الاثنين، 31 مايو 2010

هل هناك تلازم بين ازدهار الحضارة وقوة اللغة؟

شاعت في عصرنا هذا العديد من الأفكار التي غدت شبه مسلمات تسهم في بث الروح الانهزامية بين الناس وتبرر لهم عبثية الإصلاح وتزهدهم في مقاومة الفساد القائم في الداخل والقادم من الخارج. والمشكلة أن بعض هذه الأفكار فيها شيء من الصحة، ولكنها في أغلب الأحيان تعمم خارج نطاقها دون أية محاولة تذكر للتفصيل والتحقق مما إذا كانت تستخدم في سياقها الصحيح أم لا.

ومن هذه الأفكار التي أضحت شبه مسلمات ما انتشر بين الكثيرين من أن اللغة تنهض إذا نهض أهلها وصار لهم حضارة وتضمحل إذا ذبلت حضارتهم وخفت بريقها.

وهذا الكلام الذي فيه جانب من الصواب يستخدم اليوم لتبرير النفوذ الذي تملكه لغات أجنبية كالإنجليزية والفرنسية في بلادنا العربية ولإقناعنا أن لغتنا العربية لن تقوم لها قائمة إلا إذا صارت لنا حضارة من جديد. وعليه فإن الكثيرين باتوا يعتقدون أن المطالبة بتعريب الحياة العامة في بلادنا العربية في جميع القطاعات كالاقتصاد والتعليم يعد ضربا من العبثية وخطأ في ترتيب الأولويات، لأن صعود الحضارة حسب رأيهم يسبق صعود اللغة.

ولكننا لو اختبرنا الفرضية المذكورة أعلاه وحاولنا التأكد من مدى صحتها سواء في الماضي أو الحاضر لوجدنا أنها تخالف تاريخنا وتخالف أيضا نموذجا حيا نعيشه اليوم.

فمن الناحية التاريخية نجد أن اللغة العربية كانت قوية داخل بيئتها في العصر الجاهلي، وذلك بالرغم من أن العرب لم تكن لهم حضارة في ذلك العصر. لا بل إن عرب الجاهلية رغم مجاورتهم للامبراطوريتين الفارسية والرومانية لم يتخلوا عن لغتهم، بل برعوا في استخدامها لدرجة أن الله سبحانه وتعالى تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن الكريم. وهذا يعني أن اللغة كانت من أعظم المجالات التي برز فيها العرب في الجاهلية دون أن تكون لهم حضارة.

ولذلك فإن الأستاذ أحمد الضبيب يفرق في مقابلة له بين قوة اللغة داخل بيئتها وتأثيرها خارجها، فاللغة يمكن أن تكون مسيطرة داخل بيئتها حتى وإن لم يكن للمتحدثين بها حضارة، فإن قامت تلك الحضارة صار من الممكن أن يكون للغة تأثير خارج بيئتها.

وليس شرطا أن يتمثل هذا التأثير في قهر لغة لأخرى وحلولها محلها، فهذا لا يتم إلا توفرت عدة عوامل نناقشها في مقال آخر إن شاء الله. وإنما يمكن أن يكون ذلك التأثير محدودا بحيث تحتفظ كل لغة بكينونتها، فالفارسية رغم تأثرها بالعربية إلى حد كبير ظلت لغة مختلفة عن اللغة العربية بحيث لا يمكن لمتحدثي اللغتين التفاهم مستخدما كل لغته. وينطبق هذا على لغات أخرى تأثرت بالعربية كالتركية والسواحيلية والأردية والأندونيسية.

وحتى لا نخرج خارج إطار الموضوع فإن النتيجة التي يمكن أن نصل إليها هنا أنه إذا ازدهرت حضارة قوم فإنه يمكن للغتهم أن يكون لها تأثير في الخارج. أما إذا ذبلت حضارتهم فإن لغتهم يمكنها أن تبقى حاضرة بقوة متسيدة بيئتها، هذا بالطبع إن لم يبادر أبنائها بالتفريط فيها كما هو حاصل في كثير من الأقطار العربية اليوم.

أما إذا نظرنا إلى واقعنا اليوم لوجدنا أن دولة مثل سورية لها باع طويل في تعريب العلوم مقارنة بغالبية الدول العربية. والعجيب في الأمر أن هذه التجربة السورية في تعريب العلوم بدأت منذ فترة طويلة وفي ظروف غير مواتية خلال عهد الدولة العثمانية وحقبة الاستعمار الفرنسي بعده. ولم تدرس الجامعات الحكومية السورية العلوم بالفرنسية لغة الاستعمار أو بالإنجليزية منذ نشأتها، وما زالت حتى يومنا هذا تتخذ العربية لغة لتدريس جميع التخصصات.

ومما يثبت أنه ليس هناك تلازم بين ازدهار الحضارة وسيطرة اللغة داخل بيئتها أن سورية حالها حال الدول العربية الأخرى عاشت وما تزال تعيش عصر انكسار الحضارة الإسلامية، كما أن بها قدرا لا يستهان به من مظاهر التغريب. أضف إلى ذلك أن سورية ليست دولة كبيرة بحجم مصر مثلا، وأن التعريب فيها منفصل عن الإسلام انفصالا كبيرا على المستوى الرسمي على الأقل، وأنها شهدت في الفترة الأخيرة افتتاح عدد من الجامعات الخاصة التي تدرس بغير العربية، وأن اقتصادها يعاني من العديد من المشاكل. ولكن بالرغم من كل هذه المعوقات وغيرها فإن اللغة العربية لا تزال مسيطرة إلى حد كبير في سورية إذا ما قارناها بغالبية البلاد العربية الأخرى من ناحية التعليم العالي، وخصوصا بالنسبة إلى التخصصات العلمية.

وخلاصة القول أن النموذج السوري على الرغم من المصاعب التي تواجهه يظهر لنا أن التمكين للعربية داخل بيئتها لا يلزمه بالضرورة حضارة مزدهرة.

لا بل يمكننا أن نلاحظ أن اللغة العربية تشكل حالة نادرة من حيث أن الطلب عليها ما زال مرتفعا نسبيا بالرغم من انزواء الحضارة التي تمثلها، إذ لا يزال العديد من المسلمين من غير العرب يسعون إلى تعلمها داخل وخارج بيئتها مدركين أن الإلمام بها يعينهم على فهم دينهم فهما أعمقا، وذلك بالرغم من أن المردود المادي لمعرفة اللغة العربية أقل في كثير من الأحيان من المردود المادي لبعض اللغات الأخرى.

ومن هنا نستطيع أن نجيب على السؤال الذي عنونت به هذا المقال بالنفي، فليس هناك تلازم بين ازدهار الحضارة وقوة اللغة، على الأقل بالنسبة للغة العربية محور هذا المقال. ومعنى ذلك أن لغتنا العربية يمكنها أن تسود كل مناحي مجتمعاتنا حتى وإن قل تأثيرها في الخارج، وحتى وإن كانت حضارتنا تشهد ضعفا. وعليه فإننا إن سقمنا وسقمت معنا حضارتنا، فلا يجب أن نبادر متطوعين إلى قتل لغتنا بأيدينا. وكما يقول المثل السوداني: العافية درجات.


الجمعة، 30 أبريل 2010

مخاطر الترجمة وضوابطها

تعتبر الترجمة من أهم العوامل التي تساعد الأمم على المضي قدما نحو التطور والازدهار، حيث تستطيع كل أمة عن طريقها أن تنقل أهم ما وصل إليه الآخرون إلى لغتها حتى تتيح تداوله بين أفرادها لكي لا يكون العلم دولة بين من يتقنون اللغات الأجنبية دون غيرهم.

وكما هو معروف فإن على المترجم أن يراعي ثقافة اللغة التي ينقل إليها أحد الكتب، بحيث تكون ترجمته إضافة قيمة وبناءة للعلم في أمته. ولذلك يدعو الأستاذ طه عبد الرحمن في كتابه "الفقه والفلسفة ١- الفلسفة والترجمة" إلى ما يسميه الترجمة التأصيلية، وهي ترجمة تراعي الضوابط التي تفرضها طبيعة المجتمع المنقول إليه أعمال أقوام آخرين من الناحية اللغوية والعقدية والمعرفية فتنفي بتأصيليتها عملية النقل، وهي بذلك كما يقول الأستاذ طه عبد الرحمن "تحرص على ألا يفوتها شيء مما ينفع في تقوية التفلسف عند المتلقي ولو كان ذلك يوجب تغطية الصفات الأصلية للمنقول، بل محوها بالمرة، لأن العبرة هنا ليست بالحكاية عن الغير، وإنما بتمكين الذات من الممارسة الفكرية" (صفحة ٤٠٥). وبالرغم من أن الأستاذ طه عبد الرحمن تحدث عن ترجمة الفلسفة بصورة أساسية فإن ما قاله عن مفهوم وأهمية الترجمة التأصيلية يمكن تعميمه إلى حد كبير على باقي فروع المعرفة.

وإذا نظرنا إلى واقع الترجمة إلى اللغة العربية في عصرنا هذا لوجدنا أن مجموع ما يترجم إليها من لغات أخرى ضئيل ودون المستوى المنشود. ولكن هذا لم يمنع الكثيرين من أن يضيفوا إلى لغتنا ما يزعزع أركانها ويشوه جوهرها.

وإذا تابعنا كتابات بعض المعاصرين فإننا نجد أن العديد منهم يكتبون بالعربية ويفكرون باللغات الأجنبية، سواء كانوا يترجمون منها أم لا، مما يؤدي إلى ظهور نصوص ظاهرها العربية وباطنها الإنجليزية أو الفرنسية. وعلى سبيل المثال نجد أن الكثير ممن يهاجمون الإسلاميين يتهمونهم بأنهم يريدون أن يعودوا بنا إلى القرون الوسطى كناية عن التخلف، وذلك بالرغم من أن ما يسميه الغربيون القرون الوسطى كان عصر تخلف وتأخر للغرب وليس للمسلمين الذين كانت حضارتهم مزدهرة آنذاك.

وكما ذكرت في مقال سابق فإن للأستاذ علي درويش عدد من الدراسات التي يتناول فيها تلك الظاهرة.

أما بخصوص نوعية المواد التي تترجم إلى اللغة العربية فإن الكثير منها مما دخل المكتبة العربية منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا كان ذا محتوى مخالف لروح فكرنا العربي الإسلامي. وهذا ما عبر عنه المرحوم أنور الجندي في إحدى رسائله المعنونة "محاذير وأخطاء في مواجهة إحياء التراث والترجمة" حيث يقول:

إن معركة الترجمة لم تبدأ من منهج صحيح مدروس ينظم مدى ما نحتاجه وما لسنا في حاجة إليه، وإنما أخذ التغريب والغزو الثقافي بالمبادرة ومضى يقدم لنا على مدى قرن كامل نتاجاً سيئاً غاية السوء، قوامه ترجمة القصة المكشوفة الأجنبية، والتراث اليوناني الوثني، والمفاهيم المادية والإباحية في مجالات علم النفس والاجتماع والأخلاق والتربية. وقد قدمت لنا هذه الآثار على أنها علوم أصيلة وليست فروضاً قابلة للخطأ والصواب أو وجهات نظر تمثل أممها وأصحابها، ولم تسبق هذه الدراسات أو تلحق بما يكشف أمام القارئ العربي والمسلم مكانها من فكر أمتها وموقفنا كفكر له منهج متكامل جامع منها، وبذلك زيفت هذه الترجمات كثيراً من العقول وأفسدت كثيراً من النفوس وخلقت أجيالاً مضطربة لأنها استطاعت أن تقرأ الفكر الغربي (القائم على عقائد ومفاهيم وقيم وإيديولوجيات) تختلف عن فكرنا الإسلامي العربي وكان القائمون على هذه الأعمال في الأغلب من خصوم هذه الأمة وفكرها ومن الراغبين إلى اتخاذ سلاح الترجمة سبيلاً إلى هدم هذه المقومات.

ومن هنا يتضح لنا أن مجرد نقل أفكار من لغة ما إلى لغتنا العربية ليس كافيا، إذ ينبغي أن تكون الكتابات المترجمة موافقة للثقافة العربية الإسلامية روحا ونصا، لا نصا فقط. وهذا ما عبر عنه الأستاذ محمد سليم قلالة في كتابه "التغريب في الفكر والسياسة والاقتصاد"، إذ يؤكد أن الغاية من تعريب العلوم لا يجب أن يكون مجرد "إحلال أداة محل أخرى، كما حدث في العلوم الإنسانية، عندما أصبح نفس المحتوى يقدم بلغة جديدة (مهشمة). فتغيير الأداة ليس إلا بداية الطريق نحو تأصيل العلوم" (صفحة ٧١).

وبالرغم من أن هذه التحذيرات أطلقت في القرن الماضي، إلا أن ما هو واضح جلي لنا أن الكثير من القائمين على مشاريع الترجمة لم يعيروها اهتماما. ففي بداية القرن الواحد والعشرين صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام ٢٠٠٣، وكانت الترجمة إحدى النقاط التي ذكرت في التقرير، حيث وردت فيه إحصائية تقول أن متوسط الكتب المترجمة لكل مليون عربي لا يتجاوز ٤‚٤ كتاب، وهذا عدد متواضع جدا قياسا بعدد متحدثي العربية ومقارنة مع بعض اللغات التي لا يتحدثها سوى عدد محدود من الناس.

ومن أجل إصلاح هذا الخلل قامت عدة جهات بإطلاق مبادرات لزيادة عدد الكتب المترجمة إلى العربية. وعلى سبيل المثال أطلقت إمارة دبي برنامج 'ترجم'، وأطلقت أبو ظبي مشروع 'كلمة'. وقد صدر بالفعل من هذه المشاريع عدد من الكتب، ولكن نظرة خاطفة على تلك الإصدارات تثبت أن غالبية الكتب المترجمة تقتصر على كتب العلوم الإنسانية والآداب والثقافات، أي أن ريمة عادت لعادتها القديمة.

وفي هذا الصدد يصف الأستاذ وليد خليفة هذه الكتب في مقاله مصيبة مشاريع الترجمة الحديثة بأنها غير مفيدة على الإطلاق ولا قيمة لها ولا مردود. وهو بالطبع محق إلى حد بعيد، ولكن تلك الكتب علاوة على قلة فوائدها كثيرا ما تحمل في طياتها العديد من الأفكار الأجنبية التي تتعارض جزئيا أو كليا مع روح فكرنا العربي الإسلامي، أي أن ضررها أكبر من نفعها بكثير.

وإذا تصفحنا عناوين الكتب التي تترجم تحت إشراف المركز القومي للترجمة بمصر للاحظنا أن جلها يندرج تحت إطار الفكر والثقافة وليس العلوم والتقنية. وهذا أمر غريب مثير لكثير من علامات الاستفهام، ولكن الأغرب من ذلك أنك إن زرت موقع المركز القومي للبحوث والذي يختص بأبحاث العلوم الطبيعية بأرض الكنانة لوجدت أن كل صفحاته باللغة الانجليزية، وكأن تعريف زوار الموقع من المصريين والعرب بنشاطات المركز أمر لا يعني القائمين عليه، وكأن المركز يقع في لندن أو بوسطن وليس في قاهرة المعز. والسؤال الذي يطرح نفسه بداهة هنا هو: هل يعقل أن يقوم المركز القومي للترجمة بنقل مئات من الكتب إلى اللغة العربية وتترك صفحات موقع مركز علمي يعرف بالقومي قائمة بلغة أجنبية؟

ولست أزعم هنا أن كل كتب العلوم الإنسانية والآداب المرتبطة بثقافات مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا غير مفيدة على الإطلاق، إذ يمكننا أن نجد فكرة هنا أو مفهوما هناك يناسب روح فكرنا الأصيل، ولكن تمحيص تلك الكتب ينبغي أن يقوم به أناس ليس لديهم عقدة الخواجة أو هواية تأليه اليابانيين، أي أنهم أناس لا يتركون الانبهار بكل ما هو آت من الخارج وتبجيل ما يصل من وراء البحار يحطمان استقلالهم الفكري. والمنتمون إلى هذه الفئة الواعية المستقلة المعتزة بذاتها المتبحرة في تاريخ أمتها والمدركة طبيعة احتياجاتها الحاضرة والمستقبلية أضحوا اليوم عملة نادرة ترفضها أغلب الحكومات وتقمعها تارة وتجيش لها أدواتها من اللبراليين الذين يريدون تغريب مجتمعاتنا إما عن سوء نية أو عن جهل بطبيعتها تارة أخرى.

وإذا عدنا بذاكرتنا إلى الوراء ونظرنا في تاريخ الترجمة لدينا نجد أن ترجمة الفلسفة اليونانية في العصر العباسي تسببت في هزات عقائدية لدى بعض المسلمين، ولكن وجود تيار واع بما هو أصيل وما هو دخيل مكن علماء أجلاء مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن خلدون من محاربة الجوانب السيئة للفلسفة ومن ثم إبعادها عن الإلهيات وحصرها في الطبيعيات (راجع مقدمة ابن خلدون، فصل "في إبطال الفلسفة و فساد منتحلها").

وما كان من الممكن لتيار الأصالة أن يتغلب على وثنيات الفلسفة اليونانية ويدجنها لو كان قادته لا يعتزون بحضارتهم ولا يدركون جوهرها ويلهثون وراء كل فكر يرد من الخارج وينزهون كتابه عن الخطأ والزلل.

ولذا فإن الترجمة لدينا يجب أن يصحح مسارها وأن تركز على العلوم الطبيعية مع مراعاة أهمية تأصيلها ونزع النظرة المادية منها واختيار كتبها التي تتفق مع أولويات أمتنا وتلبي احتياجاتها التطبيقية (راجع مقال هوية العلوم). وكما يذكر الأستاذ وليد خليفة فإن المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق له نشاط يشكر عليه في مجال ترجمة العلوم الطبيعية، وقد يكون ذلك عائدا إلى أن التعليم العالي الحكومي معرب بالكامل في سورية.

أما كتب الثقافات الإلحادية والفكر الدخيل فإن العديد منها لا يصلح لنا ولا يساهم سوى في تدمير فكرنا بتغريبه وفي إضاعة جهدنا وأموالنا. ولذلك فإن ترجمة شيء من تلك الكتب يجب أن يكون بغرض النقد وتعرية المضمون المنحرف وبيان علله والتحذير منه، وليس من أجل الانقياد لها والتسبيح بحمد كتابها. وقد يكون من الأنجع التوجه صوب كتب الفكر الإسلامي المكتوب بلغات كالتركية والفارسية والأردية، فهي أقرب لنا من فكر أقوام اتخذوا المادية والإلحاد دينا لهم.


الأربعاء، 31 مارس 2010

حرف القاف

في العام الماضي نشر الكاتب والمدون المعروف أشرف فقيه مقالا في مدونته تناول فيه ما وصفه بأزمة كتابة الكلمات الأجنبية التي تحتوي على صوت القاف الدارجة (القاف التي ينطق بها متحدثوا العديد من اللهجات العربية في العصر الحالي). واقترح الكاتب أن نحل مشكلة نطق كلمات مثل قوقل وعبد الله جل والغولف بإضافة حرف الگاف الذي يستخدم في الفارسية والأردية والكردية إلى أبجديتنا العربية لكتابة الكلمات الأجنبية التي بها صوت القاف الدارجة.

وعندما قرأت المقال ظننت أنه ليس سوى اقتراح عابر يمثل فكرة معزولة يندر تطبيقها، ولكني علمت فيما بعد عن طريق الكاتب والمدون ماجد الحمدان أن موسوعة المعرفة تستخدم حرف الگاف لكتابة الكلمات الأجنبية التي يرد فيها صوت القاف الدارجة، فجاليلو يكتب گاليلو. ولذا فإني هنا بصدد الرد على الحجج التي ساقها أشرف فقيه في مقاله الذي أرجو من القراء الأعزاء قراءته قبل مواصلة قراءة هذا المقال حتى لا أكون قد ظلمت الرجل بعرضي الموجز لفكرته في الفقرة الأولى من مقالي هذا. والرد الذي أود عرضه في السطور التالية ليس فقط على مقال أشرف فقيه، وإنما أتمنى أيضا أن يكون بمثابة تنبيه للقائمين على موسوعة المعرفة إلى ما يمكن أن يترتب على تبني حرف الگاف من عواقب. ولهذا الغرض أورد النقاط الآتية:

١- من البديهي أن الحروف الأبجدية لأية لغة تستخدم من أجل كتابة أصواتها الأصيلة وليس الدخيلة. ولهذا السبب استحدث الفرس حرف الگاف ليرمزوا به إلى صوت أصيل في لغتهم. والقاف الدارجة ليست بدخيلة على اللهجات العربية، فهي موجودة فيها منذ زمن بعيد نسبيا إلى درجة أن ابن خلدون تحدث عنها في مقدمته، ولكنها في ذات الوقت غريبة على اللغة العربية الفصحى حيث تحل محلها القاف الفصيحة. ولذا لا نكاد نجد اليوم متحدثا يتحدث العربية الفصحى وينطق بالقاف الدارجة خلال حديثه بها. وباختصار فإن إضافة حرف لكتابة الكلمات الأجنبية يعني أننا نغير لغتنا الفصحى من أجل الأجانب، فهل يعقل هذا؟

٢- ليس شرطا لصحة نطق الكلمات الأجنبية أن ننطقها متبعين منهج "حذو النعل بالنعل"، فهذا إما من قبيل الفذلكة أو الاستلاب اللغوي والثقافي، وذلك لأن الكلمات المستعارة يجب تحويرها بحيث تلائم نسق اللغة المنقولة إليها. وهذا ما تم في الماضي ويتم في الحاضر في العديد من اللغات حول العالم، فجل الناطقين بغير العربية لا يلفظون كلمة "انتفاضة" كما نلفظها نحن، ورجل الشارع العربي إذا سمع كلمة "ديمقراطية" يخالها عربية قحة من وقع القاف والطاء فيها. وهذا كله حفاظ على تجانس اللغة.

ويذهب أشرف فقيه إلى أن تخلفنا وضعفنا الحالي لا يسمح لنا بأن ننتصر للغة العربية ونعتز بها لأن هذا على حد قوله كلام عاطفي وغير عملي. ولكن نظرة خاطفة على التاريخ تثبت أن التخلف الحضاري لا يؤدي بالضرورة إلى الاستسلام اللغوي، فالعرب استعاروا العديد من الكلمات الفارسية قبل الإسلام، وبالرغم من تخلفهم وتقدم الفرس آنذاك فإن الكلمات الفارسية التي تبنوها حورت حتى تناسب نسق اللغة العربية. ومن أمثلة ذلك بنفسج وتاج وسمسار، بالإضافة إلى ألفاظ أخرى ورد بعضها في القرآن الكريم مثل أباريق وأسباط وإستبرق وتنور وسندس. وقد ذكر الإمام السيوطي هذه الألفاظ وغيرها مما يعود أصله إلى لغات أخرى غير الفارسية في رسالته المعنونة المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب.

ولقد كانت تلك الألفاظ قد تعربت تماما وتجذرت في اللغة العربية بحيث لم يقدح ورودها في القرآن في كونه نزل بلسان عربي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف استطاع عرب الجاهلية المتخلفون أن يطوعوا الكلمات الأجنبية لتلائم لغتهم بالرغم من ضعفهم مقارنة بالأمم التي كانت حولهم؟

ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الغرب في عصر تخلفه أخذ من اللغة العربية عددا من الكلمات التي تم تحويرها لكي تتماشى مع النسق اللغوي لكل لغة أوروبية. ولا أود أن أسرد هنا قائمة بتلك الكلمات حتى لا أتهم بأني أعيش على أمجاد الماضي. ولكن الدرس الذي يجب علينا أن نعيه هو أن الوهن والتخلف الذي عاشه العرب قبل الإسلام والغرب بعد الإسلام لم يجبر أيا منهما على تغيير لغته وحروفها لتنطق بما ليس فيها، فهلا قرأنا التاريخ؟

٣- إن إشكالية صوت القاف تكمن في أن صيغته الدارجة ليست مستخدمة في العربية الفصحى، ولهذا فإن قدرتنا على نطق الكلمات الأجنبية التي تحتوي على القاف الدارجة نابعة من لهجاتنا وليس من اللغة العربية الفصحى. وبالتالي فإن لنا أن نتخيل ما يمكن أن يقع من كوارث إذا أضفنا حرف الگاف إلى أبجديتنا.

عندها يمكن أن يحصل خلط بين القاف الفصيحة والقاف الدارجة عند كتابة الكلمات العربية الأصيلة وليس حفنة الكلمات الأجنبية التي بها صوت القاف الدارجة.
عندها سوف يزول تدريجيا حرف القاف من الكتابات العامية ومن ثم سيستبدل العديد من العرب القاف الفصيحة بالگاف الجديدة.
عندها سيكتب المصري جيمه القاهرية مستخدما الحرف الجديد كما ورد في تعليق على مقال أشرف فقيه كتب فيه أحدهم: گزاك الله الف خير, الموضوع ده مگنيني من زمان اوي.

وقد يقول قائل: ما المشكلة إذا ما تحقق هذا السيناريو؟
والإجابة هي أن حرف الگاف المقترح من المفترض أن يقتصر استعماله على الكلمات الأجنبية فقط، فإذا به يستخدم لزعزعة ركن من أركان اللغة العربية ولتعميق الفجوة بين فصحتها ودارجاتها. وكل هذا بسبب قصر النظر وقلة التبصر والتفكر في عواقب الأمور.


وإذا كان البعض يرون أن مسألة كتابة الكلمات الأجنبية التي بها حرف القاف الدارجة تشكل بالفعل مشكلة، وما هي بذلك، فلهم أن يعلموا أن هذه المسألة قد تعرض لها أبو منصور الجواليقي في كتابه المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، والذي يقول فيه التالي:

باب معرفة مذاهب العرب في استعمال الأعجمي

إعلم أنهم كثيرا ما يجرئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها. فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا.
وربما أبدلوا ما بعد مخرجه أيضا.
والإبدال لازم. لئلا يدخلوا في كلامهم ما ليس من حروفهم.
وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب.
وهذا التغيير يكون بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو إبدال حركة بحركة، أو إسكان متحرك أو تحريك ساكن.
وربما تركوا الحرف على حاله ولم يغيروه.

فمما غيروه من الحروف ما كان بين الجيم والكاف، وربما جعلوه جيما، وربما جعلوه كافا، وربما جعلوه قافا، لقرب القاف من الكاف، قالوا: "كربج" وبعضهم يقول "قُرْبَق".
قال أبو عمرو: سمعت الأصمعي يقول: هو موضع يقال له: "كربك"، قال: يريدون "كربج". قال سالم بن قحفان في "قُرْبَق":
ما شربت بعد طوي القُرْبَق *** من شربة غير النجاء الأدفق



القُرْبَق في القاموس المحيط هو دكان البقال.



يتضح لنا من كلام الجواليقي أن هناك طرقا لتعريب الكلمات الأجنبية من حيث الأصوات والأوزان، وأن هذه الطرق، وإن كانت مرنة، تهدف في نهاية المطاف إلى الحفاظ على تجانس اللغة العربية، ولا ينطبق هذا على صوت القاف الدارجة فقط، وإنما على أصوات وحروف وأوزان أخرى ذكرها الجواليقي في كتابه ولا يتسع المقام لسردها هنا.

وبالنسبة لصوت القاف الدارجة فإننا يمكن أن نضيف خيارا رابعا بجانب الخيارات الثلاثة التي ذكرها الجواليقي وهي الكاف والقاف والجيم، وهذا الخيار هو حرف الغين الذي يستخدم في كلمات مثل جغرافيا وغرناطة وغانا وأغندا وبلغاريا. والملاحظ هنا أن هذه الكلمات وغيرها التي ترد بصوت القاف الدارجة في لغاتها الأصل كسرقسطة وملقة قد ترسخت في لغتنا العربية ولم يعد الصوت الذي حل محل صوت القاف الدارجة شاذا.

ولذا فإن كل ما ينبغي علينا فعله هو أن نعطي كلمات مثل قوقل وعبد الله جل وغردون براون بعض الوقت حتى نألف إحدى طرق لفظها سواء كانت بالقاف أو الكاف أو الجيم أو الغين، فهذا منهاج مجرب وقد ثبتت نجاعته، ولذا فإنه أولى أن يتبع بدلا من اقتراح الگاف الذي تفوح منه رائحة التبعية والانهزامية وقصر النظر وانعدام الروية والجهل بالتاريخ وبطبيعة لغتنا.


السبت، 27 فبراير 2010

فخ اللغة: الجزء الثاني

تحدثت في المقال السابق عن الكيفية التي يمكن بها للغة أن تصرف الأنظار عن مضمون الكلام سواء كان جيدا أو فارغا، وسواء كانت لغة المتحدث أو الكاتب ضعيفة ركيكة أو قوية منمقة. وبينت على عجل أن فخ اللغة تزداد خطورته إن كان التعامل بلغة أجنبية، وذلك لأن الشكل في هذه الحالة كثيرا ما يطغى على المحتوى بسبب أن المستمعين يركزون على مدى إجادة المتحدث للغة الأجنبية أكثر من تركيزهم على مضمون كلامه لتوقعهم ارتكابه أخطاء لغوية. وهو إن لم يرتكب أي خطأ انبهروا به مستعجبين إجادته اللغة الأجنبية. وفي كلتا الحالتين يكون الشكل (اللغة) أهم من المضمون.

أما في هذا المقال فإني أود الحديث عن فخ آخر متعلق باللغات الأجنبية فقط دون لغتنا العربية. وقبل أن أسترسل في الحديث أود من القراء الأعزاء أن يسألوا أنفسهم سؤالا جوهريا، وهو: لماذا نتعلم اللغات الأجنبية؟

أعتقد أن كثيرا منا سوف يجيبون على هذا السؤال بقولهم أنهم يتعلمون اللغات الأجنبية للانتفاع بما تحتويه من علوم ومعارف وللتواصل مع العالم الخارجي، وذلك حتى يفيدوا أنفسهم وأهليهم وربما لكي ينتشلوا أمتهم العربية والإسلامية من حالة التخلف التي تمر بها وليسهموا في نهضتها. ومعنى ذلك أننا نتعلم اللغات الأجنبية مؤمنين بأننا نقوم بذلك من أجل تحقيق مصلحة.

ولكننا إن سلمنا بصحة هذا الطرح فإن سؤالا آخرا يتبادر إلى الذهن، ألا وهو: كم منا ممن يبذلون الغالي والنفيس لتعلم اللغات الأجنبية يقتصر استخداهم لها على مجالهم العلمي الذي تعلموها من أجله؟ وبمعنى آخر، كم من طالب طب أو طبيب حذق الإنجليزية من أجل الطب فغدا يستخدمها لقراءة كتب الفلسفات الإلحادية الغربية؟ وكم من مهندس أتقن الإنجليزية فما عاد همه سوى مشاهدة أفلام هوليود التي تحتوي الكثير من الموبقات الفكرية والمرئية؟ وكم من مبرمج تعلم الإنجليزية من أجل اكتساب علوم الحاسوب فصار يدندن طيلة يومه بما يفهمه وما لا يفهمه من الأغاني الأمريكية الصاخبة؟

ليست لدي أدنى فكرة عن عدد من يتقنون اللغات الأجنبية في عالمنا العربي، ولست أدري إن كانت هناك أصلا إحصائيات بهذا الصدد، ولكن ما هو واضح جلي أمام أعيننا أن إتقان اللغات الأجنبية صار أداة لتغريب مجتمعاتنا واستلاب فكرنا، خصوصا أن اللغات التي نتعلمها غالبا ما تكون تلك التي تنتمي إلى الحضارة الغربية التي تختلف اختلافا جذريا عن حضارتنا العربية الإسلامية، وخصوصا أن كلتا الحضارتين كان ومايزال وسيظل على الأرجح بينهما عداء وتنافس محموم.

وفخ اللغات الأجنبية هو ببساطة أنك تتعلمها معتقدا، إن كنت بالطبع من ذوي النية الحسنة، أنك لن تأخذ منها سوى ما تحتاجه من العلوم، فإذا بك تأخذ منها كل شيء، من صالحها الذي قد لا يصلح لك إلى طالحها الذي حتما يدمرك، إلى غير ذلك من الآفات التي تصيبك كاحتقار الذات وتبجيل الآخرين والإيمان بحتمية تفوقهم وعبثية مقاومتهم واللهث وراء اتباع أنماط حياتهم في جميع المجالات بحثا عن سراب الرقي والتقدم.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جميل بخصوص اللغة، إذ يقول في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أهل الجحيم: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قـويا بينا ، ويـؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ، ومشابهتهم تزيد في العقل والدين والخلق.

ولكم وددت أن أكتفي بقول ابن تيمية الموجز الذي يحمل العظيم من المعاني والذي يظهر نباهته وتعمقه وبعد نظره رحمه الله بالنسبة لقضية الاستقلال اللغوي، ولكني أعلم أن البعض يصيبه نوع من الحساسية بمجرد سماع اسم ابن تيمية، كما أعلم أن البعض لا يقتنع إلا بما يصدر عن أفواه السادة الغربيين. ولهؤلاء أورد النقطتين التاليتين:

١- تركز سياسة الإغواء الأمريكية منذ عدة أعوام على نشر اللغة الإنجليزية في العالم العربي والإسلامي من أجل التأثير على عقولنا بحيث نظن أن أمريكا دولة خيرة تود نشر السلام والوئام حول العالم. ويتم ذلك عبر عدة طرق من أهمها برنامج "التمكين" الذي ترعاه الحكومة الأمريكية، والذي تسعى من خلاله إلى تمكين الشباب بين سن الأربعة العشر والثمانية عشر من تعلم اللغة الإنجليزية بهدف غسل أمخاخهم ومن ثم تلويثها. وقد شارك في هذا البرنامج حوالي أربعة وأربعون ألف طالب من أكثر من خمس وخمسين دولة منذ عام ٢٠٠٤.

وقد يتسائل أحدهم قائلا: ما المشكلة في الاستفادة من ذلك البرنامج؟ والإجابة هي أن المشكلة بكل بساطة تكمن في المحتوى الذي يتم من خلاله تعليم اللغة الإنجليزية. ولمزيد من الإيضاح، وحتى لا أتهم بتبني نظرية المؤامرة، دعونا نطلع على ترجمة لجزئية وردت في مقال على مدونة جيمس جلاسمان أحد مسؤولي ومنظري دبلوماسية الإغواء الأمريكية، حيث يقول:

إذا ألقينا نظرة على العالم، فإننا نجد أنه ما من شخص إلا ويريد تعلم اللغة الإنجليزية. ولذا فإنه ينبغي علينا أن نروج لأفكارنا من خلال تلك اللغة. وقد شاهدت بأم عيني عندما زرت رام الله أطفالا فلسطينيين يتعلمون اللغة الإنجليزية عن طريق قراءة تاريخ السود في أمريكا والتعرف على عيد الشكر.

وبمعنى آخر فإن الهدف من ذلك البرنامج هو التبشير بالثقافة الأمريكية وليس نشر اللغة الإنجليزية فحسب. وهذا أمر متوقع، فلا لغة بدون ثقافة.

وفي خطاب منشور على مدونته يقول جلاسمان أن كارن هيوز والتي كانت تشغل قبله منصب وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للدبلوماسية الشعبية نصحته قبيل تسليمها المنصب له بأمرين أساسيين، أولهما الحرص على تمكين الفئة المستهدفة من الأجانب - أي العرب والمسلمين – من مقابلة الأمريكان والتحدث معهم، وثانيهما التركيز على نشر اللغة الإنجليزية. وباختصار فإنه يمكن تلخيص الهدف من كل هذا المجهود الأمريكي بالعودة إلى ما قاله جلاسمان في خطاب آخر له اختتمه بقوله:

التأثير: هذه هي المهمة التي اخترنا أن نضطلع بها.


والمعني بالتأثير هنا بالطبع هو الإغواء.


٢- تنتهج الحكومة الأمريكية سياسة الإغواء عن طريق العلوم والتكنولوجيا، وقد كانت هذه السياسة أحد أهم العوامل التي ساهمت في انتصار أمريكا على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة كما يذكر الأستاذ رفيق عبد السلام في دراسته حول القوة الناعمة.

وتقوم الحكومة الأمريكية اليوم باتباع ذات المنهاج مع الدول التي ترغب في ترويضها دون الدخول في مواجهات عسكرية معها. ولهذا الغرض تم تأسيس المركز الأمريكي لدبلوماسية العلوم في عام ٢٠٠٨ لاستخدام العلوم والتكنولوجيا التي يعتقد البعض بحياديتها التامة في جذب الشعوب الكارهة لأمريكا إلى نمط الحياة الأمريكي ولإقناعها بأن أمريكا ليست بعدو. وبنظرة خاطفة على تقرير المركز السنوي نجد أن نشاطاته تتمحور حول التواصل مع دول بعينها مثل سوريا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا.

ويقوم المركز بتشجيع التبادل العلمي من أجل تحسين صورة أمريكا بصورة أساسية وليس بهدف إفادة الآخرين أو إطلاعهم على آخر المستجدات العلمية. وقد تكون هناك أهداف أخرى كالتجسس على البلدان المستهدفة وربطها بأمريكا حتى يكاد يستحيل عليها تحقيق أي استقلال حقيقي. ومن أمثلة الإغواء بالعلوم والتكنولوجيا ما ذكره الأستاذ عبد العظيم حنفي عن اللقاءات التي تمت بين علماء إيرانيين وأمريكيين في واشنطن، والمكتبة العلمية العراقية على شبكة الانترنت التي افتتحتها أمريكا في عام ٢٠٠٦ للمساعدة في إعادة بناء البنية التحتية للتعليم والعلوم في العراق. وبمعنى آخر فإن أمريكا الرسمية تصفعك على خدك الأيمن ومن ثم تأتي أمريكا الشعبية لتقبلك على خدك الأيسر حتى تظل محتارا أعدوة هي أمريكا أم صديقة.

ومن نافلة القول أن الإغواء بالعلوم يلزمه بالطبع معرفة اللغة الإنجليزية.




ولا يجب أن نعتقد أن الترويج لأمريكا عن طريق اللغة الإنجليزية والعلوم الأمريكية أمر دبر بليل ليصعب كشفه، فكل ما ذكر أعلاه موجود على صفحات الإنترنت ويكمن الوصول إليه بمجرد نقرة، ولكن المشكلة أن كثيرا منا حين يقرأ لا يكلف نفسه جهد التفكر والتبصر في النصوص والأخبار حتى يستطيع أن يعقل ما يقرأ وحتى يستطيع أن يعرف ما يمكن أن يترتب على شيوع لغات كالإنجليزية والفرنسية بيننا من عواقب ونتائج كارثية لا يسعنا تجنبها سوى بتعريب العقول والعلوم والحياة العامة بكل جوانبها.

وإذا عدنا إلى صلب المقال وهو فخ اللغة لاستطعنا من خلال النظر في المقال السابق وهذا المقال من استنتاج الفرضية التالية:

كلما تمكنا من لغتنا العربية، كلما قلت احتمالية سقوطنا في فخها.
وكلما تمكنا من لغة أجنبية، كلما ازدادت خطورة سقوطنا في فخها.


وهذه الفرضية المستوحاة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن تأثير اللغة على العقل والخلق والدين لا يمكن إطلاقها على كل اللغات الأجنبية، فاللغة الأردية مثلا لا يمكن أن تشكل خطرا على عقولنا كالخطر الذي يمكن أن تشكله لغات كالإنجليزية أو الفرنسية أو الروسية أو الصينية، وذلك لاختلاف الحضارات التي تنتمي إليها تلك عن اللغات عن الحضارة التي تنتمي إليها اللغة الأردية واللغة العربية.

كما أن هناك حالات لأشخاص شذوا عن الفرضية كالشهيد سيد قطب الذي زار أمريكا ودرس فيها ولم يزده ذلك إلا ثباتا على الحق والدين، وكالمرحوم أنور الجندي الذي لم تضعف معرفته باللغة الإنجليزية عزيمته على الجهاد الفكري في سبيل الله. أضف إلى ذلك أنه يمكن الاستفادة من إنجازات الآخرين في حدود وذلك عن طريق استخدام لغاتهم لنقل ما يمكن نقله من المعرفة بعد غربلتها وتعريبها. ولكن الثابت أن ضرر المعرفة باللغات الأجنبية في عصرنا هذا أكبر من نفعها، وذلك لأن المرحلة التاريخية التي نمر بها حاليا تتطلب الانغلاق أكثر من الانفتاح.

وعليه فإن تعلم اللغات الأجنبية يجب أن ينحصر في فئة محددة تعرف الهدف من استخدام تلك اللغات. كما يجب على هذه الفئة أن تكون محصنة عقائديا وفكريا وثقافيا. وبهذا يكون تعلم اللغات من فروض الكفايات حسب ما ذكره الشيخ القرضاوي في فتوى له.

وحتى نحقق هذا الهدف فإن تعليم اللغات الأجنبية لهذه الفئة لا يجب أن يبدأ سوى في مرحلة عمرية متأخرة نسبيا يحددها التربيون، والغرض من هذا التأخير هو أن يعطى أفراد هذه الفئة وقتا كافيا للانعزال والانغماس في مشاكل مجتمعاتهم العربية حتى يتمكنوا من التعرف عليها جيدا وفهم احتياجاتها لكي تكون هناك أهداف محددة لعملية نقل العلوم من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولكي يتمكن هؤلاء الأفراد من خلال هذا الانعزال من أن يحصنوا أنفسهم عقائديا وفكريا وثقافيا. وبالطبع فإن أحد أهداف هذا التأخير هو عدم تمكين هؤلاء الأفراد من الإتقان التام للغات الأجنبية كما يحدث مع خريجي المدارس الأجنبية الذين عادة ما تكون معدلات التغريب والاستلاب بالأمركة والفرنسة بينهم في أوجها.

وختاما فإنه يتعين علينا أن نتوخى الحذر حتى لا نقع في فخ اللغات الأجنبية وحتى لا تدخل الأفكار الهدامة عقولنا وتعشعش فيها إلى أن نؤمن أنه لا رب سوى الغرب.

الاثنين، 25 يناير 2010

فخ اللغة: الجزء الأول




في الشهر الماضي شاهد اللبنانيون والعرب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يلقي بيان حكومته الأول أمام البرلمان اللبناني، وشاهدوا أيضا كيف قام الحريري بارتكاب أخطاء لغوية يندى لها الجبين في هجاء ونطق بعض الكلمات التي وردت في خطابه. ومن أمثلة ذلك قوله ستنننتجها بدلا من ستنتهجها، والتكنوجيا المعلومة بدلا من تكنولوجيا المعلومات، تينمويهما بدلا من تقييمهما. (شاهد أخطاء الحريري في المقطع المرفق أعلاه).

ولقد تسببت فداحة تلك الأخطاء في تقليل اهتمام المتابعين للخطاب بمحتواه، وذلك بسبب تشويش تلك الكارثة اللغوية على قدرة المتابعين على التركيز على مضمون كلمة الحريري. فبدلا من أن ينصت النواب اللبنانيون إلى البيان الوزاري راحوا يضحكون على رئيس وزرائهم الجديد، ووقعوا بذلك في فخ كثيرا ما تنصبه اللغة لنا عندما يكون مستخدمها غير قادر على التحدث بها بصورة فعالة. وبذلك أطاحت قباحة الشكل بأهمية الجوهر.

وليس شرطا أن يقع أحدنا في فخ اللغة بسبب عجزه عن استخدامها بشكل صحيح وفعال، إذ يمكن لأحدهم أن ينصب فخا بلغة جميلة منمقة تحتوي على ألفاظ رائعة ولكن محتواها إما ضعيف أو مكرر أو هدام. وبخصوص ذلك يقول الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني في بحث له بعنوان "نظرية المعرفة في التربية الإسلامية" التالي:

إن الحديث الذي يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم والذي يقول: ((إن من البيان لسحرًا)) هذا الحديث لم يرد بصيغة المدح كما يشاع فيها خلاف وإنما ورد في معرض الذم لهذا الأسلوب من الأداء اللغوي، كما ورد عن مسلم والإمام أحمد وغيرهما من المحدثين؛ حيث ذكروا أن رجلا نهض ليمدح الرسول بأسلوب بياني شاعري، فلم يعجب ذلك الرسول ورد على الرجل: أن تكلم كلامًا عاديا مما يتكلم به الناس، ثم علق قائلاً: ((إن من البيان لسحرًا))؛ أي: شبه السحر في زيفه وأثره.

ومن هنا يتضح أن اللغة يمكن أن تكون فخا نقع فيه سواء كانت ضعيفة تشوبها الأخطاء والعلل أو محشوة بجزيل الألفاظ والعبارات. وكلاهما يصرف المستمع عن المحتوى. وربما لهذا السبب لم يعلم الله رسوله الشعر، ولكنه آتاه جوامع الكلم، حتى يتحقق له صلى الله عليه وسلم التوازن المطلوب، بحيث لا يضيع لب رسالة الإسلام بين أحاديث ركيكة أو شعر منمق.

ولا يجب أن يفهم من كلامي هذا أنه ينبغي أن نشطب الشعر وغيره من الفنون من قاموس حياتنا، فالقول بهذا يعد بمثابة دعوة لانتحار ثقافي. ولكن لكل مقام مقال، فالشعر والنثر والخطابة لهم مجالات يستخدمون فيها بحيث يعودون بالنفع على الأمة كما كان الحال مع حسان ابن ثابت وكعب ابن زهير. ولكنهم لا ينبغي أن يستخدموا لتغليف الأفكار بغلاف جميل مبهر من أجل خداع المتلقين وتضليلهم عن طريق إقناعهم بأهمية فكرة هزيلة أو صحة رأي هدام. وباختصار فإننا يجب أن نوازن بين حديث "إن من البيان لسحرا" وحديث "إن من الشعر لحكمة".

كما لا ينبغي للقارئ أن يستنتج أن الوقوع في فخ اللغة أمر حتمي، إذ يمكن لكل منا إذا أمعن النظر في الكلام أن يستخلص محتواه ويميز صالحه من طالحه. وقد يكون القيام بذلك أصعب إذا كان البيان سحرا، ولكننا في نهاية المطاف نتعامل مع كلام ملقى أو مكتوب بلغتنا الأم التي نشأنا عليها، ولكل منا فرصة متساوية لإتقانها والتمكن منها والإلمام بتفاصيلها لدرجة نتمكن من خلالها من تمييز المضمون الغث من السمين دون أن نقع في فخ اللغة الجميلة الساحرة التي قيل أو كتب بها.

ولكن قدرة التمييز تلك تضعف بصورة كبيرة ومؤثرة عندما نتعامل بلغة أجنبية، إذ تحيط بنا الأفخاخ اللغوية من كل حدب وصوب، مما يؤدي إلى طغيان الشكل على الجوهر. وعندما يتحدث أحدنا بلغة أجنبية يصغي الكثيرون منا إلى طريقة نطق المتحدث ومدى إجادته لقواعد وتراكيب تلك اللغة أكثر من تركيزهم على مضمون ما يقول، وذلك لأن إتقانه لتلك اللغة محل شك، وهذا طبيعي، لأنها ببساطة شديدة ليست لغته الأم. وهذا أمر بديهي يعرفه الجميع ويتغافل العديد منا عما يترتب عليه من نتائج، وخصوصا على المدى البعيد، وذلك بسبب نظرتنا القاصرة التي لا تمكننا من التبصر في عواقب الأمور.

وعليه فإن فخ اللغة الأم أهون بكثير من فخ اللغة الأحنبية، إذ أن فرصتنا في تجنبه أكبر بكثير من إمكانية تجنب فخ لغة أجنبية غريبة علينا كثيرا ما يؤدي الحديث بها من قبل غير أهلها إلى أن يكون سؤال "كيف تحدث؟" أكثر أهمية من "ماذا قال؟".



الخميس، 31 ديسمبر 2009

هوية العلوم

يعتقد الكثيرون في عصرنا هذا أن العلوم لا هوية لها ولا ملة، و أن العلم الياباني لا يختلف عن نظيره الصيني ولا عن علوم الغرب. وبالرغم من أن هذا الاعتقاد ليس بجديد، إلا أن رياح العولمة والمبشرين بها زادوا من رسوخها في أذهان الكثيرين إلى درجة جعلت العديد منا يؤمن بحيادية العلوم ويظن أن الثقافة لا تساهم في تطويرها ولا بلورتها ولا تدخل في تفاصيلها.

وبناء على ذلك الاعتقاد استنتج الكثيرون أن العلم يمكن استيراده كما هو دون الحاجة إلى تمحيصه والتمييز بين ما يمكن نقله دون تعديل يذكر، وما يمكن نقله مع القليل أو الكثير من التعديلات، وما لا يمكن نقله إطلاقا. وانطلاقا من ذلك الاستنتاج ذهب البعض إلى أنه لا فرق بين تدريس العلوم بالإنجليزية والفرنسية وبين تدريسها بالعربية، فالعلم، حسب رأيهم، لا يحمل جواز سفر.

ولست أدري بالتحديد من أين أتى البعض بتلك الفكرة، فربما تأثر البعض بالقوة الناعمة الأمريكية وبالترويج المستمر من قبل بعض أبناء جلدتنا لإنجازات الآخرين حتى صار من العسير التمييز بين ما هو إنساني مشترك بين بني البشر وما هو مرتبط بالخصوصية الثقافية لشعب أو حضارة ما.

ولذا فإنه ينبغي علينا أن ننظر إلى الأمثلة التالية حتى ندرك أن المجتمعات المنتجة للعلوم، وخصوصا الناجحة منها، تؤثر بشكل فعال مباشر أو غير مباشر على العلم، وذلك على مستويين على الأقل:

١- تؤثر العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها من العوامل على أولويات البحث العلمي لدى كل مجتمع. وهناك شواهد عدة على ذلك قد يكون من أشهرها نظرية دارون التي، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، لم تكن لترى النور سوى في عصر أصبحت فيه قصة نبي الله آدم وزوجه حواء حسب النصوص الدينية المتبناة من قبل الكنيسة رواية لا يمكن لعقل دارون وأتباعه أن يصفوها بالعلمية حسب معاييرهم.

أما في القرن العشرين فإننا نجد كما تذكر الأستاذة فاطمة الزاهراء كفيف في بحث لها بعنوان "الطبيعة الأيديولوجية للعلم الغربي" أن الأفكار والعقائد السائدة في المجتمع وجهت العلم والباحثين بصورة فعالة. ومثال ذلك كما تقول تطور العلوم الفيزيائية نتيجة سياسات الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يتغير ذلك التأثير حتى يومنا هذا، ففي شهر أبريل من عامنا هذا احتج العديد من المدافعين عن حقوق الشواذ جنسيا قبيل مؤتمر علمي في ألمانيا أدرج على جدول أعماله بحثين حول معالجة الشذوذ الجنسي. وهذا كما يعرف الكثيرون أمر مستهجن في الخطاب الغربي، الرسمي منه على الأقل، وذلك لاعتقادهم بأن الشذوذ الجنسي ليس بمرض. ومن ثم فإن الخوض في أبحاث من هذا القبيل يؤدي بالباحث إلى الاصطدام بعقيدة المجتمع، مما يصعب من مهمته البحثية ويجعل من الحصول على الأموال اللازمة لإجراء بحثه أمرا عسيرا حتى وإن توفرت الحرية العلمية. والقوانين كما نعرف ليست فقط تلك المنصوص عليها كتابة، وإنما هي أيضا الأعراف المفهومة ضمنيا من قبل أفراد المجتمع.

وتأثير المجتمع على أولويات البحث أمر طبيعي، وهو ليس صفة غربية كما قد يستنتج البعض من الأمثلة التي وردت أعلاه، فقد كان ذلك التأثير حاضرا وبقوة في الحضارة الإسلامية. ويذكر الأستاذ غازي التوبة أن تطوير النحو العربي كان من أجل خدمة القرآن وحفظه من التحريف واللحن، كما أن جانبا مهما من علوم الجبر والرياضيات طور من أجل حل مشاكل توزيع الميراث وجباية الخراج وتحديد أنصبة الزكاة.

٢- المستوى الثاني الذي يؤثر فيه المجتمع على العلم هو الجانب التطبيقي للعلوم، وهو أمر يبدو فيه تأثير المجتمع واضحا لأن التطبيق يفضي إلى منتجات ملموسة أو محسوسة، مما يسهل رؤية أثر الاختلافات بين مجتمع وآخر على تلك المنتجات.

ولذا فإننا نكتفي بمثال واحد أورده الأستاذ أبوزيد المقرئ الإدريسي في محاضرة له بعنوان صناعة الحضارة. ويذكر فيها كيف أن الاستعانة بأحد المعماريين الغربيين لبناء مسجد في الكويت أدى إلى قيام ذلك الرجل بتصميم مسجد اتضح عند قرب اكتمال بنائه أنه على شاكلة كنيسة، مما اضطر القائمين على المشروع إلى هدم جزء كبير من المسجد وإعادة البناء من جديد، وهو أمر كان يمكن تفاديه بسهولة لو لم يترك أصحاب الشأن الحبل على الغارب للمهندس. وكما يقول الأستاذ الإدريسي فإن تلك الفضيحة لم تكن مؤامرة كما قد يزعم البعض، ولم يرد بالضرورة ذلك المعماري تعيس الحظ أن يسيء للمسلمين، وإنما تصور الرجل لدور العبادة، وهنا بيت القصيد، متأثر بالبيئة التي نشأ فيها حيث تكثر الكنائس.


وبعد سرد تلك الأمثلة لا يجب على القارئ أن يهرع إلى اتهام الآخرين بعدم الموضوعية، فهم، كما يبين الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني في حديثه عن الغرب، لا يعملون إلا لحسابهم أولا وأخيرا، وليسوا ملزمين بالإنسانية جمعاء. ولذا فإنهم لا يكادون يرعون علما لا يساهم في رقيهم هم بالدرجة الأولى، وهذا حقهم، فكل يغني على ليلاه، وما ليلانا كليلاهم.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن للعلوم هوية، وأن استيرادها دون غربلتها ومعرفة تأثيرات المجتمعات التي نشأت بها عليها فعل يتصف بقصور النظر والسذاجة والصبيانية إن صح التعبير. ولذا فإن أقل ما يجب أن نقوم به بصفتنا أمة متخلفة لا ترغب في الانغلاق على ذاتها ولا تريد إنتاج علمها بسواعد أبنائها أن نمحص العلوم التي تردنا من الخارج لنميز بين ما يمكن نقله لطبيعته الإنسانية المشتركة بين أبناء آدم وبين ما هو ذو خصوصية ثقافية لشعوب الأرض المختلفة عنا. فالوهن الذي نعيشه لا يشل كل قدراتنا ولا يلغي هامش المقاومة لدينا، ولا يعقل أن نتعامل مع كل الأمور بمنطق "إما إفراط او تفريط" لمجرد أننا حالنا حال سرحان عبد البصير لم نعد نطيق التعامل مع اللون الرمادي. وكوننا ضعفاء مهيضي الجناح لا يعني أن نبقي أبوابنا مفتوحة على مصراعيها أما كل من هب ودب، فحتى بعض العاهرات يخترن زبائنهن.

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

شيء من الانغلاق

"الفرنسية غنيمة حرب"، هكذا وصف الكاتب الجزائري الراحل كاتب ياسين اللغة الفرنسية التي كانت أحد أدوات احتلال الأراضي والعقول، وهكذا ينظر إليها وإلى غيرها من اللغات الأجنبية الكثيرون منا في عصرنا هذا. ويمكن إرجاع هذه النظرة إلى الآراء التي ما انفكت تردد أن التمكن من لغات الأمم المتطورة أحد أهم مفاتيح التقدم بالنسبة لعالمنا العربي، وذلك لأن تلك اللغات بوابتنا نحو التعرف على أحدث ما وصلت إليه دول العالم المتقدمة من اختراعات وإبداعات. وهذا هو الوجه الحسن لمعرفة تلك اللغات. ولكن هل فكرت عزيزي القاريء فيما إذا كان هناك جانب سلبي لإعطاء تلك اللغات ذاك القدر الهائل من الأهمية كما يحدث في العديد من الدول العربية. إذا نظرنا حولنا فسنجد أن التمكين للغات الأجنبية في بلادنا يحد بشكل كبير من الإبداع المحلي، وذلك من جوانب ثلاث على الأقل:

١- الجانب اللغوي: يؤدي فرض اللغات الأجنبية في مجتمعاتنا إلى جعل اللغة العربية لغة كسيحة لا تتطور بالسرعة الكافية ولا بالكفاءة المطلوبة. وهذا كما يعرف الجميع لا يحدث بسب فقر اللغة العربية، بل بسبب إقصائها عن العديد من القطاعات الحيوية في أغلب بلداننا. ونتيجة لهذا الإقصاء تظل المعاجم التي تصدرها مجامع اللغة العربية حبيسة الرفوف لا تجد من يستخدمها، كما تبقى المقررات الجامعية التي تصدر باللغة العربية ضعيفة الانتشار بسبب رفض أغلب الكليات العلمية التدريس باللغة العربية، وكثيرا ما يؤدي هذا إلى حبس اللغة العربية داخل حلبة العلوم الدينية والأدبية وتكريس فكرة أنها لا يمكن أن تصبح لغة للعلوم الدقيقة. وباختصار فإن لغة لا تستخدم لا تتطور.

أضف إلى ذلك أن الحضور الطاغي للغات الأجنبية يشوش على السليقة اللغوية لأبناء العربية مما يتسبب في ظهور ترجمات غربية لمصطلحات ومفاهيم لا يفهمها إلا المتبحر في اللغة الأجنبية المنقولة منها تلك المصطلحات والمفاهيم، بالإضافة إلى ترجمات لا تتناسب مع نسق اللغة العربية وثقافة متحدثيها (راجع دراسات الدكتور علي درويش للاستزادة).

٢- الجانب الاقتصادي: إن من آثار تهميش اللغة العربية في مجتمعاتنا وإعطاء الأولوية للغات الأجنبية أننا نجد أن هناك العديد من الوظائف التي يشترط على المتقدمين إليها أن يتقنوا لغة أجنبية كالإنجليزية أو الفرنسية. ويؤدي هذا إلى حصر فرصة الحصول على وظيفة جيدة بمن يتحدثون لغة أجنبية وهم أقلية، واستبعاد من لا يتحدثون سوى العربية وهم الأغلبية. وبذلك تقل فرص الاستفادة من المبدعين لأن الشركات تختار موظفين من عدد محدود بدلا من فتح المجال أمام عدد أكبر.

وقد يقول قائل أن هناك وظائف يحتاج الموظف فيها إلى لغة أجنبية بالفعل، وهذا صحيح. ولكننا إذا أمعنا النظر في سوق العمل لوجدنا أن الوظائف التي تتطلب حقا إتقان لغة أجنبية قليلة، أما باق الوظائف فيمكن إنجازها باللغة العربية دون غيرها شريطة أن يتم فرض لغتنا في جميع مناحي الحياة، فثمة فرق هائل بين الحاجات الضرورية والاحتياجات المصطنعة.

وأحيانا يصل الشطط والتنطع بالبعض إلى اشتراط لغة أجنبية كالإنجليزية دون وجود أدنى حاجة إليها. ومثال ذلك ما ذكرت في مقال سابق عن إحدى الجامعات السعودية التي اشترطت على المتقدمين لشغل وظائف تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية إجادة اللغة الإنجليزية. والأدهى من ذلك أن إحدى المستشفيات السعودية طلبت ذات الشيء ممن يودون التقدم لشغل وظيفة صياد عقارب وأفاع.

٣- الجانب الاجتماعي: إذا ألقينا نظرة سريعة على عالمنا العربي لوجدنا أن المتأمركين والمتفرنسين فيه عادة ما ينتمون إلى الطبقة الميسورة، إذ أن تلك الطبقة هي من تقوى على تحمل التكاليف الباهظة لنمط الحياة الغربي من تعليم في مدارس وجامعات أجنبية ورحلات إلى الخارج. ونمط حياة كهذا يؤدي إلى انعزال تلك الطبقة، وهي أقلية ذات قوة اقتصادية وفكرية وإعلامية، عن السواد الأعظم من الشعب، مما يؤدي إلى جعل إبداعات تلك الأقلية تدور في فلك الثقافات التي تبنتها وتبنت لغاتها، ومما يصعب بدوره على المجتمع الاستفادة من تلك الإبداعات. أما الأغلبية التي تصارع من أجل كسب لقمة العيش فإن إبداعاتها، إن وجدت، لا تلقى من يتبناها من قبل أفراد النخبة الذين يعيشون بأجسادهم في العالم العربي وبعقولهم وقلوبهم في أوروبا أو أمريكا. وهنا يكون الاستعمار اللغوي في أوجه.

ولا أزعم هنا أم كل أفراد النخبة لدينا متغربون، إذ يوجد الكثيرون من صفوة المجتمع من هم مغرسون جسدا وعقلا وفؤادا في الوطن العربي، ولكنهم مع الأسف محاربون من قبل النخب المتأمركة أو المتفرنسة التي تجيد فن الاستقواء بالخارج.

إن على العاقل أن يعمل عقله ويطرح السؤال التالي: إذا كان نفع اللغات والثقافات الغربية أكبر من ضررهما، فلماذا يحاول الغرب الذي بيننا وبينه الكثير من العداء نشر لغاته وثقافاته في أراضينا؟ هل يحرص الغرب إلى هذه الدرجة على إفادتنا؟ أم على السيطرة علينا؟ ليس لدي جواب شاف على هذه السؤال، ولكني أعتقد أن الانفتاح بلا رقيب في زمن الضعف يؤدي إلى كوارث أشد خطرا من عواقب الانغلاق.

قبل أن أنهي هذا المقال أحيل الحديث إلى الشاعر الكويتي حمود البغيلي الذي يوجه صرخة تحذيرية لدعاة الانفتاح من خلال أبيات يقول فيها:

عجيب أمر أمتنا عجيب ... تروضنا ليركبنا الغريب
وتحرقنا كعود المسك قهرا ... ليخرج منه للأغراب طيب
فقل للطالبين اليوم علما ... من السفهاء: ويحكموا أجيبوا
متى كان السفيه يدر علما ... ليلقفه على شغفٍ أديب
اذا لصق القراد بضرع شاة ... فلا يرجى من الشاة الحليب

الأحد، 25 أكتوبر 2009

حلول كارثية

في عام ٢٠٠٤ كتب الصحفي الكويتي أحمد البغدادي مقالا في جريدة السياسة بعنوان "أما لهذا التخلف من نهاية؟". وفي المقال، كما ترون في الأسفل، ينتقد البغدادي سعي وزارة التربية الكويتية إلى زيادة حصص التربية الإسلامية والقرآن والتجويد على حساب بعض المواد الأخرى كالموسيقى والنشاط، وذلك في المدارس الخاصة ذات المناهج العربية والأجنبية.



وبعد نشر المقال تعرض البغدادي لحملة قوية واجه خلالها سيلا عارما من الانتقادات. وقد أفضت تلك الحملة إلى تعرضه للمحاكمة بتهمة ازدراء الدين، وحكم عليه بالسجن الذي خرج منه بعفو أميري. ولقد كان الهجوم الذي تعرض البغدادي في مجمله سطحيا لم يتطرق إلا إلى مسألة تفضيل البغدادي للموسيقى على القرآن والتجويد وللغات الأجنبية على اللغة العربية.

ولكننا إذا نظرنا بعين الناقد المتعمق إلى ما كتبه البغدادي من أفكار يرددها ويقتنع بها في كثير من الأحيان عدد لا يستهان به من الكتاب والمثقفين والعامة لوجدنا التالي:

١- يعتقد البغدادي والكثيرون غيره أن دروس التربية الإسلامية واللغة العربية مجرد أداة لإبقاء النشء داخل حظيرة الدين الإسلامي، وتلك نظرة قاصرة. فالإسلام كما هو دين غالبية العرب فإنه جزء أصيل من ثقافتهم التي ساهم في تشكيلها على مدى قرون طويلة. وعليه فإن أحد أهداف ما يسميه البغدادي تخلفا هو محاولة لربط طلاب المدارس الأهلية، وخصوصا ممن يدرسون في المدارس ذات المناهج الأجنبية، بمجتمعهم وواقعهم وثقافتهم وليس الهدف منه تخريج أئمة أو مقرئين في سرادق الموتى بالضرورة.

٢- إن القاريء لمقال البغدادي لا يسعه إلا أن يستنتج أنه يدعو للهروب من المشاكل بدلا من مواجهتها وحلها أو على الأقل التنبيه إليها. وهذا الهروب من المشاكل عادة سيئة فينا. وقد نعذر بعض المستضعفين ومن لاحيلة لهم إن هم خافوا من مواجهة المشاكل. أما البغدادي فهو بالإضافة إلى كونه صحفيا فإنه كان محاضرا في جامعة الكويت بقسم العلوم السياسية. فإذا كانت المدارس الحكومية فاشلة ومناهجها متخلفة، وقد تكون كذلك بالفعل، فإن الأحرى بالبغدادي أن يسهم في إصلاح الخلل الموجود بها بدلا من الهروب منها على طريقة الخلاص الفردي، وذلك لأن هامش المقاومة والنقد لديه ولدى أقرانه من صفوة المجتمع أكبر من القدرة على مجابهة المشاكل التي تتوفر لباقي أفراد الشعب.

٣- إذا سلمنا أن البغدادي والمدافعين عن التعليم الأجنبي أحرار في اختياراتهم على طريقة لكم دينكم ولي دين، فإننا لا يمكن أن نسلم أن تلك الفئة المتغربة ليس لها تأثير على المجتمع، شئنا أم أبينا، فالكل يعيشون في وطن واحد بحيث يصبح تأثر الأفراد بعضهم ببعض أمرا يكاد يكون حتميا. ووجود طبقة ليس لديها انتماء كاف إلى المجتمع الذي تعيش فيه، وإن كان متخلفا، يخلق لها ولباقي أفراد المجتمع مشاكل عديدة تتجاوز الجوانب الاجتماعية والثقافية إلى الجوانب الاقتصادية وحتى الأمنية، خصوصا أن تلك الفئة عادة ما تكون من النخبة، والنخبة لها من الأثر العظيم على المجتمع ما لا يمكن إغفاله. وهذا الانفصام يؤدي إلى ظهور نوع من الطبقية التي يصعب محاربتها بسبب تجذر بعض القيم الأجنبية في نفوس العديد من أفراد النخبة منذ الصغر.

والخلاصة أن مشكلة تخلف التعليم لدينا التي ذكرها البغدادي أمر يصعب إنكاره، ولكن محاولة حلها على الطريقة البغدادية يؤدي إلى مشاكل أخرى قد لا تظهر آثارها، التي قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، على المجتمع إلا بعد سنين عديدة. عندها تكون عقول أبناء النخبة قد صارت في واد محاط بالورود المستوردة و عقول باقي أفراد الشعب في واد آخر. وعندها سيعرف دعاة الانسلاخ أهمية أن يعيش المرء واقعه بحلوه ومره بدلا من استيراد الحلول الكارثية.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

عن إسلام مايكل وإخوانه

عندما توفي المغني الأمريكي مايكل جاكسون في شهر يونيو الماضي عادت قصة إسلامه تطفو على السطح من جديد، وبدأ الكثيرون من العرب ينسجون من الحكايات ما يحاولون به أن يثبتوا أن الرجل مات مسلما. كما بدئوا يتناقشون حول مسألة دفنه وهل سيدفن مع المسلمين أم مع النصارى، ومسألة هل يجوز لأهله أن يرثوا ماله أم لا. لا بل ذهب البعض إلى الادعاء أن مايكل كان بصدد تقديم أغنية جديدة في حفلة لندن التي كان ينوي إحيائها، وأن تلك الأغنية كانت ستثبت للعالم بأسره أنه مسلم.

وحتى يومنا هذا ما زال البعض يروي بزهو قصة إسلام المغني البريطاني يوسف إسلام، والذي أسلم قبل أكثر من ثلاثين عاما. وقبل عدة أشهر شغلتنا بعض الصحف بخبر إسلام بروفيسور فرنسي سمى نفسه شريف دارينيز، وذلك خلال حضوره مؤتمرا في مدينة الرياض عاصمة السعودية. و لقد قامت الدنيا ولم تقعد فرحا بإسلامه. وما زالت بعض الكتب تروي لنا قصص إسلام المفكر الفرنسي روجيه غارودي والدبلوماسي الألماني مراد هوفمان. لا بل وصل ذلك الهوس إلى لاعبي كرة القدم أمثال هنري وريبري وأنيلكا، وهي أسماء يعرفها عدد لا بأس به من العرب.

إن القاسم المشترك بين كل تلك الشخصيات أنهم غربيون، ولذا يطيب للعديد منا أن يتحدث بنشوة عن قصص إسلامهم. فالاستلاب الثقافي وصل بنا إلى درجة أننا نفرح بصورة طفولية لإسلام أحد الغربين، بينما قد يسلم جمع غفير من الأفارقة أو الهنود أو الفلبنيين دون أن تتحفنا وسائل إعلامنا بقصص إسلامهم. وهذا ليس نفاقا فحسب، وإنما محاولة يائسة منا بأن نقنع أنفسنا أن انتشار الإسلام في الغرب يمثل انتصارا لنا.

وقد يظن البعض أن إسلام بعض الأفراد في أوروبا وأمريكا الشمالية ليس إلا بداية لانتشار الدين الحنيف بين سكان تلك المناطق. ولكن هذا أمر يصعب حصوله، وذلك لأن التاريخ وقصص الأنبياء أثبتوا أن الأقوياء عادة ما يحجمون عن قبول أي دين جديد يمكن أن يغير من وضعهم الآني المتميز.

ولكن ماذا لو أسلم الغرب عن بكرة أبيه؟ هل سيغير ذلك من أوضاعنا المزرية نحن العرب شيئا؟

الإجابة يصعب أن تكون إلا بالنفي، فإن أقصى ما يمكن حدوثه هو أن يكف الغرب عنا شره، وأن يتكرم علينا ببعض المساعدات الاقتصادية. ولكن ذلك لن يحل مشاكلنا بصورة جذرية، وذلك لسبب بسيط ومعروف، وهو أن مشاكلنا ناتجة عن ضعفنا وتقصيرنا نحن بصورة أساسية.

ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا أن هذه دعوة إلى انتكاسة أو عودة إلى فكر القومية العربية المضللة التي سادت الخمسينات والستينات من القرن الماضي والتي أغفلت دور الدين الحيوي في النهضة. ولكن كما روي في الحديث الشريف، فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين، ولم يدع، على حد علمي، أن يعزه بكسرى أوهرقل، بالرغم من أن الأخيرين كانا أقوى بكثير من عمر ابن الخطاب وأبي جهل، فالدعوة يجب أن تنجح على الصعيد المحلي قبل أن تنتشر في الخارج.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن فكرنا وجهودنا وإخلاصنا هو جوهر نهضتنا وتقدمنا. أما إسلام أسماء كفلادمير وهلموت وفرانسوا وجون قد يعز الإسلام وقد ينفع الغرب، ولكنه لن يعود علينا بالنفع الكثير ولن يحقق لنا نهضتنا المنشودة. فكفانا إذا استلابا ولهثا وراء أسلمة الغرب، ولندع الاتكالية جانبا ونضع مجتمعاتنا صوب أعيننا، على الأقل من باب أولى لك فأولى.

الخميس، 17 سبتمبر 2009

من تعلم لغة قوم: أمن مكرهم أم أمنوا مكره؟

قرأت منذ أسبوعين مقالا نقديا على موقع الجزيرة بعنوان الحديث ضعيف والأمة ضعيفة ناقش فيه الكاتب ظاهرة استخدام أحاديث ونصوص لم تثبت صحتها من أجل فرض بعض القيم السلبية على مجتمعاتنا وذلك لإقناعنا بأن الأمور محسومة وأن ما باليد حيلة. واستشهد كاتب المقال بحديث: "كما تكونوا يولى عليكم"، وذكر أوجه ضعفه من ناحية السند والمتن وكيف أنه يخالف أحاديث صحيحة مثل حديث كلمة حق عند سلطان جائر وحديث تغيير المنكر، ناهيك عن أنه يخالف التاريخ والواقع. (الرجاء قراءة المقال للفهم والاستزادة).

وبعد أن قرأت المقال بأسبوع عثرت خلال بحث عن مقالات تتعلق بتعلم اللغات على معلومة تصحيحية أخرى، ومفادها أن حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" ليس ضعيفا، وإنما لا أصل له من الأساس حسب ما ذكره الإمام الألباني وحسب ما أكده الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة. والمعلوم أن الكثيرين يتشهدون بهذا الحديث عندما يؤكدون أهمية تعلم لغات كالإنجليزية والفرنسية وحتى عندما يدافعون عن التدريس بتلك اللغات في جامعاتنا بدلا من التدريس بالعربية. وهم إذ يقومون بذلك فإنهم يرمون إلى غلق باب النقاش محتجين بذلك الحديث الموضوع.

لست من هواة التشكيك بكل الأحاديث، ليس فقط لأنني لست من علماء الحديث ولا أفقه شيئا يذكر عن كيفية تحقيق الأحاديث، وإنما لأني أعلم أن العديد من ذوي النوايا السيئة والمضللين يتخذون من التشكيك بحديث ضعيف أو موضوع حجة للبدء بالتشكيك بكل الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، وهذا مما لا ينبغي لأنه منهج التغريبيين واللبراليين والعلمانيين والانهزاميين وساء أولئك رفيقا.

وإذا عدنا إلى محور هذا المقال لوجدنا أن مقولة "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" مغلوطة، أو على الأقل منقوصة كما سنرى لاحقا، ليس فقط لكونها ليست بحديث، وإنما لأنها لا يمكن أن تفسر ظاهرة حرص العديد من الدول المتقدمة على نشر لغاتها في أنحاء العالم. فهل تحرص دول مثل أمريكا وفرنسا وغيرها على فرض لغاتها على الدول الأخرى حتى تأمن تلك الدول شرها؟ أم حتى تأمن أمريكا وفرنسا مكر تلك الدول؟ وهل يعد مركز مثل المجلس الثقافي البريطاني مجرد معهد لتعليم اللغة الإنجليزية نحج إليه حتى نتعلم الإنجليزية فنأمن مكر الإنجليز؟ أم أنه أداة للترويج للثقافة البريطانية وتحبيبها إلى نفوسنا كما يوحي اسمه بذلك؟

إن ما تقوم به العديد من الدول القوية في عصرنا هذا من نشر للغاتها ليس سوى أحد أوجه استخدامها لما بات يعرف بالقوة الناعمة، وهي ضرب من الإغواء بالثقافة تهدف من خلاله تلك الدول لأن تأمن مكرنا وتروضنا حتى نسلم بحتمية سيادتها علينا وعلى غيرنا دون الحاجة إلى تجييش الجيوش وإطلاق الصواريخ من قبل تلك الدول. فأحيانا يكون قصف العقول أنجع وأقل تكلفة من تدمير البلدان واحتلالها. (راجع هذا التقرير عن مفهوم القوة الناعمة وراجع الصفحات رقم ٦٤ و ٦٥ و ٦٦ للتعرف باختصار على دور اللغة الإنجليزية كقوة ناعمة في الدول العربية).

وقد يحتار القاريء هنا متسائلا: هل يعني ما ذكرته أعلاه أن مجرد تعلمي للغة كالإنجليزية سوف يغير من مفاهيمي ويجعلني تابعا لماما أمريكا؟

الإجابة تكمن في إدراك أن الأعمال بالنيات، فمن كان يريد تعلم لغة قوم ليأمن مكرهم كان له ما أراد حتى وإن كان حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" لا أصل له. ومن كان ينوي تعلم لغة قوم ليضر بها قومه بصورة مباشرة أو غير مباشرة وليغوص في وحل العمالة حصل على مراده. ومن تعلم لغة قوم طلبا لعلم نافع لديهم فلا تثريب عليه. ومن تعلم لغة قوم رغبة في الهجرة إلى بلادهم فهجرته إلى ما هاجر إليه. ومن تعلم لغة قوم ليستعلي بها على قومه ويوهم ذاته بتقدمه وتحضره كان له من التمايز والتقدم الزائفين ما أراد.

والخلاصة أن السؤال الذي عنونت به هذا المقال يحتمل أكثر من إجابة حسب مراد كل منا. ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا جنينا من وراء تعلمنا للغات الآخرين؟ هل أمنا مكرهم؟ أم أن قوتهم الناعمة تدمرنا من حيث لا ندري؟

فكر مليا عزيزي القاريء قبل الإجابة.