءً لكلام الرجل دون النظر إلى شمولية فكره وتوازنه.

وإذا حاولنا أن نتحقق من كلام ابن خلدون لوجدنا بالفعل أن لكل لهجة عامية قواعدها المتعارف عليها بين متحدثيها حتى وإن لم تستقرأ وتدون، والدليل على ذلك أنه إذا حاول أحدهم التحدث بلهجة غير لهجته لعرف متحدثو تلك اللهجة أنه طارئ عليها وأنه ليس من أهلها. ولذلك نجد أنه حينما ينجح أحد الممثلين في أداء دور بلهجة غير لهجته الأم فإنه يلقى الثناء من النقاد والمشاهدين لعلمهم بمدى صعوبة القيام بذلك.

لكن حقيقة أن لكل لهجة قواعدها لا تعني أن ابن خلدون كان من دعاة العامية، إذ ذكر في مقدمته أنه "وقعت العناية بلسان مضر"، أي بالفصحى، "لما فسد بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب وصارت ملكته على غير الصورة التى كانت أولا فانقلب لغة أخرى. وكان القرآن منزلا به والحديث النبوي منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة فخشي تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي نزلا به فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستباط قوانينه. وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سماه أهله بعلم النحو وصناعة العربية فأصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا وسلما إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وافيا."

ومن هنا يتبين لنا أن هناك سببا وجيها للاهتمام بالفصحى، وهو فهم الكتاب والسنة. أما بالنسبة لاستقراء وتدوين قواعد اللهجات الدارجة فإن ابن خلدون يؤكد أننا "ليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ويدعونا إليه". وهذا دليل على أن الرجل لم يكن يروج للعامية بقدر ما كان يقر واقعا محسوسا يراه ويسمعه الجميع.

النقطة الثانية التي ينبغي ملاحظتها هي ما أقره ابن خلدون من أن من يربى على لهجة عامية يمكنه أن يتقن الفصحى عن طريق مخالطتها، بينما لا يتمكن الأعجمي من الفصحى كالعربي، وهذا من المعلوم من الواقع بالضرورة، حيث نجد أن الغالبية العظمى من متقني الفصحى اليوم هم من العرب الذين نشأوا على لهجتهم الدارجة وخالطوا الفصحى لاحقا فأتقنوها أكثر من الأعاجم متعلمي العربية التي يندر أن يصلوا إلى درجة إتقان العربي للفصحى رغم أن غالبيتهم يركزون على تعلم الفصحى دون اللهجات الدارجة.

وهذا يعني أن الاختلافات بين الفصحى واللهجات ليست هائلة لدرجة الزعم بأن الفصحى لغة مستقلة بذاتها عن باقي اللهجات، إذ أنها إن كانت كذلك لوجدنا أن الصعوبة التي يواجهها متحدثو العاميات بذات القدر من الصعوبة التي يواجهها متعلمو العربية من العجم، وما هي بذلك.

ولذا فإن من الممكن أن نعتبر اللهجات العامية وجوها أخرى للغة العربية، فهي رغم اختلافها البين عن الفصحى تظل جزءً من جسد اللغة الواحد، مما يسهل على متحدثيها التمكن من الفصحى إن هم أرادوا ذلك، وهو ما لا يتأتى لجل طلاب العربية من الأعاجم.


خاتمة
مما لا شك فيه أن سبب الجدل القائم حول الفصحى واللهجات الدارجة في عصرنا الحديث هو المحاولات الحثيثة لإقحام العامية في مجالات الفصحى عن حسن أو سوء نية، ولا شك أيضا أن السبيل إلى إنهاء ذلك الجدل هو تدعيم الفصحى وزيادة فرص مخالطتها وتسييدها في مجالاتها حتى يتوفر لدى كل عربي وجهان من اللغة العربية يستخدم كلا منهما في المقام المناسب. ومن شأن هذا الحل أن يحصر اللهجات داخل حدودها ويحول دون تسربها إلى أرض ليست ملكا لها.

ولا يجب أن نظن أن ذلك صعب المنال، إذ أننا نرى من حولنا الكثير ممن هم على درجة عالية من إتقان الفصحى، فنحن نلحظ على علماء الدين مثلا فصاحة عالية ونطقا سليما والتزاما بحركات الإعراب، وهو ما يبين مدى أهمية مخالطة الفصحى في تقويم اللسان وجعل النطق بها سليقة.

أما حلول مثل تقعيد اللهجات وهجر الفصحى بزعم صعوبتها وتعقيدها فهي هراء لا ينبغي أن نلتفت إليه وانهزامية لا يجب أن نستسلم لها، فالفصحى لغتنا، وإذا ما عشنا بين ثناياها وحيينا بها فإنها يمكن تجري على ألسنتنا بسهولة ويسر حتى يكون نطقنا بها غير بعيد عن لغة العرب الأوائل، فنتنزل بذلك كما يقول ابن خلدون "منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم".

الخميس، 31 مايو 2012

خلدونيات لغوية: مخالطة الفصحى سبيلا لإتقانها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________


يظن البعض منا أن اللهجات العامية المتداولة في بلادنا ظاهرة حديثة لم تكن موجودة في عصر الحضارة الإسلامية، وأن العرب في ذلك العصر لم يكونوا يخاطبون بعضهم سوى بالفصحى التي لا يشوبها خطأ ولا يستعمل فيها شيء من كلامنا المعاصر.

وقد ساهم في ترسيخ هذا التصور عدة عوامل منها أن ذلك العصر أقرب إلى عصر صدر الإسلام من عصرنا، كما أنه كان عصر حضارة وازدهار وليس عصر تراجع. أضف إلى ذلك أن أغلب ما وصلنا من ذلك العصر وصلنا كتابة وليس مشافهة، والمعروف أن جل ما كتب بالعربية في ذلك العصر كان بالفصحى وليس باللهجات الدارجة.

ولذلك فإننا عندما نتخيل الحياة في ذلك العصر نتصور أناسا يتخاطبون بالفصحى، وربما يكون هذا التصور هو ما يدفع القائمين على المسلسلات التاريخية مثلا إلى اتخاذ الفصحى لغة حوار بين الممثلين بغض النظر عن طبيعة كل مشهد.

لكن دارس العربية يعلم جيدا أن نشوء اللهجات العامية بدأ مبكرا جدا، مما حدا بالكثيرين إلى الاهتمام باللغة العربية حتى صار لدينا النحو والصرف والبلاغة والبيان وما إلى ذلك مما يتصل بعلوم اللغة العربية.

ولقد مثل القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه ابن خلدون مرحلة متقدمة من الاختلاف بين اللهجات الدراجة والفصحى، مما دفع ابن خلدون إلى التفكير في كيفية إتقان الفصحى رغم عدم كونها اللغة الشائعة في المجتمع المكتسبة دون عناء.

ولذلك عقد صاحب المقدمة فصلا في مقدمته بعنوان " في تعليم اللسان المضري"، بدأه بالتأكيد على أن "ملكة اللسان المضري"، أي القدرة على الحديث بالفصحى دون عناء، "قد ذهبت وفسدت"، وأن "لغة أهل الجيل كلهم"، أي لغة أهل عصره، "مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن"، وأنها "لغة أخرى من امتزاج العجمة بها"، أي أن الاختلاف بين العاميات والفصحى صار كبيرا جدا بسبب امتزاج العرب بغيرهم.

وبسبب هذا التباين الكبير بين اللهجات الدارجة والفصحى فإن ابن خلدون اقترح طريقة لإتقان الفصحى وتحصيل ملكتها، وهي كما يشرحها هو كالتالي:

"ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حساب عباراتهم و تأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينهما وبين مقتضيات الأحوال. والذوق يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر. وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا، ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها".

ومعنى هذا الكلام أن على من يريد أن يتقن الفصحى أن يقوم بما يسميه ابن خلدون بمخالطة كلام العرب الفصيح حتى يتمكن بعد فترة من المخالطة من الحديث بالفصحى دون ارتكاب أخطاء لغوية، فمن يقرأ ويستمع إلى الكلام الفصيح ويستعمله كثيرا يستطيع مع مرور الوقت التحدث بالفصحى دون عناء ودون تفكير في ما يجب أن يرفع أو ينصب أو يجر أو يسكن، إذ يصبح الكلام الفصيح سليقة لديه يجري على لسانه حاله حال قدرته على التحدث بلهجته العامية.

ولذلك يتابع ابن خلدون كلامه بالتفريق بين العلم بقواعد اللغة وبين القدرة على تطبيق تلك القواعد تطبيقا صحيحا دون عناء، إذ يؤكد في فصل بعنوان "في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم" أن هناك فرقا شاسعا بين من يحفظ ويفهم قواعد اللغة عن ظهر قلب ويستطيع شرحها بتفاصيلها وبين من يطبق تلك القواعد تطبيقا طبيعيا تلقائيا، فالعلم بقواعد اللغة "علم بكيفية لا نفس كيفية"، و"العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل".

ويبرهن ابن خلدون على كلامه بالقول أننا "نجد كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذوي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيراً ممن يحسن هذه الملكة ويجيد التفنن في المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئاً من قوانين صناعة العربية".

وعليه فإن ابن خلدون يعاود التأكيد في نهاية الفصل على أنه إن أراد أحدهم التمكن من الفصحى فليس له سوى "كثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم".

شواهد
قبل أن ننظر في أية شواهد على كلام ابن خلدون عن الطريقة المثلى لإتقان الفصحى ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة، ألا وهي أن قارئ الجزء الأخير من المقدمة قد يخرج بانطباع مفاده أن ابن خلدون متحامل على نحاة عصره ونحاة العصور المتأخرة عامة، فتارة يتهمهم بأنهم أكثرو اللغو في علم النحو رغم أن الهدف منه تيسير تعلم اللغة التي هي بدورها ليست سوى وسيلة لتحصيل العلوم المقصودة بالذات كما يسميها ابن خلدون، وتارة أخرى يصفهم بأنهم متعصبون متحيزون لتخصصهم بزعمهم أن لهجة أهل البادية في عصر ابن خلدون تختلف اختلافا كبير عن الفصحى لمجرد انتشار التسكين فيها وفقدان الإعراب، وتارة ثالثة يستنكر عليهم استقباحهم القاف البدوية رغم أن استخدام أهل البادية لها أصل في اللغة وليس اختراعا، وذلك لقلة اختلاطهم بغير العرب مقارنة بسكان المدن كما يبين ابن خلدون.

لكن القارئ المتمعن في فكر ابن خلدون لا يسعه إلا أن يرى أن هذا النقد اللاذع للنحاة لا يمثل سوى اتساق خلدوني مع النظريات المطروحة في المقدمة، فابن خلدون وهم مؤسس علم الاجتماع لا يمكنه إلا أن ينظر بعين السخط على كل من يخرج اللغة من سياقها الاجتماعي ويختزلها في مجموعة قوانين دون الأخذ بالاعتبار كونها ظاهرة اجتماعية لا يمكن حبسها في بضعة قواعد منفصلة عن أرض الواقع.

ولذلك نجد أن ابن خلدون لم يكن له موقف سلبي من سيبويه رغم كونه من أعظم نحاة اللغة العربية إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وذلك لأن كتاب سيبويه لم يقتصر على قواعد اللغة فقط، ولكنه احتوى على الكثير من "أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم". ولهذا يرى ابن خلدون أن بإمكان العاكف على كتاب سيبويه أن يستفيد منه في إتقان الفصحى بعكس الكتب المتأخرة المقتصرة على القواعد.

لكن اتساق كلام ابن خلدون مع أفكاره ونظرياته لا يكفي للتثبت من مدى صحة نظريته، ولذلك فإن من الواجب علينا أن ننظر في الشواهد المستقاة من التاريخ والواقع لكي نرى إذا ما كانت مخالطة الفصحى بالفعل السبيل الأمثل لإتقانها. ولذا فإننا نورد النقاط الثلاث التالية:

أولا، إذا نظرنا إلى الكيفية التي يكتسب بها الأطفال اللغة نجد أن تعليم القواعد والتعليم عامة ينعدم فيها، فالطفل يسمع اللغة من حوله ويخالطها ومن ثم يتقنها بعد بضعة أعوام إتقانا تاما دون أن يعرف قواعدها التي غالبا ما يدرسها في المدرسة عندما يكبر.

وإذا كان الفرق بين الفصحى والدارجة في اللغة محل الاكتساب ليس كبيرا، نجد أن التلميذ لا يعاني كثيرا في المدرسة لعدم انفصام لغة الكتاب عن لغة الشارع، إذ يصبح تعلم قواعد اللغة أمرا يسيرا.

وحتى إن كان هناك فرق ملحوظ بين اللهجة العامية والفصحى كما هو الحال في اللغة العربية، فإننا نرى أن العاكفين على الاستماع إلى المواد التي تلقى بالفصحى أقدر على إتقانها رغم عدم اشتمال تلك المواد على دروس نحو. ولذلك نلحظ أن المخالطين للعربية المستخدمة في المحاضرات الدينية مثلا أقدر من غيرهم على الحصول على نصيب من الفصحى لاشتمال تلك المحاضرات على الكثير من الكلام العربي الفصيح. ولهذا السبب ربما نجد أن الحديث بالفصحى أحد الوسائل التي يتبعها البعض للسخرية من الملتزمين بالدين.

ثانيا، يعرف كل مهتم بعلوم اللغة أن القواعد تنبع من اللغة وليس العكس، بمعنى أن النحو ليس سوى نتاج استقراء قواعد اللغة بملاحظة المطرد من استخداماتها. وقد حدث هذا مع جميع اللغات التي دونت قواعدها، فقواعد اللغة العربية نشأت وتطورت عن طريق النظر في كلام العرب واستنباط أحكامه بناء على لغتهم. ولذلك كان نحاة العصور الأول إن اختلفوا في مسألة ردوها إلى أهل البادية من العرب الأقحاح لأنهم كانوا أفصح لغة وأسلم سليقة من أهل المدن لقلة اختلاطهم بغير العرب.

وفي عصرنا هذا نجد العديد من المشتغلين باللغة يذهبون إلى أماكن قاصية للعيش مع متحدثي اللغات ذات الانتشار المحدود والمهددة بالانقراض لكي يتعلمون لغتهم ويضعون نحوها، فإن كان النحو ضرورة لتعلم اللغة فكيف ينجح هؤلاء في مهمتهم؟

ثالثا، ثمة دليل آخر يؤكد أن إتقان الفصحى لا يستلزم معرفة قواعدها، وهو أن اليسير الذي نعرفه من الفصحى اليوم يمكننا في كثير من الأحيان من إعراب العديد من الكلمات إعرابا صحيحا، حيث نرى أن بعض الطلاب عندما يحتارون في إعراب كلمة ما في اختبارات النحو يلجئون إلى نطق الجملة التي فيها تلك الكلمة بصوت منخفض لكي يجربوا وقع رفعها أو نصبها أو جرها على الأذن لعل النذر اليسير من السليقة لديهم يمكنهم من إعراب الكلمة إعرابا صحيحا إن لم تسعفهم معلوماتهم النحوية إلى ذلك.

ولذلك قال الشاعر قديما:

ولست بنحوي يلوك لسانه ... ولكن سليقي أقول فأعرب


خاتمة
 لا ينبغي أن يفهم من الدعوة إلى مخالطة الفصحى من أجل إتقانها أننا هنا بصدد إلغاء النحو أو إهمال تدريسه، لكننا نقول أن دراسة اللغة دون معايشتها بذل للوقت والجهد دون أن يكون هناك مردود كبير على الدارسين.

ولذلك فإن التمكين للفصحى في مجالاتها مهم جدا حتى يسهل علينا مخالطتها باستمرار إلى أن يرتسم في خيالنا منوالها كما يقول ابن خلدون.

وقد تكون مخالطة الفصحى استماعا أهم من قراءة مواد مكتوبة بها، فكلنا يقرأ الفصحى ولكن قليل منا يتقن الحديث بها دون أخطاء وبلا معاناة، والسمع أبو الملكات اللسانية كما يؤكد ابن خلدون.

وهناك تجربة رائعة ومطبقة بنجاح قام بها الأستاذ عبد الله الدنان، حيث ساهم في تأسيس مدارس لا يتحدث فيها المعلمون إلا العربية الفصحى مع التلاميذ مما يمكنهم من اكتسابها طبيعيا قبل دراستهم نحوها بوقت طويل.

وقبل أن يساهم في إنشاء تلك المدارس كان الأستاذ الدنان قد طبق الفكرة على ولده، حيث كان يكلمه بالفصحى وكانت الأم تخاطبه بالعامية، فاكتسب الصغير كليهما دون عناء.

وبالمناسبة فإن قدرة الصغير على اكتساب الفصحى والدارجة وإتقانهما دليل على أنه لا يجب أن ندخل في ذلك الجدال العقيم عن الفصحى واللهجات الدارجة، فلكل مجالاته، ولكن المشكلة ضعف قدرتنا على استخدام الفصحى استخداما صحيحا في مجالاتها وتسرب العامية إلى مجالات الفصحى.

كما لا يجب أيضا أن نعتقد أن تسييد الفصحى في المدرسة كاف، فحتى وإن تحدث المعلمون مع الطلاب بالفصحى طوال الوقت فإن من الضروري أن تسمع الفصحى بكثافة خارج المدرسة أيضا حتى يستطيع الطلاب التعبير بها عن أنفسهم عند الحديث عن أي موضوع وليس فقط عن المواضيع المتعلقة بالعلم والدراسة. وقد أكد ابن خلدون على هذا المعنى بقوله أنه "على قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع".

رحم الله ابن خلدون.

الاثنين، 30 أبريل 2012

خلدونيات لغوية: في التعلم بلغة أجنبية


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________

تناول ابن خلدون في مقدمته مسألة التعلم بلغة أجنبية، حيث عقد فصلا بعنوان "في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي"، ذكر فيه عدة نقاط بدأها بتقسيم مواضع فهم العلوم إلى موضع الخيال وموضع الذهن، فوظيفة الخيال فهم اللغة ووظيفة الذهن فهم المحتوى المقدم بتلك اللغة.

وللتقريب يمكننا أن نقول بلغة عصرنا أن العلوم عبارة عن شكل ومضمون، فشكلها هو اللغة المكتوبة بها، ومضمونها هو مادتها. وتختلف أهمية الشكل عن أهمية المضمون حسب نوع العلوم، فالشكل، أي اللغة، مهم جدا في العلوم الشرعية كما يقول ابن خلدون، بعكس العلوم العقلية التي يقل فيها دور اللغة.

ولكن بغض النظر عن نوع العلم فإن دور اللغة لا يمكن إغفاله وهو مقدم على المضمون، ولذلك يؤكد ابن خلدون أن "الألفاظ و اللغات وسائط وحجب بين الضمائر، وروابط وختام بين المعاني". ولهذا السبب يقرر ابن خلدون أن من يتلقى العلم بلغة غير لغته تكون لديه مشكلة أكبر من تلك التي يواجهها من يتعلم بلغته، لأن الأول يعاني من صعوبة في الشكل والمضمون، أما الثاني فإن ملكته اللغوية راسخة وليس عليه "إلا معاناة ما في المعاني من المباحث فقط"، أي أنه إن واجهته مشكلة فإنها تكون في المضمون فقط وليس  الشكل.

ثم يتابع ابن خلدون كلامه بالتفريق بين من يتعلم بلغة أجنبية مشافهة وبين من يتلقى العلم بلغة أجنبية من الكتب، فإن كان الأول يواجه حجابا كما يسميه ابن خلدون، فإن الثاني يواجه حجابين، فالأول يعجز عن فهم معاني الكلمات ودلالاتها اللغوية بدقة، ويعاني الثاني مما يعاني منه الأول بالإضافة إلى ضعف قدرته على معرفة الدلالات الخطية لما يقرأه.

ويبرهن ابن خلدون على صحة كلامه بالقول أن "الكثير من علماء الأعاجم في دروسهم ومجالس تعليمهم يعدلون عن نقل التفاسير من الكتب إلى قراءتها ظاهرا يخففون بذلك عن أنفسهم مؤونة بعض الحجب ليقرب عليهم تناول المعاني"، أي أن قراءتهم للنصوص العربية بصوت مرتفع تهدف إلى إزالة الحجاب الخطي حتى تنحصر الصعوبة في الحجاب اللفظي.

ويواصل ابن خلدون حديثه قائلا أنه قد يتمكن "الدؤوب على التعليم والمران على اللغة وممارسة الخط" من إتقان لغة أجنبية، إلا أن هذا نادرا ما يحدث، وحتى وإن حدث فإننا إن قارنا العالم الأعجمي "بنظيره من علماء العرب وأهل طبقته منهم، كان باع العرب أطول وملكته أقوى، لما عند المستعجم من الفتور بالعجمة السابقة التي تؤثر القصور بالضرورة".

ومعنى هذا الكلام أنه حتى وإن أتقن أحد العلماء لغة أجنبية فإنه يظل أقل درجة من نظرائه من العلماء الذين يتقنون اللغة لكونهم اكتسبوها طبيعيا وليس صناعيا مثله، فهو بإتقانه هذا يكون أعلى رتبة من متعلمي اللغة الأجنبية الآخرين، وأدنى درجة من قرنائه العلماء من أصحاب اللغة.

ولكن من هم أصحاب اللغة؟

يجيب ابن خلدون على هذا السؤال بالتأكيد على أن اللغة الأم ليست مرتبطة بالنسب أو بأسبقية الاكتساب، فقد يكون أحدهم أعجمي النسب ولكن نشأته بين العرب تمكنه من إتقان اللغة العربية حاله حال العربي الذي ينشأ في ذات البيئة. ولذلك كان العديد من علماء الحضارة الإسلامية عجما في النسب عربا باللغة كما يشير ابن خلدون.

وقد ينشأ الطفل على لغة ما، ولكنه ينتقل إلى بيئة أخرى ذات لغة مختلفة في سن مبكرة فيكتسب اللغة الجديدة ويتقنها مثل أهلها وكأنه لم يسمع لغة غيرها. ويضرب ابن خلدون مثالا على هذه الحالة "بأصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم، و لا يكون عندهم تقصير في فهم المعاني من العربية. وكذا أيضا شأن من سبق له تعلم الخط الأعجمي قبل العربي".

وباختصار فإن اللغة الأم هي اللغة التي يربى عليها الصغير وتستحكم عنده حتى يكبر، فهي ليست بالضرورة مرتبطة بالعرق ولا باللغة ذات أسبقية الاكتساب في الصغر.

ويختتم ابن خلدون كلامه بالتوكيد على أن كل ما ذكره في فصله لا ينطبق فقط الأعاجم الذين يتعلمون اللغة العربية، ولكنه يشمل كل من يتعلم بلغة أجنبية. ولذلك يؤكد أن ما قاله لا يتنافى مع ما "كان لليونانيين في علومهم من رسوخ القدم فإنهم إنما تعلموها من لغتهم السابقة لهم و خطهم المتعارف بينهم".


تطبيقات
إذا نظرنا إلى شرح كلام ابن خلدون أعلاه لوجدنا أنه باستطاعتنا تقسيمه إلى ثلاث نقاط رئيسة:

أولا، ليس هناك خلاف على أن من يتعلم بلغة غير لغته يعاني كثيرا مقارنة بمن يتعلم بلغته، فهذا من المعلوم من الواقع بالضرورة، وهو أمر يعايشه الكثيرون داخل بلادنا ممن يتعلمون بلغات أجنبية وخارجها أيضا ممن يسافرون إلى الخارج للدراسة.

فبالنسبة لمن يدرسون بلغات أجنبية في بلادنا فإن العديد منهم يعاني من حجاب الألفاظ والخط اللذان ذكرهما ابن خلدون، لأنهم يعتمدون في تخصصاتهم على كتب بالانجليزية أو الفرنسية. أما من يسافر إلى الخارج ليدرس فقد يرتفع عنه حجاب الخط ويبقى جل المعاناة ناتجا عن حجاب الألفاظ. ولذلك نجد من درس في الخارج أكثر إتقانا للغة البلد التي درس فيها مقارنة مع نظيره الذي درس في بلادنا، إذ أن عامل المشافهة حاضر وبقوة في تلك البلاد الأجنبية، ليس داخل الجامعات فقط وإنما خارجها أيضا.

ولكن بغض النظر عن درجة الإتقان التي يصل إليها من درس في الخارج، أو حتى من اجتهد ووصل إليها دون مغادرة بلده، فإن كليهما يظل أقل إتقانا من أصحاب اللغة الأصليين. وحتى وإن تميز أحدهم عن الآخرين فإنه يكون كالأعور وسط العميان، فهو أفضل حالا منهم ولكنه أدنى ممن يرى بعينين. ولذلك أكد ابن خلدون على هذه الحقيقة حين ذكر أن العالم الأجنبي الذي يدرس العلوم بالعربية يظل أقل طبقة من نظرائه من علماء العرب.

ويمكننا أن نعمم هذا الكلام على كل متعلمي اللغة وليس على العلماء منهم فقط، لأن ابن خلدون لم يركز على العلماء سوى لأنه كان يتحدث في سياق تحصيل العلوم وليس لأن ما سماه الفتور، أي الضعف، بالعجمة السابقة التي يؤثر القصور بالضرورة حالة يختص بها العلماء دون غيرهم.

النقطة الثانية التي ينبغي ملاحظتها هي ما ذكره ابن خلدون عن أن من يتعلم بلغته ليس عليه " إلا معاناة ما في المعاني من المباحث فقط"، أي أن كل تركيزه ينصب على المضمون. وهذه نقطة مهمة لأنها تعني أن مجرد تلقي العلوم بلغتنا لا يعني أننا سوف نفهم تلك العلوم أو نهضمها بسهولة، فحتى وإن كانت باللغة العربية فإن علينا أن نبذل مجهودا لفهم محتوى المواد. ولذلك نجد أن البعض يتفوق على البعض الآخر رغم كونهم جميعا من أصحاب اللغة.

ولهذا فإن من المهم أن ندرك أن ترجمة العلوم وتعريبها ليس إلا خطوة على الطريق الصحيح، فبهما تتم إزالة الحجب اللغوية التي تعيق الطالب عن تلقي العلوم دون أن يعني ذلك أنه لا يلزم الطالب أن يجتهد لكي يفهم ما يقرأه من مواد مترجمة إلى لغته.

ولا تقتصر تلك الصعوبة التي يواجهها الطالب على الكتب المترجمة فقط، ولكنها تتعداها إلى ما كتب باللغة العربية ابتداء، لأن تلك الصعوبة تتعلق بمحتوى الكلام وليس بشكله. ولذلك يعاني بعضنا من عدم القدرة على فهم بعض ما نقرأه بالعربية حتى إن كنا نعرف معاني جميع الكلمات المستخدمة، فالله سبحانه وتعالى خلقنا متفاوتين في القدرات.

ولكي يفهم القارئ كتابا ما، حتى وإن كان بلغته، فإنه ينبغي توافر عدة عوامل منها الإلمام بالعلم الذي يقرأ عنه والقدرة على فهم مقصود الكاتب ومعرفة سياق كلامه والمعاني الضمنية التي لم يصرح بها إلى غير ذلك مما لا يمكن لنا فهمه لمجرد معرفة معنى كل كلمة وردت في النص بمفردها.

وباختصار فإن رسوخ الملكة اللغوية شرط أساسي لا يمكن للقارئ بدونه أن يفهم العلوم، ولكنه في ذات الوقت لا يكفي بمفرده.

النقطة الثالثة تتعلق بتعريف ابن خلدون لأصحاب اللغة، حيث ذكر ابن خلدون أن اللغة الأم هي اللغة التي يتربى عليها الصغير وتستحكم عنده حتى الكبر. وتكمن أهمية هذا التعريف في ما ذكره ابن خلدون عن أن اللغة الأم ليست بالضرورة مرتبطة بالعرق، وهذا واضح جلي لكل من ينظر إلى أبناء المهاجرين الذين يكتسبون لغة البلد الذي يتربون فيه ويتقننونها إتقانا لا يختلفون في درجته عن سكان البلد الأصليين حتى وإن اختلفوا عنهم في العرق.

والناظر اليوم إلى أبناء المهاجرين إلى دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية يجد أن ما قاله ابن خلدون مطابق للواقع بدرجة كبيرة. وحتى إن لم يولد هؤلاء الصغار في تلك البلدان فإن انتقالهم إليها في سن مبكرة يمكنهم من اكتساب لغتها كمن ولد فيها، وهذا يعني أنه يمكن للطفل أن ينتقل من لغة إلى أخرى ما دام صغيرا ولم يبلغ مرحلة الاستحكام، لدرجة أنه عندما يكبر يكون أكثر إتقانا للغة التي اكتسبها لاحقا من اللغة التي سبقتها، فتكون اللغة اللاحقة كأنها السابقة لديه. وهذا ما يحدث مع جل العرب مثلا الذين يهاجرون إلى بلاد أخرى مع أطفالهم الصغار الذين نلحظ على كثير منهم ضعفا في العربية وإتقانا للغة بلد المهجر عندما يكبرون رغم أن اللغة العربية كانت السابقة لديهم.

لكن تعريف ابن خلدون أغفل مسألة نستطيع طرحها في السؤال التالي: هل يمكن لمن يربى على لغتين أن تستحكم لديه كلا منهما؟

الإجابة أنه غالبا يمكن لهذا أن يحدث، ولكن شريطة أن يربى الصغير في بيئة تستخدم فيها اللغتان مما يمكنه من اكتسابهما طبيعيا دون عناء.

لكن في ذات الوقت وحتى لا تكون تلك الإجابة مجافية للواقع فإنه من المهم أن نبين أن تعدد اللغات في بيئة ما عادة ما يؤدي إلى تقسيم الأدوار بينهم بحيث تطغى كل لغة على مجالات  معينة، إذ تطغى لغة في البيت مثلا، وأخرى في السوق، وثالثة في المصالح الحكومية، وهكذا دواليك. ولذلك نجد أن درجة إتقان من يكتسب لغتين مثلا من بيئته منذ الصغر تختلف بحسب المجال المحدد لكل منهما، أي أنه إذا طلب منه التحدث بإحدى اللغتين عن موضوع يدخل في مجال يشيع فيه استخدام الأخرى ظهر التفاوت في درجة إتقانه. وهذا يتوافق مع ما كرره ابن خلدون في مواضع شتى في مقدمته حين قال أن "من حصلت له ملكة في صناعة فقل أن يجيد بعدها ملكة أخرى"، كما أنه عين ما ذكره ابن خلدون في الفصل الذي نحن بصدده هنا من أنه "إذا تقدمت في اللسان ملكة العجمة، صار مقصرا في اللغة العربية، لما قدمناه من أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقل أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى".

وعلى أية حال فإن إغفال ابن خلدون لتلك النقطة قد يرجع إلى أنه كان يتحدث عن سياق محدد وهو العلاقة بين إتقان اللغة العربية والقدرة على تحصيل العلوم، حيث كان العالم العربي لا يحتاج في ذلك العصر سوى اللغة العربية، بينما كان نظرائه من المسلمين غير العرب يحتاجون إلى إتقان اللغة العربية بالإضافة إلى لغتهم من أجل تحصيل العلوم. وعليه فإن الحالة المذكورة أعلاه عن تعدد اللغات في ذات البيئة لم تكن حاضرة في موضوع الفصل محل النقاش في هذا المقال، ولذلك والله أعلم لم يتطرق ابن خلدون إلى ذكرها.


خاتمة
لا تعد حقيقة صعوبة تحصيل العلوم بلغة أجنبية اكتشافا خلدونيا ما كنا لنعيه لولا أن ذكره ابن خلدون، فتلك الحقيقة معلومة من الواقع بالتجربة والملاحظة. ولكن الإسهام الحقيقي لابن خلدون هو أنه وضع تلك الصعوبة في سياقها الاجتماعي من حيث تفصيله في مسألة الحجابين اللفظي والخطي، ودنو درجة العالم الأجنبي عن درجة نظيره صاحب اللغة حتى وإن كانت درجة إتقان الأول لتلك اللغة عالية جدا، ومن حيث تعريفه للغة الأم أيضا.

ولئن كان تحصيل العلوم بلغة أجنبية صعبا فإن التدريس بلغة أجنبية أصعب. وهذا ما يواجهه عدد متزايد من المحاضرين حول العالم عندما يدرّسون بلغة أجنبية، وعندما يحاولون نشر أبحاثهم بلغة أجنبية أيضا. وكثير ممن حضر المؤتمرات العلمية التي تقام باللغة الانجليزية يرى بوضوح كيف تعاني الغالبية العظمى ممن يقدمون بحوثهم بالانجليزية لكونهم ليسوا من أصحاب اللغة، وكيف أنه ما إن يتحدث شخص من أهل اللغة الانجليزية يكون وقع حديثه أكبر من الآخرين الذين تجني عليهم اللغة فتحط من قدرهم رغم علمهم.

وعليه فإنه من الضروري جدا أن نفعل دور الترجمة كما فعل أسلافنا الذين كما يقول ابن خلدون "تشوفوا إلى علوم الأمم فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجردوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم وأربوا فيها على مداركهم". وإذا لم نقم بذلك فإن كل حديث عن أية نهضة علمية لا يعدو إلا أن يكون سرابا يحسبه الظمآن ماء، وهذا ما يؤكده العالم المصري رشدي راشد رغم إقامته في فرنسا منذ زمن بعيد.

ولا يصح في هذا المقام أن نستشهد بنجاح بعض العلماء العرب في الداخل أو الخارج رغم استخدامهم اللغات الأجنبية، فنحن هنا لسنا بصدد بروز عالم هنا أو نجاح شخصي هناك، وإنما ما يجب أن يشغل بالنا هو توطين العلوم لتحقيق نهضة شاملة يستفيد منها المجتمع كله، مما يستلزم أن يكون العلم متاحا للجميع وليس دولة بين من يعرفون لغة أجنبية أو اثنتين.

وعلى كل فإنه ليس لمن لم يقتنع بضرورة استخدام اللغة العربية في التعلم والتعليم إلا بيت المتنبي الذي قال فيه:
             
                                                                                     
وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليلِ

السبت، 31 مارس 2012

خلدونيات لغوية: عن انتشار اللغة ورسوخها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________


تكلم ابن خلدون في معرض حديثه عن المدن عن اللغات التي تسود فيها، حيث عقد فصلا بعنوان "في لغات أهل الأمصار قرر فيه أن "لغات أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها"، وجعل هذا العامل، أي التواجد البشري، السبب الرئيس في انتشار لغة ما ورسوخها.

وقبل أن نسترسل في الحديث علينا أن نتوقف عند عدة نقاط تضمنتها عبارة ابن خلدون المذكورة أعلاه.

النقطة الأولى هي أن ابن خلدون تحدث عن لغات أهل الأمصار، أي المدن، ولم يتحدث عن لغات أهل البوادي. والسبب في ذلك والله أعلم أن المدن تجتذب إليها أعدادا غفيرة من البشر قد تختلف لغاتهم عن بعضهم البعض وعن لغات سكان المدينة الأصليين، بمعنى أن المدن مؤهلة لأن تكون حلبة تنافس بين اللغات أكثر من البوادي، ولهذا رأى ابن خلدون أن يوضح تلك النقطة.

النقطة الثانية هي أن لغات المدن تكون كما قال ابن خلدون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها، ومعنى ذلك أنه قد يحدث أن تتغلب أمة على غيرها ويبدأ أفرادها بالهجرة إلى مدنها، مما يعني التقاء لغتين مختلفتين، وهما لغة الأمة المتغلبة ولغة الأمة المغلوبة. وفي هذه الحالة تسود لغة الأمة الغالبة وتنحسر لغة الأمة المغلوبة تدريجيا إلى أن تتلاشى أو تبقى في البوادي فقط.

أما إذا قامت أمة ما ببناء مدينة جديدة، فمن الطبيعي أن تكون لغة المدينة هي لغة الأمة التي أسستها، وهذا معنى المختطين لها.

النقطة الثالثة تكمن في لفظي أمة أو جيل، وهذا يعني أنه لكي تسود لغة ما، بالذات في حالة التغلب، فإن ذلك يستلزم تواجد أعداد كبيرة نسبيا من الأمة المتغلبة، مما يعني أن السيطرة على مدينة ما عسكريا أو سياسيا من قبل دولة أخرى لا يغير لغة المدينة، وإنما تغيرها هجرات من تلك الدولة. ولهذا كان استخدام لفظي "أمة و"جيل" غاية في الدقة من قبل ابن خلدون كما سنرى لاحقا.

أما إذا لم تتبع سيطرة دولة ما على أخرى هجرات من سكان الدولة المتغلبة، يبقى الوضع على ما هو عليه ولا تتغير لغة الدولة المغلوبة.

ويتابع ابن خلدون كلامه مدعما ما ذكره في بداية الفصل بمثال عن اللغة العربية والطريقة التي سادت بها العديد من أمصار البلدان التي فتحها المسلمون، حيث يؤكد أن العامل الأساسي في ذلك هو هجرة العرب الكثيفة إلى تلك الأمصار حتى أضحى "أكثر الأمصار في الملة لهذا العهد"، أي زمن ابن خلدون، "من أعقاب العرب المالكين لها الهالكين في ترفها بما كثروا العجم الذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم"، أي أن عدد الناطقين بالعربية صار أكبر من عدد الناطقين بغيرها من اللغات في أمصار تلك الدول.

لكن ابن خلدون لا يتوقف عند عامل التواجد البشري الكثيف، إذ يؤكد أن عامل الدين كان حاسما في انتشار ورسوخ اللغة العربية في البلدان التي هاجر إليها العرب، وهذا يعني أن العرب عندما نزلوا بلدان غير العرب كان هناك تنافس بين لغات السكان الأصليين والمهاجرين من العرب، وقد رجحت كفة اللغة العربية بفضل كونها لغة القرآن والسنة.

ويمكننا تفسير هذا الكلام قائلين أن العامل الرئيس في انتشار لغة ما ورسوخها هو التواجد البشري الكثيف في منطقة ما، إلا أنه في حال تعادل الكفة من ناحية العنصر البشري تدخل عوامل أخرى ترجح كفة لغة ما على غيرها. وقد ذكر ابن خلدون أن الدين كان مرجحا للغة العربية بعد استيفائها شرط التواجد البشري على الأرض، لكن هذا لا يعني أنه ليس هناك مرجحات أخرى تختلف من بلد إلى آخر حسب الظروف.

وعلى أية حال فإن أيا من المرجحات لا يمكنها أن ترسخ لغة ما إلا إذا توفر عامل التواجد البشري الكثيف كما قرر ابن خلدون في بداية الفصل.

ويذكر ابن خلدون مثالا محددا ليعضد به كلامه فيقول أن اللغة العربية ظلت سائدة حتى عندما حكم غير العرب من الديلم والسلاجقة في المشرق وزناتة والبربر في المغرب، وذلك لأنهم كانوا على ملة الإسلام وإن لم يكونوا من العرب، فكل ما حدث للغة العربية في تلك الحقبة أنها انحسرت بعض الشيء ولكنها ظلت باقية.

ولكن ما إن جاء التتار والمغول الذين لم يكونوا على ملة الإسلام حتى اندثرت اللغة العربية في مناطق مثل بلاد فارس وخراسان والسند والهند، وسادت لغات أخرى لدرجة أن "كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي"، وأصبحت اللغة العربية تدرس كلغة أجنبية في تلك البلدان.

نقطة أخيرة تبقت من كلام ابن خلدون وهي أنه عند تغلب لغة ما على أخرى فإن اللغة الغالبة تفسد بعض الشيء لمخالطتها اللغة المغلوبة، ولهذا "فسد اللسان العربي بمخالطتها"، أي بمخالطة لغات الأمم الأخرى، "في بعض أحكامه وتغير أواخره وإن كان بقي في الدلالات على أصله، وسمي لسانا حضريا". أما عربية البدو فإنها أعرق في العروبية كما يشير ابن خلدون، وذلك لأنها سلمت من مخالطة لغات أخرى كما حدث في الأمصار، أي المدن.

تطبيقات
إذا طبقنا كلام ابن خلدون على انتشار ورسوخ اللغات في الماضي والحاضر نجد أن عنصر التواجد البشري الكثيف كان وما زال حاسما في انتشار اللغات وتجذرها، ولذلك جعل ابن خلدون ذلك العنصر عاملا رئيسا بينما جعل العوامل الأخرى مرجحة في حالة تعادل الكفة بين لغتين أو أكثر، وإن كان لم يذكر من تلك العوامل سوى الدين بحكم المثال الذي أعطاه عن اللغة العربية.

وإذا نظرنا إلى أمثلة أخرى تخص اللغة العربية نجد مثلا أن المغرب العربي فتح في القرن الأول الهجري، ولكنه لم يتعرب ولم تتجذر فيه اللغة العربية إلا ابتداء من القرن الخامس الهجري بعد هجرة بني هلال وبني سليم، مما يعني أن أربعة قرون من لم تكن كافية لترسيخ اللغة العربية في المغرب العربي لغياب الكثافة البشرية ورغم حضور عامل الدين.

أما إذا قرأنا تاريخ مصر نجد أن التواجد التركي فيها استمر أكثر من أربعة قرون بدأ بدخول مصر تحت الحكم العثماني واستمر حتى منتصف القرن العشرين مع انتهاء حكم سلالة محمد علي باشا. ورغم أن الكثير من أبناء الجالية التركية كانوا ينتمون إلى الطبقة العليا من المجتمع إلى أن ذلك لم يؤد إلى تغيير وجه مصر اللغوي، حيث أن الجالية التركية كانت مجهرية مقارنة بتعداد الشعب المصري. وهذا يعني أنه حتى وإن كانت مجموعة ما تمسك بزمام الحكم في بلد يتحدث شعبه لغة غير لغتها فإنها تظل غير قادرة على تغيير لغته إذا كان عدد أفرادها لا يذكر مقارنة بعدد أفراد الشعب.

ولكن في ذات الوقت فإن هناك أمثلة من التاريخ المعاصر تظهر أنه يمكن للغة ما أن تنتشر وتترسخ على حساب لغات أخرى رغم أن عدد متحدثيها كلغة أم صغير نسبيا، فاللغة الإندونيسية مثلا كانت رغم انتشارها إبان الاستقلال اللغة الأم لحوالي عشر سكان إندونيسيا، ولكنها كانت منتشرة كلغة تواصل بين متحدثي اللغات المختلفة الموجودة في جزر إندونيسيا، مما سهل تبنيها لغة رسمية للبلاد لدرجة أن كل الإندونيسيين اليوم يتقنوننها ويتحدثونها حتى وإن كانوا من التسعين بالمائة الذين لديهم لغات أخرى. وذات الشيء ينطبق على اللغة السواحيلية في شرق أفريقيا حيث تعد اللغة الوحيدة لنسبة بسيطة من السكان، ولكنها منتشرة ومتجذرة على نطاق واسع كلغة مشتركة بين متحدثي اللغات المختلفة المنتشرة هناك.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن التواجد البشري الكثيف لا يعني بالضرورة أن يكون أفراد اللغة الغالبة يشكلون الأغلبية، ولكن تواجدهم بأعداد معتبرة لا غنى عنه لانتشار ورسوخ لغتهم، يساعدهم في ذلك بالطبع عوامل أخرى مرجحة تختلف من بلد لآخر. والدليل على ذلك أنه رغم انتشار اللغة العربية وتجذرها عن طريق هجرات القبائل العربية إلا أننا نستطيع أن نقول أن العرب لم يشكلوا غالبية السكان في الأقطار التي هاجروا إليها، وإلا فكيف يمكننا أن نفسر أن العرب خارج الجزيرة العربية يختلفون في سحناتهم عن عرب الجزيرة رغم أن الجميع يتحدث العربية؟ وكيف يمكننا أن نفسر أن سحنة المصري المسلم لا تختلف عن سحنة المصري النصراني؟ فلو كان العرب غالبية سكان الأقطار التي هاجروا إليها لوجدنا أن شكلهم يكاد يتطابق مع أشكال سكان الجزيرة العربية، وهذا مخالف للواقع. ولكن ما حدث أنهم العرب هاجروا واختلطوا بسكان الأقطار الناطقة بالعربية في يومنا هذا وتغيرت لغة تلك الأقطار دون أن يشكل العرب غالبية سكانها، مما يثبت أنه ليس شرطا للأمة المهاجرة أن تكون الأغلبية حتى تتجذر لغتها في بلد ما، ولكن كل ما يلزم هو تواجد أفرادها بأعداد مؤثرة، ومن ثم تأتي عوامل أخرى مرجحة لتساعد لغتهم على الانتشار والتجذر.

ولقد أشار ابن خلدون إلى هذا المعنى حين قال أن العرب خالطوا سكان الأمصار التي هاجروا إليها، وأنه مع سيادة اللغة العربية "هجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك، وصاراللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم وصارت الألسن العجمية دخيلة فيها وغريبة". وهذا يعني أن متحدثي العربية في تلك الأمصاركانوا ممن اختلطوا بالعرب ومن السكان الأصليين التي اكتسبوا اللغة العربية من المهاجرين العرب.

وفي المقابل نرى أن اللغة الإنجليزية مثلا غير قادرة على الانتشار والتجذر في العديد من الدول الآسيوية والأفريقية التي اتخذتها لغة رسمية منذ استقلالها، وذلك لعدم وجود جالية يعتد بها تتحدثها كلغة أم راسخة في تلك البلاد. ولذلك نجد أن من يتحدث الانجليزية في بلاد مثل الهند وباكستان ونيجيريا عادة ما يكون شخصا درسها في المدرسة لمدة ليست بالقصيرة، أي أن تعلمه لها كان صناعيا كما يقول ابن خلدون، وليس طبيعيا كما يحدث مع لغات مثل الإندونيسية والسواحيلية التي نجد أعدادا هائلة يتقنوننها في إندونيسيا وشرق أفريقيا حتى بين من لم ينالوا حظهم من التعليم، لأنهم يكتسبون تلك اللغات من البيئة المحيطة بهم وليس من المدرسة كما يحدث مع لغات كالانجليزية و الفرنسية، واللتان يصعب القول على المنصف بأنهما ليستا لغتين أجنبيتين في الدول الآسيوية والأفريقية اللتي اتخذتهما لغتين رسميتين، فاللغة لا تنتشر ولا تتجذر بمجرد ترسيمها في الدستور.

خاتمة
قد يتسائل البعض عن الغرض من دراسة آراء ابن خلدون اللغوية خصوصا بعد مرور أكثر من ستة قرون على وفاة ابن خلدون، فهل يمكن لمقدمته أن تضيف شيئا جديدا إلى علم اللغة؟ أم أن الزمن تجاوزها وانتهى تاريخ صلاحيتها منذ أمد بعيد؟

إن قراءة سريعة للواقع في بلادنا العربية تظهر أن الكثير منا إما لم يقرأ مقدمة ابن خلدون، أو قرأها ولم يستوعب كيفية إنزالها على الواقع، أو قرأها وفهمها وتجاهلها ظنا منه أن التاريخ لا يتكرر وأنه بوسعه مخادعة سنن الكون وقوانينه.

وإذا أمعنا النظر في واقعنا اللغوي نجد أن محاولات فرض اللغات الأجنبية ما زالت تتم على قدم وساق، رغم استحالة انتشار وتجذر تلك اللغات بسبب غياب الكثافة البشرية التي يمكن أن تمكنها من ذلك، إذ كيف للغة الانجليزية في المشرق أو الفرنسية في المغرب أن تنتشرا دون إمكانية اكتسابهما طبيعيا وليس صناعيا كما يقول ابن خلدون؟

إن من يقرأ فصل ابن خلدون الذي ناقشناه في هذا المقال ويرى السياسات اللغوية المطبقة في بلداننا لا يمكن إلا أن يستنتج أن عالما مثل ابن خلدون لم يعد سوى اسم نفاخر به ونقول للعالم أجمع أنه مؤسس علم الاجتماع دون أن نستفيد أدنى استفادة مما كتب. وإلا فكيف نفسر استماتة بعضنا في الدفاع عن محاولات فاشلة تبغي تغيير واقع لغوي لا مفر منه بدعوى الانفتاح والعولمة والواقعية وما إلى ذلك من كلمات تخفي ورائها قدرا كبيرا من الانهزامية والاستكانة، لا بل قل اللاواقعية؟ فهل يتخيل أحدنا أن نصبح يوما خواجات من أهل الانجليزية أو الفرنسية؟

الجواب بالنفي طبعا، إذ أن كل ما يتم هو محاولات تؤدي في نهاية المطاف إلى جعل اللغة العربية كسيحة غير قادرة على ممارسة دورها الطبيعي بصفتها لغة أمتنا التي لا فكاك منها، والتي ما فتئت تصرخ منذ عشرات السنين وتقول:

أيهجرني قومي عفا الله عنهم *** إلى لغة لم تتصل برواة؟؟

الأربعاء، 29 فبراير 2012

العربية: أم اللغات أم لغتنا الأم؟


كان السؤال حول نشأة اللغة وما زال من أهم الأسئلة التي حيرت علماء اللغة والمهتمين بها، حيث اختلفوا حول إذا ما كانت نشأة اللغة عن اصطلاح أو توقيف، فذهب بعضهم إلى أن اللغة نشأت من خلال ما اصطلح عليه البشر وتوافقوا من مسميات لما حولهم، وذهب نفر آخر إلى القول بأن اللغة ناشئة عن توقيف، أي أن الله سبحانه وتعالى علمها لآدم عليه السلام. (راجع هذا المقال بعنوان أصل اللغة لمعرفة المزيد حول آراء العلماء عن الموضوع).

وبغض النظر عن كيفية نشأة اللغة فإن ثمة تساؤل آخر يحير العلماء، ألا وهو بأية لغة تحدث آدم عليه السلام؟ فكما فشل المختصون في الوصول إلى جواب شاف عن كيفية نشأة اللغة فإنهم حتى الآن لم يستطيعوا أن يحددوا اللغة التي تكلم بها أبو البشر.

وأيا كانت تلك اللغة فإن ثمة محاولات هنا وهناك لإثبات أن لغة بعينها من اللغات التي نعرفها كانت هي لغة أبينا آدم عليه السلام. وبالتوازي مع تلك المحاولات فإن مجهودات أخرى بذلت وتبذل لإثبات أن لغة بعينها هي أصل اللغات الأخرى التي لا تعدو أن تكون مشتقة منها. ففي عالمنا العربي مثلا نشرت عدة كتب ومقالات تحاول أن تبرهن على أن اللغة العربية هي اللغة التي كان يتخاطب بها آدم عليه السلام وأن كل اللغات الأخرى مشتقة منها.

ومن أمثلة ما نشر حول الموضوع مقال متداول على النت للراحل مصطفى محمود وكتاب بعنوان لغة آدم عطاء أبدي لبني آدم لمحمد رشيد ناصر ذوق وكتاب آخر بعنوان اللغة العربية أصل اللغات كلها لعبد الرحمن البوريني.

وجل هذه المقالات والكتب نتاج لمجهود رائع حاول فيه مؤلفوها أن يتتبعوا الكثير من الكلمات المستخدمة في عدة لغات ومقارنتها بأصلها العربي الذي غالبا ما يحمل ذات المعنى. ومن يطلع على القوائم التي نشرت بهذا الصدد لا يسعه إلا أن يتعجب من تلك الهمة العالية التي تحلى بها هؤلاء الباحثون، لأن تتبع الكلمات يتطلب صبرا ومعرفة عميقة ليس باللغات الأجنبية فقط وإنما باللغة العربية أيضا.

ولكن اللافت للنظر أن جميع تلك الكتابات، على حد علمي، لم تقارن سوى بين اللغة العربية وبضعة لغات تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة كالانجليزية والفرنسية والألمانية وأحيانا السنسكريتية لغة الهند القديمة التي تنحدر من نفس الفصيلة التي تنحدر منها غالبية اللغات الأوروبية. وهذا يعني أنه لا يمكننا أن نتستنتج أن اللغة العربية أم اللغات بناء على مقارنتها ببضعة لغات تنتمي إلى نفس الفصيلة.

لكن مؤلفي الكتب المشار إليها أعلاه استنتجوا أن اللغة العربية أصل اللغات ولغة آدم دون إجراء مقارنات مع لغات أخرى، ورغم أن الأستاذ عبد الرحمن البوريني أشار في كتابه إلى أنه لا يمكن أن نقول بأن اللغة العربية أصل لغات العالم أجمع دون مقارنتها بلغات أخرى غير الانجليزية التي ركز عليها في كتابه، إلا أن عنوان كتابه لا يبين ذلك على الإطلاق، فبدلا من أن يسمي كتابه اللغة العربية أصل اللغات كلها، كان الأولى أن يسميه مثلا اللغة العربية أصل اللغة الانجليزية.

والشاهد هنا أننا بصدد مشكلة حقيقية نابعة من موجة التغريب العاتية الذي نعاني منها منذ عشرات السنين، فلقد صرنا اليوم نرى أن العالم ينحصر في العالم الغربي فقط، وأن ما سوى ذلك ليس جديرا بالاهتمام ولا يجب أن يذكر سوى على الهامش، فالاحصائيات التقريبية تقول أن هناك حوالي ستة آلاف لغة تنتمي إلى عدة فصائل، ولا تنتمي اللغات الأوروبية محل المقارنة إلا فصيلة واحدة وهي فصيلة اللغات الهندية الأوروبية التي تضم لغات كالأسبانية والفرنسية والانجليزية والألمانية والروسية والكردية والفارسية والأردية والبنغالية وأغلب لغات الهند عدا الجزء الجنوبي منها.

والسؤال هنا هو: أين ذهبت بقية لغات العالم؟ أين ذهبت لغات شرق وجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى؟ أين ذهبت لغات أفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية؟ لماذا لا نقارن لغتنا العربية بلغات كالصينية أو الإندونيسية أو التركية أو الفولانية أو الكتشوا؟ أليست هذه لغات حية يتحدث بها بشر ينحدرون من سلالة أبينا آدم عليه السلام؟ أم أن أسلافهم جائوا بمركبات فضائية من كواكب أخرى واستوطنوا الأرض؟

إن من أكثر آثار التغريب الذي عشناه ونعيشه سلبية أن كثيرا منا صار يعتقد أن الانفتاح على الخارج يعني الانفتاح على الغرب وحتى الانقياد له، لدرجة أن أحدنا عندما يقول أنه مسافر إلى الخارج نفهم مباشرة أنه مسافر إلى أوروبا أو أمريكا مثلا. وعندما نتحدث عن المدارس الأجنبية يتبادر إلى الذهن مباشرة دون لبس أن التدريس في تلك المدارس يتم بلغات غربية كالانجليزية والفرنسية مثلا، حتى أضحت بعض المدارس من هذا النوع تسمى في مصر مدارس اللغات والأدق أن تسمى بمدراس اللغات الغربية. وباختصار فإن كلمات مثل الخارج وعالمي ودولي أضحت مرادفة في كثير من الأحيان لكلمة غربي. (راجع ما كتب عن فقه التحيز للاستزادة).

وإذا أسقطنا هذا الكلام على تعلم اللغات في بلداننا لوجدنا أن تعلم اللغات الأجنبية أضحى مرادفا لتعلم اللغات الغربية، إذ تجد أحدنا يتعلم الانجليزية، ثم إذا ما أتقنها وأراد أن يتعلم لغة أخرى عرج على الفرنسية أو الألمانية أو الأسبانية أو الروسية وهكذا دواليك.

ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى الكف عن تعلم تلك اللغات أو نبذها، ولكني أدعو ألا نضع البيض كله في سلة واحدة. ومن يراجع عدد من يتعلم منا لغات غير اللغات الغربية لوجدنا أنه لا يذكر، وهذه مشكلة تعكس إلى حد كبير نظرتنا إلى الغرب على أنه المنبع الوحيد الذي ينبغي أن ننهل منه وأن غيره ليس لديه ما يستحق العناء الذي يتكبده متعلم أية لغة اجنبية.

وكما أنني لا أدعو إلى غلق الباب على الغرب فإنني لا أدعو إلى فتحه على مصراعيه أمام الثقافات الأخرى مثلما ما يتردد هذه الأيام عن أهمية تبني تجارب بلدان كاليابان والصين أو غير ذلك من التجارب التي نجحت في بلاد غير غربية، إذ يتوجب علينا أن ندرك أننا قبل أن ننفتح على الخارج من جهاته الأربع فإن علينا أن ننفتح على الداخل وننغمس فيه ونعرف تفاصيله ومداخله ومخارجه ونفهم طبيعته بعمق ووضوح، مما يجعل من اليسير علينا أن نوجد حلولا لمشاكلنا اعتمادا على أنفسنا ولكي تصبح الاستفادة من الخارج على تنوعه على سبيل الإضافة لا الإحلال.

وإذا عدنا إلى الموضوع الأصلي الذي بدأنا به المقال، فإنني أرى بالفعل أن هناك تشابها يصعب إنكاره بين العديد من مفردات اللغة العربية وبعض اللغات الأوروبية كما ورد في الكتابات التي تعنى بهذا الشأن، ولكني لست متأكدا إذا ما كان هذا التشابه يصل إلى حد إثبات أن اللغة العربية أصل اللغة الانجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من لغات أوروبا. كما أنني لا يهمني كثيرا إثبات أن اللغة العربية أم اللغات، ليس لكوني أنتقص من شأنها، ولكن لأن اعتزازي بها ينبع من كونها لغتي التي ليس لدي سواها ولأنني لا يمكن أن استبدلها بلغة أخرى لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصل حد إتقاني لها وتمكني منها وشعوري بامتلاك ناصيتها إلى إتقاني وتمكني من اللغة العربية وشعوري بامتلاك ناصيتها.

ولذا فإن تمسكنا بلغتنا لا ينبغي أن ينبني على أساس أنها أقدم اللغات أو أفضلها أو أفصحها أو أكثرها جذورا أو ما إلى ذلك من معايير، لأن ذلك يعني أننا إذا اكتشفنا العكس صار تركها إلى اللغة التي تلبي تلك المعايير مقبولا ومستساغا. والخلاصة أنني إذا سألني أحدهم لماذا أتمسك باللغة العربية، كان جوابي: لأنها لغتي وكفى.

السبت، 31 ديسمبر 2011

حروفهم في لغتنا

لو قدر لعربي من الماضي أن يبعث من جديد ويتصفح بعضا مما يكتبه عرب اليوم لهاله أمر عجيب يمر على الكثير منا مرور الكرام، ألا وهو استخدام كلمات أجنبية بحروف أجنبية عادة ما تكون انجليزية أو فرنسية في متن الكتابات العربية. ولو سأل عربي الماضي كتاب الحاضر لماذا يرتكبون فعلتهم هذه لأجاب كثير منهم بأن الهدف من ذلك توضيح مقصود الكاتب، ولضحك عندها عربي الماضي من تلك الإجابة العجيبة، فهل يعقل أن يستخدم أحدهم كلمة أجنبية بحروف أجنبية لإيضاح كلمة عربية للقراء العرب؟؟

ولأن شر البلية ما يضحك، فإنه حري بنا أن نحلل تلك البلوى لنعرف بعضا من آثارها السلبية على لغتنا وعقولنا وثقافتنا، والتي من أهمها الآثار الثلاثة التالية:

١- يؤدي استخدام الكلمات الأجنبية بجانب مقابلاتها العربية إلى شعور الكاتب بعدم أهمية انتقاء الترجمة المناسبة للكلمات الأجنبية ظنا منه بأن القارئ إن لم يفهم ترجمته العربية السيئة أو الركيكة فسيفهم مقصوده من الكلمة الانجليزية أو الفرنسية الملاصقة للكلمة العربية. وغالبا ما يؤدي ذلك أيضا إلى جعل الكلمة العربية غير قادرة على الخروج من جلباب نظيرتها الأجنبية. ومثال ذلك السياسة التي تتبعها تركيا مع جيرانها والتي يعبر عنها الكثير من الكتاب العرب بترجمات مثل "صفر مشاكل" و"صفر مشكلات" و"صفر مشكلة"، وكلها ترجمات تحمل قدرا هائلا من الركاكة يجعلنا نظن أن مستخدميها لا يفقهون من العربية شيئا، وما هم كذلك، ولكنه الأصل الانجليزي الذي لم يستطع المترجمون التخلص من قيوده والفكاك من أسره.

٢- في كثير من الأحيان يمكن أن يكون المقابل العربي للكلمة الأجنبية مفهوما لكونه ترجم ترجمة جيدة، ولكن إصرار مستخدميه على إلحاق المقابل الأجنبي به يجعل من العسير أن يرسخ في الذاكرة بمفرده دون وصاية من الكلمة الأجنبية. ومثال ذلك ما ذكره أحدهم أنه سأل أستاذه سؤالا عن التخطيط، فلم يفهم الأستاذ مقصوده حتى ذكر له المقابل الانجليزي للكلمة، وذلك رغم أن كلمة تخطيط شائعة فضلا عن أنها ليست بمصطلح أصلا، ولكنه سحر الكلمات الأجنبية التي تقلب المعايير وتجعل البديهي مستغربا بل مستهجنا أحيانا. (شاهد هذا المقطع لترى كيف أن المتحدث لم يستطع أن يتذكر كلمة دورة مكثفة بسبب ارتباط ذهنه بنظيرتها الانجليزية).

٣- من أخطر ما يمكن أن يؤدي إليه استخدام الكلمات والحروف الأجنبية في الكتابات العربية أن تحاط تلك الكلمات بهالة وأهمية مبالغ فيها، مما يجعل البعض يتوهم بأنها طلاسم من خوارق العلم الذي لا طاقة لنا به، وذلك رغم أنها في أغلب الأحيان ليست كذلك، خصوصا أن الكثير من تلك الكلمات ليست بمصطلحات علمية أصلا. وغالبا لا تترك تلك الهالة أثرا على النفس لمجرد أن القارئ رأى بضعة أحرف أجنبية بضعة مرات، ولكن تكرار رؤية تلك الأحرف على مدار أعوام طوال في عدة كتابات هو ما يجعل النفس والعقل يحيطان تلك الكلمات بهالة يمتد أثرها بعد ذلك إلى تعظيم الغرب والإيمان بعصمته أحيانا، وذلك بسبب أن أغلب تلك الكلمات المقحمة في الكتابات العربية إما انجليزية أو بدرجة أقل فرنسية.

وقد ذكر الإمام الغزالي في بداية كتابه تهافت الفلاسفة أن أحد أسباب ضلال العديد من الفلاسفة من أمة الإسلام " سماعهم أسامي هائلة كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وأمثالهم". والشاهد هنا أن الأسماء الأجنبية تجعل الكثيرين يعظمون أقوال حامليها ظنا منهم برجاحة عقولهم. والفرق بين عصرنا وعصر الإمام الغزالي أن الأسماء الأجنبية كانت تكتب في الماضي بحروف عربية، بينما تجاوزنا نحن عرب اليوم ذلك بإضافة الحروف الأجنبية.


خاتمة
قد يظن البعض أن الحديث عن الظاهرة المذكورة أعلاه ليس سوى ترف فكري لا أولوية له في زمننا هذا، وهذا ليس بصحيح، وذلك لأن إقحام الكلمات الأجنبية بأحرفها اللاتينية في الكتابات العربية غيض من فيض من ممارسات عديدة تعكس التعلق بالغرب والانقياد له، وبالتالي فإن تلك الظاهرة جزء من بلاء أعم ينبغي التصدي له ومقاومته من أجل المضي قدما في مسيرة الاستقلال التام على جميع الأصعدة، والذي نتمنى أن نراه يتحقق عاجلا قبل آجل، وما ذلك على الله ببعيد.

الأربعاء، 30 نوفمبر 2011

جوائز الغرب


في بداية شهر أكتوبر من عام ٢٠١١ قررت اللجنة النرويجية المسؤولة عن جائزة نوبل للسلام منح الناشطة اليمينة توكل كرمان الجائزة لهذا العام بالاشتراك مع رئيسة ليبيريا وإحدى الناشطات الليبيريات. وفور إذاعة الخبر انهالت التهاني والتبريكات على توكل كرمان وعلى اليمن من المهنئين الذين اعتبروا أن الجائزة ليست تكريما لليمن فقط، وإنما جاءت أيضا في الوقت المناسب، حيث تدخل الثورة اليمنية مرحلة كسر العظام بين الشعب اليمني وعلي عبد الله صالح وزمرته، وحيث يرى البعض أن حصول توكل كرمان على الجائزة من شأنه أن يسلط الضوء على كفاح الشعب اليمني ضد الطاغية، وخصوصا أنها تشارك في هذا الكفاح بفعالية.

ورغم ذلك إلا أن بعض الأصوات ارتفعت لتبدي عدم سعادتها بحصول توكل كرمان على الجائزة، وذلك لأسباب مختلفة، حيث حاول البعض التقليل من شأن الحدث بدافع الحقد والحسد، وتسائل البعض الآخر عن الدوافع وراء قرار منح الجائزة للناشطة اليمنية وفي هذا التوقيت بالذات.

وإذا تجاهلنا أصوات الحساد والحاقدين التي لا قيمة لها، فإنه لا يسعنا أن نتجاهل أصوات من تسائلوا عن دوافع الغرب، وذلك لأن تاريخنا مع الغرب يجعلنا لا نكاد نصدق أنه يمكن أن يتعامل معنا بما يرضي الله، خصوصا وأن اللجنة المانحة للجائزة قالت وبكل وضوح أن الجائزة منحت لتوكل كرمان مكافأة لها على دورها في النضال السلمي من أجل سلامة وأمن المرأة وحقها في المشاركة الكاملة في تحقيق السلام، ولأنها كانت قبل وأثناء الثورة عنصرا رئيسيا وفاعلا في نضال المرأة لتحقيق الديمقراطية والسلام في اليمن.

ولإن ذكر مانحو الجائزة الثورة والديمقراطية، إلا أنهم صدروا لنا ذات الخطاب القديم المتعفن الذي ينادي بحقوق المرأة وما إلى ذلك من اسطوانات مشروخة اعتاد الغرب أن يشنف بها آذاننا صباح مساء.

وإذا تركنا سبب منح الجائزة جانبا حتى لا نتهم من قبل عشاق الغرب بأننا ممن يتبنون نظرية المؤامرة فإنه لا يسعنا إلا أن نسجل اعتراضنا على الجائزة من وجهين.

أول هذين الوجهين هو أن مصداقية مانحي الجائزة أقل ما يقال عنها أنها مشكوك فيها، وذلك لأن الجائزة منحت لشخصيات لا تمت إلى السلام بصلة مثل هنري كسنجر ومناحم بيجن وإسحاق رابين وشيمون بيريز وأخيرا أوباما، وكل هؤلاء متورطون في جرائم قتل واحتلال دول وممارسات أبعد ما تكون عن السلام.

كما أن هناك جانبا آخرا لوجه الاعتراض على الجائزة من حيث مصداقيتها، وهو أن الجائزة منحت للسادات وعرفات نظير توقيعهما اتفاقيات الاستسلام مع الكيان الصهيوني. كما منحت الجائزة قبل ذلك لأسباب سياسية بحتة، حيث أعطيت عام ١٩٨٣ لأحد القادة العماليين في بولندا نظير معارضته النظام الشيوعي آنذاك، ومنحت عام ٨٩ للدلاي لاما لمعارضته النظام الصيني، وبعد ذلك لجوربتشوف عام ٩٠ لدوره في تغيير النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي السابق، وللمعارضة المينمارية سان سو عام ٩١، ولشيرين عبادي عام ٢٠٠٣ لمعارضتها النظام الإيراني، وأخيرا للمعارض الصيني ليو شياوبو عام ٢٠١٠.

ومن هنا يتضح جليا أن الجائزة لا تمنح لغير الغربيين إلا لمن يحقق السلام من وجهة النظر الغربية، حيث أن كل الفائزين بالجائزة المذكورين أعلاه عارضوا حكومات ليست على اتفاق مع الغرب، باستثناء السادات وعرفات الذين عارضوا شعوبا تأبى الهيمنة الغربية. وبما أن مانحي الجائزة أبعد ما يكونون عن الحيادية، فإن الحصول على الجائزة لا يجب أن يكون مدعاة للفخر أو الزهو.

أما الوجه الثاني للاعتراض على الجائزة فليس موجها لمانحيها وإنما لممنوحيها، ولست أتحدث هنا عن توكل كرمان أو من تمنح أو منحت له الجائزة شخصيا، وإنما عن كل من يرى أن منح الجائزة لعربي أو عربية مدعاة للشعور بالبهجة السرور. ووجه الاعتراض هنا أن هناك أناسا من بني جلدتنا، وهم كثر، لا يشعرون بقيمة المرء إلا اعترف به من قبل الخواجات، وذلك بسبب الشعور بالدونية والانبهار بالغرب. والمشكلة ليست في عقدة النقص فقط، وإنما تتجاوز ذلك، حيث أن أحدهم قد يكرمه الغرب بينما أثره على وطنه سلبي، مثل نجيب محفوظ، والذي رغم أن أعماله تعج بالانحرافات الفكرية والخٌلقية، إلا أن حصوله على جائزة نوبل للأدب يجعل من العسير إقناع الكثيرين بأن أدبه مليء بقلة الأدب.

وفي ذات الوقت نجد أن الكثيرين لهم أثر طيب وكبير على بلدهم ولكنهم ليسوا ذائعي الصيت، مثل المناضل التونسي الصادق شورو والذي قضي في سجون بن علي أكثر من ثمانية عشر سنة منها ثلاثة عشر سنة كاملة في الحبس الانفرادي. والسؤال هنا هو: كم من غير التوانسة سمع بالصادق شورو مقارنة بعدد غير اليمنيين الذي يعرفون توكل كرمان الآن؟

وختاما فإنني لست أدعو هنا إلى تجاهل دور توكل كرمان في الثورة اليمنية أو دور غيرها من الصادحين بالحق في وجوه الظلمة والطغاة، وإنما أتمنى أن يأتي اليوم الذي نقيم فيه المناضل وعطائه بميزاننا نحن لا بميزان الغرب المعوج.