الثلاثاء، 31 يوليو 2012

خلدونيات لغوية: الكلام المطبوع

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________




تكلم علماء اللغة في القديم والحديث عن مفهومي الطبع والصنعة وأثرهما على الأدب عامة والشعر خاصة، حيث تعددت تعريفاتهم وآرائهم حول المفهومين وحول ما إذا كانت الصنعة في الشعر محبذة أم لا.

ودون الدخول في تلك التعاريف والآراء فإننا نوجز ونقول أن الطبع في الشعر هو القدرة على قول الشعر المستساغ، أما الصنعة فهي إضافة على ذلك وقد تزيد الشعر جمالا أو تجعل فيه تكلفا.

وقد تكلم ابن خلدون في مقدمته عن الكلام المطبوع والكلام المصنوع، إلا أن اللافت للنظر أنه لم يقصر دورهما على الأدب فقط، وإنما رأى أن دورهما يتجاوز ذلك ليشمل اللغة كلها كما سيرد لاحقا.

وقد أورد ابن خلدون تعريفا للكلام المطبوع في المقدمة حيث ذكر أنه " الكلام الذي كملت طبيعته وسجيته من إفادة مدلوله المقصود منه، لأنه عبارة وخطاب ليس المقصود منه النطق فقط، بل المتكلم يقصد به أن يفيد سامعه ما في ضميره إفادة تامة، ويدل به عليه دلالة وثيقة".

ويبين هذا التعريف أن للكلام المطبوع طبيعة اجتماعية، فهو ليس عبارة عما في نفس المتحدث فقط، وإنما خطاب للمستمع أيضا، مما يستلزم استخدام كلام وثيق الدلالة بحيث لا يختلف معنى الكلام الكامن في ذهن المتحدث عما يقع على أسماع المتلقي. ولكي يتم هذا فإن على المتحدث أن يتكلم بكلام شاع استخدامه في المجتمع واصطلح على صيغته ومعناه ومقام مقاله.

ومثال ذلك أننا إذا أردنا أن نعزي أحدهم لوفاة قريب له فإننا نقول له "عظم الله أجركم"، وهي عبارة من الكلام المطبوع، لأننا إذا قرأناها مجردة من مقام مقالها لما وجدنا فيها ما يدل على الموت أو العزاء أو المواساة، لكنها اكتسبت دلالتها باستخدام الناس لها في مقام التعزية.

ولأن تلك العبارة من الكلام المطبوع فإنه لا يسعنا تغيير مفرداتها بمترادفات أخرى، فإذا استعضنا عنها بعبارات من قبيل "عظم الله جزائكم" أو "زاد المولى ثوابكم" لما فهم المستمع أننا نقصد مواساته لوفاة أحد ذويه، لأن هاتين العبارتين لم يصطلح على أنهما تقالان في مقام مواساة أهل الميت، وإن كانت كلماتهما مرادفة لكلمات العبارة المصطلح عليها.

وقد يقول قائل أن تعريف ابن خلدون للكلام المطبوع كان في سياق حديثه عن الأدب والشعر وأنه ليس له علاقة بعموم اللغة، وهذا ليس بصحيح، وذلك لأن ابن خلدون تكلم في عدة مواضع أخرى في معرض حديثه عن اللغة عن الكلام المطبوع وإن لم يذكره بالإسم في تلك المواضع. وأوضح دليل على ذلك ما ذكره عن الفرق بين كلام الفقهاء ونظم الشعراء، حيث قال:

 "أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان، كاتب العلامة بالدولة المرينية، قال: ذاكرت يوما صاحبنا أبا العباس بن شعيب، كاتب السلطان أبي الحسن، وكان المقدم في البصر باللسان لعهده، فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي، ولم أنسبها له، وهو هذا:

لم أدر حين وقفت بالأطلال            ما الفرق بين جديدها و البال

فقال لي على البديه: هذا شعر فقيه، فقلت له: ومن أين لك ذلك، فقال: من قوله ما الفرق، إذ هي من عبارات الفقهاء و ليست من أساليب كلام العرب، فقلت له: لله أبوك، إنه ابن النحوي".

والشاهد في هذه القصة أن للفقهاء كلاما مطبوعا مختلف عن مطبوع الشعراء، مما يدل على أن الكلام المطبوع لا ينحصر في الأدب فقط.

وقبل أن نفصل في الموضوع فإن علينا ألا ننسى أن ابن خلدون وهو واضع اللبنات الأولى لعلم الاجتماع كانت له نظرة شاملة للغة بصفتها ظاهرة اجتماعية، مما يجعل دور الكلام المطبوع مهما جدا فيها، وذلك لأنه ينطوي على استخدام المتحدث كلاما يفهم المستمع معناه ودلالته فهما كاملا بحيث لا يغني كل على ليلاه.

وللتفصيل نقول أن ابن خلدون أسس لهذه الفكرة عندما تحدث عن كيفية اكتساب اللغة في فصل بعنوان "في أن اللغة ملكة صناعية"، حيث قال:

" إعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني، وجودتها وتصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها. وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب. فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع. وهذا هو معنى البلاغة. والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال، لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم يتكرر، فيكون حالا. ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة. ثم يزيد التكرار، فيكون ملكة، أي صفة راسخة. فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا. ثم يسمع التراكيب بعدها، فيلقنها كذلك. ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر، إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل، وتعلمها العجم والأطفال. وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع، أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم".

ومعنى هذا الكلام أن اللغة تكتسب عن طريق السماع والتعرض المتكرر لها أولا، ثم الربط بين أساليب وكيفيات التعبير من جهة، والمقاصد والمقامات التي تستخدم فيها تلك الأساليب والكيفيات من جهة أخرى، إلى أن تنطبع اللغة في ذهن المتلقي فتصبح سليقة لديه.

ومن المهم هنا أن نشير إلى ما قاله ابن خلدون عن أن ملكة اللغة ليست في اكتساب المفردات، وإنما في اكتساب التراكيب، بمعنى أننا حين نكتسب اللغة في الصغر نبدأ باكتساب كلمات متفرقة، ثم مع ازدياد التعرض للغة نبدأ باكتساب تراكيب بأكملها ونربط بين كل تركيب و"مقتضى الحال" أو المقام الذي يستخدم فيه.

ومن الواضح أن كلام ابن خلدون يعنى أننا بعد تخطي مرحلة المفردات نكتسب اللغة بالجملة وليس بالتجزئة، إذ أن كثيرا مما نكتسبه ليس مكونا من كلمات بمفردها وإنما من تعابير وجمل كاملة وأجزاء جمل تشكل العمود الفقري للغة الذي يستخدمه أفراد المجتمع ويتداولونه ككلام مطبوع ثابت إلى حد كبير وله معان محددة تستخدم في مقامات محددة.

ولمزيد من التوضيح دعونا ننظر في الأمثلة التالية:


١- يعد برج خليفة أعلى ناطحة ______ في العالم.
٢- _______ الجيش السوري الحر على العديد من الأسلحة بعد أن _______ مجموعة من جنود الجيش النظامي بالفرار.
٣- تعاني العديد من الدول الفقيرة من استشراء الفساد وسوء توزيع ________، فبينما تعيش قلة من الأغنياء في ثراء _______، يعاني الكثير من أفراد الشعب من فقر _______.

إذا طلبنا من أي متحدث بالعربية أن يملأ الفراغات أعلاه فإن إجابته ستكون كالتالي:
١- سحاب
٢- استولى، لاذت
٣- الثروة، فاحش، مدقع

وإذا عرضنا الجمل الثلاث على ملايين المتحدثين بالعربية فإن إجاباتهم لن تختلف غالبا عن بعضها، وذلك لأن المتصاحبات التي تحتوي عليها تلك الجمل شائعة في اللغة العربية الفصحى ومألوفة لمتحدثيها لدرجة أنهم يستخدمونها تلقائيا دون تفكير، حيث أنها انطبعت في أذهانهم جملة واحدة وليست كلمات منفصلات يركبونها عند الحديث. (راجع معجم المتصاحبات للمزيد من الألفاظ المشتركة).

ولأن اللغة مكتسبة وليست موضوعة فإن عمادها الكلام المطبوع لا المصنوع، ولهذا يؤكد ابن خلدون على "أن النقل الذي تثبت به اللغة، إنما هو النقل عن العرب أنهم استعملوا هذه الألفاظ لهذه المعاني، لا تقل إنهم وضعوها لأنه متعذر وبعيد، ولم يعرف لأحد منهم".

وبما أن جل اللغة يثبت بالنقل، فإن جلها لا يثبت بالقياس، إذ لا يمكن أن نقيس "ما لم نعلم استعماله على ما عرف استعماله" كما يبين ابن خلدون. وهذا يعني أننا لا يمكن أن نقول "ناطحة سحب" بدلا من "ناطحة سحاب"، وذلك رغم أن كلمة "سحابة" تجمع على "سحاب" و"سحب"، لا لشيء سوى أن الناس لا يقولون "ناطحة سحب".

ولهذا امتدح ابن خلدون علماء العربية ومعلميها في الأندلس، وذكر أنهم أقدر على اكتساب الفصحى وتعليمها من سواهم " لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم"، أي أنهم اعتمدوا في اكتسابها على النقل لا القياس.

أما أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فقد انتقدهم ابن خلدون لأنهم اعتمدواعلى القياس " فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثاً وقطعوا النظر في التفقه في كلام العرب إلا أن أعربوا شاهداً أو رجحوا مذهباً من جهة الإقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه. فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل وبعدت عن مناحي اللسان وملكته".

وباختصار فإنه إذا كان جل اللغة يثبت بالنقل لا بالقياس فإن هذا يعني أن للكلام المطبوع دورا حيويا فيها، وأن اكتساب المتلقي اللغة يعني اكتساب ما يتناقله متحدثوها من كلام بمخالطته حتى ينطبع في ذهنه كما انطبع في أذهان الآخرين وصار كلاما مطبوعا.

شواهد وفوائد
إذا أردنا أن نعدد وظائف الكلام المطبوع فقد يتحول هذا المقال إلى كتاب، ولذلك فإننا سنركز على ثلاث نقاط فقط، وهي كالتالي:

أولا، يساهم الكلام المطبوع في تيسير التواصل بين الناس وتمكينهم من فهم بعضهم دون مشقة، وذلك لأن لكل تعبير متدوال بين الناس دلالة محددة متصلة بمقام استخدامه، مما يمكن المستمع من فهم كلام المتكلم دون عناء، لأنه قد سمع جل التعابير التي يستخدمها المتكلم مئات المرات من قبل وانطبعت في ذهنه صيغها ودلالاتها ومقاماتها.

وعلى سيبل المثال فعندما يقول أحدهم أنه اشترى سيارة مثلا "من عرق جبينه"، فإنه يستخدم تلك الصيغة المحددة ليؤكد أنه جمع المال اللازم لشراء السيارة معتمدا على نفسه دون مساعدة أو تفضل من أحد، وأنه جمع هذا المال عن طريق الكسب الحلال، وأنه اجتهد وكد لتحصيله.

ومن نافلة القول أن بعضنا يزاول أعمالا لا تتطلب أن يفرز المرء نقطة عرق واحدة لإنجازها، وقد يزاول البعض الآخر أعمالا تتطلب مجهودا بدنيا شاقا يؤدي إلى إفراز العرق من جميع أعضاء الجسم وليس من الجبين فقط، ورغم هذا وذاك فإن الجميع يقولون أنهم يكسبون لقمتهم من عرق جبينهم بغض النظر عن كمية العرق المفرز ومواضع إفرازه. كما أننا لا نكاد نسمع عاملا مثلا يقول أنه يكسب ماله "من جهد عضلاته"، ولا مديرا يقول أنه يكسب ماله "من جهد ذهنه"، فالجميع يكسب ماله "من عرق جبينه"، وهو تعبير محدد الصيغة والدلالة والمقام، مما يسهل على الناس فهم بعضهم دون عناء.

ثانيا، يساهم الكلام المطبوع في الحفاظ على وحدة اللغة والحد من تغيرها عبر الأجيال، وذلك لأنه كلام ثابت إلى حد كبير يشكل الهيكل الأساسي للغة ويستعمله متحدثوها تلقائيا غير معتمدين على استحضار قواعد اللغة لتركيب أجزائه.

وإذا كان الاعتماد على الكلام المصنوع أكبر من الاعتماد على المطبوع لوجدنا اختلافا كبيرا داخل اللغة حتى وإن لم تختلف قواعدها، فكما رأينا في الأمثلة المذكورة آنفا فإن معرفتنا بقواعد اللغة وكلماتها تمكننا من الإتيان بتعابير أكثر بكثير من التعابير المستخدمة في كلامنا اليومي دون أن نخالف تلك القواعد، لكننا لا نفعل ذلك ونعتمد على التعابير الشائعة مما يمكننا من الحفاظ على وحدة جزء كبير من اللغة.

وقد أشار ابن خلدون إلى هذا المعنى حين ذكر أن "المتكلم بلسان العرب و البليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه وسهل عليه أمر التركيب حيث لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب وإن سمع تركيباً غير جار على ذلك المنحى مجه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر".

ويضيف ابن خلدون قائلا أن الضليع في كلام العرب "إذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجه وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم. وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع أهل القوانين النحوية والبيانية فإن ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء".

ويدل هذا الكلام على أن إتقان الفصحى يقوم على التمكن من مطبوعها أكثر من التبحر في قواعدها، لأن القدرة على استعمال القواعد قد تمكننا من الكلام بلغة عربية خالية من الأخطاء النحوية ولكنها تختلف عن الفصحى التي عهدناها. وكثيرا ما نلاحظ ذلك في بعض الكلام المترجم من لغة أجنبية إلى العربية، فرغم كونه عربيا موافقا لقواعد النحو فإننا نحس فيه غرابة وبعدا عن العربية المعهودة لنا، وذلك لأن بعض المترجمين لا يستطيعون التخلص من قيود اللغة الأجنبية، مما يجعل ترجماتهم عربية لكنها ذات كلام مصنوع لا مطبوع.

ثالثا، بالرغم من أن الكلام المطبوع يشكل عماد اللغة وركنها الركين إلا أن هذا لا يعني أن كل كلامنا مطبوع، فقد نتكلم بكلام مصنوع، إلا أن مدى قربه من أساليب الكلام المطبوع هو ما يحدد مدى تقبلنا له على أنه من كلام العرب، وإن لم يقل به أحد قبلنا.

وقد قرر ابن خلدون ذلك حين أشار إلى أنه إذا أراد أحدهم إتقان الفصحى فإن ذلك يكون "بكثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم". وأضاف أيضا في موضع آخر أن "على قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال"، أي كثرة استعمال الكلام الفصيح المكتسب، "تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا".

ولذلك فإن من أهم وظائف الكلام المطبوع أنه يشكل القاعدة التي يمكن أن نبني عليها كلامنا المصنوع، إذ هو كما ذكر ابن خلدون المنوال الذي ننسج عليه، والذي يساهم بدوره في الحفاظ على نسق اللغة ليكون لدينا بذلك مصنوعا يمكن أن نسميه بالمصنوع المتصل، وهو ما بني على نهج الكلام المطبوع، وعكسه المصنوع المنفصل، وهو ما أسس بنيانه على فراغ فبدا غريبا عن روح اللغة وإن كانت أجزائه منها.

خاتمة
بالرغم من أن أغلب الحديث في هذا المقال قد دار حول الكلام المطبوع في الفصحى، إلا أن هذا لا يعني أنه مقصور عليها، فلكل لهجة مطبوعها، وقد تشترك بعض اللهجات في كلامها المطبوع مع اختلاف في النطق، وقد يتلاقى بعض مطبوع اللهجات مع بعض مطبوع الفصحى كقولنا "من عرق جبينه"، مع اختلاف في النطق طبعا.

وحتى داخل الفصحى ذاتها نلحظ أن هناك اختلافا بين لغة الصحافة، ولغة العلوم، ولغة القانون، ولغة الأدب، ولكل منها مطبوعها الذي يميزها.

ثمة نقطة أخرى لا ينبغي إغفالها وهي أن الكلام المطبوع رغم كونه ثابت الصيغ إلا أن تصاريف أجزائه قد تختلف، فقد نقول من عرق جبيني وجبينه وجبينها وما إلى ذلك من تصاريف. وبالتالي فإن أجزاء الكلام المطبوع ثابتة في أصلها مختلفة أحيانا في تصاريفها.

وبناء على كل ما سبق فإننا يمكن أن نعرف الكلام المطبوع على أنه:

الكلام المتداول بين الناس أو مجموعة منهم بصيغ ثابتة أو شبه ثابتة تستخدم في مقامات بعينها بدلالات محددة.

وإذا استشكل عليك عزيزي القارئ هذا التعريف فإن من الممكن أن نجمل ونقول أن الكلام المطبوع في اللغة العربية هو الكلام العربي الذي يتكلم به العرب، وعكسه ليس الكلام الأعجمي، وإنما الكلام العربي الغريب عن كلام العرب، وهو المصنوع المنفصل. وبين هذا وذاك كلام مصنوع متصل بنسق الكلام المطبوع قريب منه منسوج على منواله.

كم بين قوم قد احتالوا لمــــــنطقهم .... وآخرين عـــلى إعرابهم طبعــــــــــوا
وبيـــن قوم رأوا شيئاً معــــــــاينة ..... وبيــن قوم رووا بعض الذي سمــعوا

السبت، 30 يونيو 2012

خلدونيات لغوية: بين الفصحى واللهجات

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
___________________________________________________


تعد سيطرة اللهجات العامية على ألسنة الكثير من أبناء العربية أحد المشاكل التي تواجهنا منذ زمن بعيد، إذ يصعب أن نجد من هو قادر على النطق بعربية سليمة دون أخطاء، وذلك حتى بين من الحاصلين على الشهادات الجامعية وبين من يشغلون مناصب عليا في بلادنا.

وبما أن ابن خلدون عاش في القرن الثامن الهجري حيث كان الفرق بين الفصحى والعاميات واضحا جليا، فإن لنا أن نتسائل: كيف عالج ابن خلدون هذا الموضوع؟

أولا، قبل أن نسترسل في الحديث عن ما قاله ابن خلدون عن اللهجات الدارجة في عصره والتي قسمها إلى قسمين، أولهما اللهجة البدوية، وثانيهما لهجات الحضر التي قسمها إلى لهجة المشرق ولهجة المغرب ولهجة الأندلس، فإن من اللافت للنظر أن صاحب المقدمة أوضح أن اختلاف اللهجات العامية عن الفصحى لا يعني أن ليس لها قواعد، فكما أن للفصحى قواعد فإن للهجات الدارجة قواعدها وإن لم تدون. ولذلك يقول ابن خلدون أننا "لعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد"، أي أننا لو درسنا اللهجات الدراجة في زمنه، "واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها. ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر"، أي في العربية الفصحى، "فليست اللغات و ملكاتها مجانا"، أي أن لكل لهجة نظام وقوانين وقواعد وإن لم تستنبط. ولذلك يؤكد ابن خلدون في موضع آخر أن كل متحدث من متحدثي اللهجات الدارجة "متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه. وهذا معنى اللسان واللغة. وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم".

وإذا عدنا إلى تقسيم ابن خلدون للهجات العامية في عصره نرى أن ذلك التقسيم لم يكن على أساس جغرافي فقط، وإنما على أساس لغوي أيضا، حيث ذكر ابن خلدون أن عربية البدو في عصره كانت قريبة من الفصحى، فهي من ناحية "بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيين الفاعل من المفعول فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد".

ومعنى هذا الكلام أن الفرق بين الفصحى وعامية البدو في عصر ابن خلدون هو أن الأخيرة فقدت حركات الإعراب كالفتحة والضمة وانتشر فيها تسكين أوخر الكلمات، مما أدى إلى استخدام سبل أخرى لتحديد الفاعل والمفعول مثل تقديم الفاعل على الفعل بعكس الفصحى التي يتقدم فيها الفعل على الفاعل. وللتوضيح نضرب المثال التالي:

في الفصحى:  قتلَ البطلُ الأسدَ.

في العامية: البطلْ قتل الأسدْ.

نجد في المثال الأول أن حركات الإعراب هي التي تحدد القاتل من المقتول، إذ يسعنا أن نقدم المفعول به لنقول "قتلَ الأسدَ البطلٌ" دون أن يتغير المعنى، لأن حركات الإعراب هي التي تبين الفاعل والمفعول بغض النظر عن موقعهما في الجملة.

أما في الجملة العامية فإننا نجد أن تغيير موضع الأسماء بالبدء بالأسد بدلا عن البطل يغير معنى الجملة، إذ يصبح الأسد فاعلا والبطل مفعولا به، وذلك لأن فقدان حركات الإعراب وتسكين أواخر الكلمات يجعلان من العسير تعيين الفاعل من المفعول، ولذلك يبدأ متحدثو العامية بالفاعل حتى لا يختلط المعنى على المستمع، وهذا ماعناه ابن خلدون بالتقديم والتأخير، وهما سمة من سمات لهجاتنا المعاصرة أيضا.

وبالطبع فإن معنى الجملة يفهم اعتمادا على ما ذكر قبلها وبعدها، فجملة مثل المذكورة أعلاه لا تقال دون تمهيد أو معرفة بما سبق الحدث، إذ غالبا ما يكون عند المستمع فكرة عما يسميه ابن خلدون "بساط الحال"، وهو ما يعرف اليوم بالسياق.

ولا يعني تأكيد ابن خلدون على أن الفروق بين الفصحى ولهجة البدو في عصره لم تكن كبيرة جدا أنهما يكادان يتطابقان، إذ أنه بالإضافة إلى تميز الفصحى باحتفاظها بحركات الإعراب فإن البيان والبلاغة فيها " أكثر وأعرق" كما يستدرك ابن خلدون.

أما بالنسبة للهجات الحضر فقد قسمها ابن خلدون كما  ذكرنا إلى ثلاث لهجات رئيسة، وهي لهجة الأندلس ولهجة المغرب ولهجة المشرق. كما بين ابن خلدون أن هذه اللهجات تختلف عن بعضها، كما أنها تختلف اختلافا كبيرا عن الفصحى وعن دارجة البدو، وهي أبعد من الفصحى من دارجة البدو، والسبب في ذلك أن أهل الحضر اختلطوا بغير العرب اختلاطا كثيفا، ومن "خالط العجم أكثر كانت لغته عن اللسان العربي أبعد".

ومن مظاهر هذا الاختلاف أن لهجات الحضر لم تفقد حركات الإعراب في أواخر الكلمات فقط، وإنما اشتملت أيضا على كلمات موجودة في الفصحى ولكن بمعنى مغاير، ولذا يذكر ابن خلدون أن تلك اللهجات "تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب وكذا أهل الأندلس عنهما".

ولهذا السبب اعتبر ابن خلدون أن عربية الحضر أبعد من الفصحى من عربية البدو، إذ اختلفت عن الفصحى في إعراب الكلمات وفي مصطلحاتها وليس في الإعراب فقط.

ثانيا، بالنسبة للعلاقة بين الفصحى واللهجات الدارجة فقد ذكر ابن خلدون أن السبيل إلى إتقان الفصحى هو مخالطتها مخالطة مكثفة حتى يصبح الكلام العربي الفصيح سليقة لدى المخالط يستخدمه بطلاقة دون التفكير في الإعراب أو في قواعد النحو والصرف.

وقد ذكر ابن خلدون أن تلك المخالطة تؤتي أكلها كاملة لمن يربى على اللهجات الدارجة العربية، ولكنها لا تؤدي إلى التمكن من الفصحى لمن يربى على لغة غير اللغة العربية، وذلك لحلول ملكة أخرى واستحكامها عند الأعجمي، وهو ما يؤدي إلى عدم قدرته على الوصول إلى درجة قدرة العربي على إتقان الفصحى.

وهذا يعني أن العربي المخالط للفصحى بكثافة عالية يسعه أن يبلغ درجة تمكن من الفصحى يمكن وصفها بالكمال، بينما يستحيل ذلك على الأعجمي الذي مهما أتقن اللغة يظل له قصورا في بعض جوانبها. ولهذا أكد ابن خلدون أن ما يسميه أهل البيان بالذوق، وهو "حصول ملكة البلاغة للسان"، "لا يحصل للمستعربين من العجم".

لكن ابن خلدون لا يتوقف عند هذا الحد، إذ أنه يفرق بين عرب البادية وعرب المدن المجاورين للعجم من ناحية قدرة كل منهما على اكتساب الفصحى بالمخالطة، فعرب البادية لا يواجهون عائقا كبيرا إذا ما راموا إتقان الفصحى بالمخالطة، لانعزالهم عن العجم ولأن لهجتهم زمن ابن خلدون كانت قريبة من الفصحى ولم تختلف عنها إلا من ناحية فقدانها حركات الإعراب وانتشار التسكين في أواخر الكلمات، ومن ناحية أنها كانت أقل درجة في البيان والبلاغة كما سبق أعلاه.

أما بالنسبة لعرب الحضر فإن ابن خلدون يفرق بين عرب المدن المجاورين لغير العرب في الأرياف والبادية من ناحية، وعرب المدن الكائنة في بلاد يشكل متحدثو العربية الأغلبية داخل مدنها وخارجها.

ومثال المجموعة الأولى بلاد المغرب قبل هجرة بني هلال وبني سليم إليها في القرن الخامس الهجري، إذ كان العرب في الأربعة قرون الأولى من الهجرة يشكلون أقلية تسكن المدن وكانوا محاطين بالبربر، مما جعل لسانهم العربي بعيدا عن اللسان العربي الأول، ولهذا "كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم"، أي أن اكتسابهم الفصحى بمخالطتها كان صعبا لأن دارجتهم كانت بعيدة جدا عن الفصحى.

أما أهل الأندلس، وهم مثال ابن خلدون على المجموعة الثانية، فقد كانوا "أقرب إلى تحصيل هذه الملكة"، ليس فقط "لكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظما ونثرا"، وإنما أيضا لأن " أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم إنما هم طارئون عليهم. وليست عجمتهم أصلا للغة أهل الأندلس".

وعليه فإن الفصل الذي عنونه ابن خلدون بقوله " في أن أهل الأمصار على الإطلاق"، أي عامة، "قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم ومن كان منهم أبعد عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب وأعسر"، لا يعني أن كل أهل المدن كذلك، وإنما الظاهر أن ابن خلدون عنى بذلك أهل الأمصار المجاورين لغير العرب المتأثرة لهجتهم العربية بكلامهم تأثرا عميقا. والدليل على ذلك أنه عد أهل الأندلس من القادرين على اكتساب الفصحى بالمخالطة رغم انتشار التمدن والعمران بينهم.

وباختصار فإن ابن خلدون يرى أن اكتساب الفصحى لمتحدث العامية ممكن شريطة مخالطتها بكثرة حتى يستطيع التحدث بها كمن نشأ بين العرب الأوائل.


شواهد وفوائد
قد يرى البعض في تأكيد ابن خلدون على أن لكل لهجة عامية قواعدها دعوة إلى العامية ومحاولة لزعزعة مكانة الفصحى، وقد يرى البعض الآخر أن ابن خلدون كان مفكرا تقدميا وتحرريا ولبراليا وما إلى ذلك من الأوصاف التي دخلت معجمنا الحديث، لكننا لا يمكننا أن نصف ابن خلدون بمثل تلك الأوصاف ليس فقط لأنه لم يعش في عصرنا الذي اقتحمت فيه المفاهيم الغربية ثقافتنا، ولكن لأن مثل هذه القراءة لا يمكن إلا أن تكون اجتزاءً لكلام الرجل دون النظر إلى شمولية فكره وتوازنه.

وإذا حاولنا أن نتحقق من كلام ابن خلدون لوجدنا بالفعل أن لكل لهجة عامية قواعدها المتعارف عليها بين متحدثيها حتى وإن لم تستقرأ وتدون، والدليل على ذلك أنه إذا حاول أحدهم التحدث بلهجة غير لهجته لعرف متحدثو تلك اللهجة أنه طارئ عليها وأنه ليس من أهلها. ولذلك نجد أنه حينما ينجح أحد الممثلين في أداء دور بلهجة غير لهجته الأم فإنه يلقى الثناء من النقاد والمشاهدين لعلمهم بمدى صعوبة القيام بذلك.

لكن حقيقة أن لكل لهجة قواعدها لا تعني أن ابن خلدون كان من دعاة العامية، إذ ذكر في مقدمته أنه "وقعت العناية بلسان مضر"، أي بالفصحى، "لما فسد بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب وصارت ملكته على غير الصورة التى كانت أولا فانقلب لغة أخرى. وكان القرآن منزلا به والحديث النبوي منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة فخشي تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي نزلا به فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستباط قوانينه. وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سماه أهله بعلم النحو وصناعة العربية فأصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا وسلما إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وافيا."

ومن هنا يتبين لنا أن هناك سببا وجيها للاهتمام بالفصحى، وهو فهم الكتاب والسنة. أما بالنسبة لاستقراء وتدوين قواعد اللهجات الدارجة فإن ابن خلدون يؤكد أننا "ليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ويدعونا إليه". وهذا دليل على أن الرجل لم يكن يروج للعامية بقدر ما كان يقر واقعا محسوسا يراه ويسمعه الجميع.

النقطة الثانية التي ينبغي ملاحظتها هي ما أقره ابن خلدون من أن من يربى على لهجة عامية يمكنه أن يتقن الفصحى عن طريق مخالطتها، بينما لا يتمكن الأعجمي من الفصحى كالعربي، وهذا من المعلوم من الواقع بالضرورة، حيث نجد أن الغالبية العظمى من متقني الفصحى اليوم هم من العرب الذين نشأوا على لهجتهم الدارجة وخالطوا الفصحى لاحقا فأتقنوها أكثر من الأعاجم متعلمي العربية التي يندر أن يصلوا إلى درجة إتقان العربي للفصحى رغم أن غالبيتهم يركزون على تعلم الفصحى دون اللهجات الدارجة.

وهذا يعني أن الاختلافات بين الفصحى واللهجات ليست هائلة لدرجة الزعم بأن الفصحى لغة مستقلة بذاتها عن باقي اللهجات، إذ أنها إن كانت كذلك لوجدنا أن الصعوبة التي يواجهها متحدثو العاميات بذات القدر من الصعوبة التي يواجهها متعلمو العربية من العجم، وما هي بذلك.

ولذا فإن من الممكن أن نعتبر اللهجات العامية وجوها أخرى للغة العربية، فهي رغم اختلافها البين عن الفصحى تظل جزءً من جسد اللغة الواحد، مما يسهل على متحدثيها التمكن من الفصحى إن هم أرادوا ذلك، وهو ما لا يتأتى لجل طلاب العربية من الأعاجم.


خاتمة
مما لا شك فيه أن سبب الجدل القائم حول الفصحى واللهجات الدارجة في عصرنا الحديث هو المحاولات الحثيثة لإقحام العامية في مجالات الفصحى عن حسن أو سوء نية، ولا شك أيضا أن السبيل إلى إنهاء ذلك الجدل هو تدعيم الفصحى وزيادة فرص مخالطتها وتسييدها في مجالاتها حتى يتوفر لدى كل عربي وجهان من اللغة العربية يستخدم كلا منهما في المقام المناسب. ومن شأن هذا الحل أن يحصر اللهجات داخل حدودها ويحول دون تسربها إلى أرض ليست ملكا لها.

ولا يجب أن نظن أن ذلك صعب المنال، إذ أننا نرى من حولنا الكثير ممن هم على درجة عالية من إتقان الفصحى، فنحن نلحظ على علماء الدين مثلا فصاحة عالية ونطقا سليما والتزاما بحركات الإعراب، وهو ما يبين مدى أهمية مخالطة الفصحى في تقويم اللسان وجعل النطق بها سليقة.

أما حلول مثل تقعيد اللهجات وهجر الفصحى بزعم صعوبتها وتعقيدها فهي هراء لا ينبغي أن نلتفت إليه وانهزامية لا يجب أن نستسلم لها، فالفصحى لغتنا، وإذا ما عشنا بين ثناياها وحيينا بها فإنها يمكن تجري على ألسنتنا بسهولة ويسر حتى يكون نطقنا بها غير بعيد عن لغة العرب الأوائل، فنتنزل بذلك كما يقول ابن خلدون "منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم".

الخميس، 31 مايو 2012

خلدونيات لغوية: مخالطة الفصحى سبيلا لإتقانها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________


يظن البعض منا أن اللهجات العامية المتداولة في بلادنا ظاهرة حديثة لم تكن موجودة في عصر الحضارة الإسلامية، وأن العرب في ذلك العصر لم يكونوا يخاطبون بعضهم سوى بالفصحى التي لا يشوبها خطأ ولا يستعمل فيها شيء من كلامنا المعاصر.

وقد ساهم في ترسيخ هذا التصور عدة عوامل منها أن ذلك العصر أقرب إلى عصر صدر الإسلام من عصرنا، كما أنه كان عصر حضارة وازدهار وليس عصر تراجع. أضف إلى ذلك أن أغلب ما وصلنا من ذلك العصر وصلنا كتابة وليس مشافهة، والمعروف أن جل ما كتب بالعربية في ذلك العصر كان بالفصحى وليس باللهجات الدارجة.

ولذلك فإننا عندما نتخيل الحياة في ذلك العصر نتصور أناسا يتخاطبون بالفصحى، وربما يكون هذا التصور هو ما يدفع القائمين على المسلسلات التاريخية مثلا إلى اتخاذ الفصحى لغة حوار بين الممثلين بغض النظر عن طبيعة كل مشهد.

لكن دارس العربية يعلم جيدا أن نشوء اللهجات العامية بدأ مبكرا جدا، مما حدا بالكثيرين إلى الاهتمام باللغة العربية حتى صار لدينا النحو والصرف والبلاغة والبيان وما إلى ذلك مما يتصل بعلوم اللغة العربية.

ولقد مثل القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه ابن خلدون مرحلة متقدمة من الاختلاف بين اللهجات الدراجة والفصحى، مما دفع ابن خلدون إلى التفكير في كيفية إتقان الفصحى رغم عدم كونها اللغة الشائعة في المجتمع المكتسبة دون عناء.

ولذلك عقد صاحب المقدمة فصلا في مقدمته بعنوان " في تعليم اللسان المضري"، بدأه بالتأكيد على أن "ملكة اللسان المضري"، أي القدرة على الحديث بالفصحى دون عناء، "قد ذهبت وفسدت"، وأن "لغة أهل الجيل كلهم"، أي لغة أهل عصره، "مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن"، وأنها "لغة أخرى من امتزاج العجمة بها"، أي أن الاختلاف بين العاميات والفصحى صار كبيرا جدا بسبب امتزاج العرب بغيرهم.

وبسبب هذا التباين الكبير بين اللهجات الدارجة والفصحى فإن ابن خلدون اقترح طريقة لإتقان الفصحى وتحصيل ملكتها، وهي كما يشرحها هو كالتالي:

"ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حساب عباراتهم و تأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينهما وبين مقتضيات الأحوال. والذوق يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر. وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا، ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها".

ومعنى هذا الكلام أن على من يريد أن يتقن الفصحى أن يقوم بما يسميه ابن خلدون بمخالطة كلام العرب الفصيح حتى يتمكن بعد فترة من المخالطة من الحديث بالفصحى دون ارتكاب أخطاء لغوية، فمن يقرأ ويستمع إلى الكلام الفصيح ويستعمله كثيرا يستطيع مع مرور الوقت التحدث بالفصحى دون عناء ودون تفكير في ما يجب أن يرفع أو ينصب أو يجر أو يسكن، إذ يصبح الكلام الفصيح سليقة لديه يجري على لسانه حاله حال قدرته على التحدث بلهجته العامية.

ولذلك يتابع ابن خلدون كلامه بالتفريق بين العلم بقواعد اللغة وبين القدرة على تطبيق تلك القواعد تطبيقا صحيحا دون عناء، إذ يؤكد في فصل بعنوان "في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم" أن هناك فرقا شاسعا بين من يحفظ ويفهم قواعد اللغة عن ظهر قلب ويستطيع شرحها بتفاصيلها وبين من يطبق تلك القواعد تطبيقا طبيعيا تلقائيا، فالعلم بقواعد اللغة "علم بكيفية لا نفس كيفية"، و"العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل".

ويبرهن ابن خلدون على كلامه بالقول أننا "نجد كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذوي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيراً ممن يحسن هذه الملكة ويجيد التفنن في المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئاً من قوانين صناعة العربية".

وعليه فإن ابن خلدون يعاود التأكيد في نهاية الفصل على أنه إن أراد أحدهم التمكن من الفصحى فليس له سوى "كثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم".

شواهد
قبل أن ننظر في أية شواهد على كلام ابن خلدون عن الطريقة المثلى لإتقان الفصحى ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة، ألا وهي أن قارئ الجزء الأخير من المقدمة قد يخرج بانطباع مفاده أن ابن خلدون متحامل على نحاة عصره ونحاة العصور المتأخرة عامة، فتارة يتهمهم بأنهم أكثرو اللغو في علم النحو رغم أن الهدف منه تيسير تعلم اللغة التي هي بدورها ليست سوى وسيلة لتحصيل العلوم المقصودة بالذات كما يسميها ابن خلدون، وتارة أخرى يصفهم بأنهم متعصبون متحيزون لتخصصهم بزعمهم أن لهجة أهل البادية في عصر ابن خلدون تختلف اختلافا كبير عن الفصحى لمجرد انتشار التسكين فيها وفقدان الإعراب، وتارة ثالثة يستنكر عليهم استقباحهم القاف البدوية رغم أن استخدام أهل البادية لها أصل في اللغة وليس اختراعا، وذلك لقلة اختلاطهم بغير العرب مقارنة بسكان المدن كما يبين ابن خلدون.

لكن القارئ المتمعن في فكر ابن خلدون لا يسعه إلا أن يرى أن هذا النقد اللاذع للنحاة لا يمثل سوى اتساق خلدوني مع النظريات المطروحة في المقدمة، فابن خلدون وهم مؤسس علم الاجتماع لا يمكنه إلا أن ينظر بعين السخط على كل من يخرج اللغة من سياقها الاجتماعي ويختزلها في مجموعة قوانين دون الأخذ بالاعتبار كونها ظاهرة اجتماعية لا يمكن حبسها في بضعة قواعد منفصلة عن أرض الواقع.

ولذلك نجد أن ابن خلدون لم يكن له موقف سلبي من سيبويه رغم كونه من أعظم نحاة اللغة العربية إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وذلك لأن كتاب سيبويه لم يقتصر على قواعد اللغة فقط، ولكنه احتوى على الكثير من "أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم". ولهذا يرى ابن خلدون أن بإمكان العاكف على كتاب سيبويه أن يستفيد منه في إتقان الفصحى بعكس الكتب المتأخرة المقتصرة على القواعد.

لكن اتساق كلام ابن خلدون مع أفكاره ونظرياته لا يكفي للتثبت من مدى صحة نظريته، ولذلك فإن من الواجب علينا أن ننظر في الشواهد المستقاة من التاريخ والواقع لكي نرى إذا ما كانت مخالطة الفصحى بالفعل السبيل الأمثل لإتقانها. ولذا فإننا نورد النقاط الثلاث التالية:

أولا، إذا نظرنا إلى الكيفية التي يكتسب بها الأطفال اللغة نجد أن تعليم القواعد والتعليم عامة ينعدم فيها، فالطفل يسمع اللغة من حوله ويخالطها ومن ثم يتقنها بعد بضعة أعوام إتقانا تاما دون أن يعرف قواعدها التي غالبا ما يدرسها في المدرسة عندما يكبر.

وإذا كان الفرق بين الفصحى والدارجة في اللغة محل الاكتساب ليس كبيرا، نجد أن التلميذ لا يعاني كثيرا في المدرسة لعدم انفصام لغة الكتاب عن لغة الشارع، إذ يصبح تعلم قواعد اللغة أمرا يسيرا.

وحتى إن كان هناك فرق ملحوظ بين اللهجة العامية والفصحى كما هو الحال في اللغة العربية، فإننا نرى أن العاكفين على الاستماع إلى المواد التي تلقى بالفصحى أقدر على إتقانها رغم عدم اشتمال تلك المواد على دروس نحو. ولذلك نلحظ أن المخالطين للعربية المستخدمة في المحاضرات الدينية مثلا أقدر من غيرهم على الحصول على نصيب من الفصحى لاشتمال تلك المحاضرات على الكثير من الكلام العربي الفصيح. ولهذا السبب ربما نجد أن الحديث بالفصحى أحد الوسائل التي يتبعها البعض للسخرية من الملتزمين بالدين.

ثانيا، يعرف كل مهتم بعلوم اللغة أن القواعد تنبع من اللغة وليس العكس، بمعنى أن النحو ليس سوى نتاج استقراء قواعد اللغة بملاحظة المطرد من استخداماتها. وقد حدث هذا مع جميع اللغات التي دونت قواعدها، فقواعد اللغة العربية نشأت وتطورت عن طريق النظر في كلام العرب واستنباط أحكامه بناء على لغتهم. ولذلك كان نحاة العصور الأول إن اختلفوا في مسألة ردوها إلى أهل البادية من العرب الأقحاح لأنهم كانوا أفصح لغة وأسلم سليقة من أهل المدن لقلة اختلاطهم بغير العرب.

وفي عصرنا هذا نجد العديد من المشتغلين باللغة يذهبون إلى أماكن قاصية للعيش مع متحدثي اللغات ذات الانتشار المحدود والمهددة بالانقراض لكي يتعلمون لغتهم ويضعون نحوها، فإن كان النحو ضرورة لتعلم اللغة فكيف ينجح هؤلاء في مهمتهم؟

ثالثا، ثمة دليل آخر يؤكد أن إتقان الفصحى لا يستلزم معرفة قواعدها، وهو أن اليسير الذي نعرفه من الفصحى اليوم يمكننا في كثير من الأحيان من إعراب العديد من الكلمات إعرابا صحيحا، حيث نرى أن بعض الطلاب عندما يحتارون في إعراب كلمة ما في اختبارات النحو يلجئون إلى نطق الجملة التي فيها تلك الكلمة بصوت منخفض لكي يجربوا وقع رفعها أو نصبها أو جرها على الأذن لعل النذر اليسير من السليقة لديهم يمكنهم من إعراب الكلمة إعرابا صحيحا إن لم تسعفهم معلوماتهم النحوية إلى ذلك.

ولذلك قال الشاعر قديما:

ولست بنحوي يلوك لسانه ... ولكن سليقي أقول فأعرب


خاتمة
 لا ينبغي أن يفهم من الدعوة إلى مخالطة الفصحى من أجل إتقانها أننا هنا بصدد إلغاء النحو أو إهمال تدريسه، لكننا نقول أن دراسة اللغة دون معايشتها بذل للوقت والجهد دون أن يكون هناك مردود كبير على الدارسين.

ولذلك فإن التمكين للفصحى في مجالاتها مهم جدا حتى يسهل علينا مخالطتها باستمرار إلى أن يرتسم في خيالنا منوالها كما يقول ابن خلدون.

وقد تكون مخالطة الفصحى استماعا أهم من قراءة مواد مكتوبة بها، فكلنا يقرأ الفصحى ولكن قليل منا يتقن الحديث بها دون أخطاء وبلا معاناة، والسمع أبو الملكات اللسانية كما يؤكد ابن خلدون.

وهناك تجربة رائعة ومطبقة بنجاح قام بها الأستاذ عبد الله الدنان، حيث ساهم في تأسيس مدارس لا يتحدث فيها المعلمون إلا العربية الفصحى مع التلاميذ مما يمكنهم من اكتسابها طبيعيا قبل دراستهم نحوها بوقت طويل.

وقبل أن يساهم في إنشاء تلك المدارس كان الأستاذ الدنان قد طبق الفكرة على ولده، حيث كان يكلمه بالفصحى وكانت الأم تخاطبه بالعامية، فاكتسب الصغير كليهما دون عناء.

وبالمناسبة فإن قدرة الصغير على اكتساب الفصحى والدارجة وإتقانهما دليل على أنه لا يجب أن ندخل في ذلك الجدال العقيم عن الفصحى واللهجات الدارجة، فلكل مجالاته، ولكن المشكلة ضعف قدرتنا على استخدام الفصحى استخداما صحيحا في مجالاتها وتسرب العامية إلى مجالات الفصحى.

كما لا يجب أيضا أن نعتقد أن تسييد الفصحى في المدرسة كاف، فحتى وإن تحدث المعلمون مع الطلاب بالفصحى طوال الوقت فإن من الضروري أن تسمع الفصحى بكثافة خارج المدرسة أيضا حتى يستطيع الطلاب التعبير بها عن أنفسهم عند الحديث عن أي موضوع وليس فقط عن المواضيع المتعلقة بالعلم والدراسة. وقد أكد ابن خلدون على هذا المعنى بقوله أنه "على قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع".

رحم الله ابن خلدون.

الاثنين، 30 أبريل 2012

خلدونيات لغوية: في التعلم بلغة أجنبية


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________

تناول ابن خلدون في مقدمته مسألة التعلم بلغة أجنبية، حيث عقد فصلا بعنوان "في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي"، ذكر فيه عدة نقاط بدأها بتقسيم مواضع فهم العلوم إلى موضع الخيال وموضع الذهن، فوظيفة الخيال فهم اللغة ووظيفة الذهن فهم المحتوى المقدم بتلك اللغة.

وللتقريب يمكننا أن نقول بلغة عصرنا أن العلوم عبارة عن شكل ومضمون، فشكلها هو اللغة المكتوبة بها، ومضمونها هو مادتها. وتختلف أهمية الشكل عن أهمية المضمون حسب نوع العلوم، فالشكل، أي اللغة، مهم جدا في العلوم الشرعية كما يقول ابن خلدون، بعكس العلوم العقلية التي يقل فيها دور اللغة.

ولكن بغض النظر عن نوع العلم فإن دور اللغة لا يمكن إغفاله وهو مقدم على المضمون، ولذلك يؤكد ابن خلدون أن "الألفاظ و اللغات وسائط وحجب بين الضمائر، وروابط وختام بين المعاني". ولهذا السبب يقرر ابن خلدون أن من يتلقى العلم بلغة غير لغته تكون لديه مشكلة أكبر من تلك التي يواجهها من يتعلم بلغته، لأن الأول يعاني من صعوبة في الشكل والمضمون، أما الثاني فإن ملكته اللغوية راسخة وليس عليه "إلا معاناة ما في المعاني من المباحث فقط"، أي أنه إن واجهته مشكلة فإنها تكون في المضمون فقط وليس  الشكل.

ثم يتابع ابن خلدون كلامه بالتفريق بين من يتعلم بلغة أجنبية مشافهة وبين من يتلقى العلم بلغة أجنبية من الكتب، فإن كان الأول يواجه حجابا كما يسميه ابن خلدون، فإن الثاني يواجه حجابين، فالأول يعجز عن فهم معاني الكلمات ودلالاتها اللغوية بدقة، ويعاني الثاني مما يعاني منه الأول بالإضافة إلى ضعف قدرته على معرفة الدلالات الخطية لما يقرأه.

ويبرهن ابن خلدون على صحة كلامه بالقول أن "الكثير من علماء الأعاجم في دروسهم ومجالس تعليمهم يعدلون عن نقل التفاسير من الكتب إلى قراءتها ظاهرا يخففون بذلك عن أنفسهم مؤونة بعض الحجب ليقرب عليهم تناول المعاني"، أي أن قراءتهم للنصوص العربية بصوت مرتفع تهدف إلى إزالة الحجاب الخطي حتى تنحصر الصعوبة في الحجاب اللفظي.

ويواصل ابن خلدون حديثه قائلا أنه قد يتمكن "الدؤوب على التعليم والمران على اللغة وممارسة الخط" من إتقان لغة أجنبية، إلا أن هذا نادرا ما يحدث، وحتى وإن حدث فإننا إن قارنا العالم الأعجمي "بنظيره من علماء العرب وأهل طبقته منهم، كان باع العرب أطول وملكته أقوى، لما عند المستعجم من الفتور بالعجمة السابقة التي تؤثر القصور بالضرورة".

ومعنى هذا الكلام أنه حتى وإن أتقن أحد العلماء لغة أجنبية فإنه يظل أقل درجة من نظرائه من العلماء الذين يتقنون اللغة لكونهم اكتسبوها طبيعيا وليس صناعيا مثله، فهو بإتقانه هذا يكون أعلى رتبة من متعلمي اللغة الأجنبية الآخرين، وأدنى درجة من قرنائه العلماء من أصحاب اللغة.

ولكن من هم أصحاب اللغة؟

يجيب ابن خلدون على هذا السؤال بالتأكيد على أن اللغة الأم ليست مرتبطة بالنسب أو بأسبقية الاكتساب، فقد يكون أحدهم أعجمي النسب ولكن نشأته بين العرب تمكنه من إتقان اللغة العربية حاله حال العربي الذي ينشأ في ذات البيئة. ولذلك كان العديد من علماء الحضارة الإسلامية عجما في النسب عربا باللغة كما يشير ابن خلدون.

وقد ينشأ الطفل على لغة ما، ولكنه ينتقل إلى بيئة أخرى ذات لغة مختلفة في سن مبكرة فيكتسب اللغة الجديدة ويتقنها مثل أهلها وكأنه لم يسمع لغة غيرها. ويضرب ابن خلدون مثالا على هذه الحالة "بأصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم، و لا يكون عندهم تقصير في فهم المعاني من العربية. وكذا أيضا شأن من سبق له تعلم الخط الأعجمي قبل العربي".

وباختصار فإن اللغة الأم هي اللغة التي يربى عليها الصغير وتستحكم عنده حتى يكبر، فهي ليست بالضرورة مرتبطة بالعرق ولا باللغة ذات أسبقية الاكتساب في الصغر.

ويختتم ابن خلدون كلامه بالتوكيد على أن كل ما ذكره في فصله لا ينطبق فقط الأعاجم الذين يتعلمون اللغة العربية، ولكنه يشمل كل من يتعلم بلغة أجنبية. ولذلك يؤكد أن ما قاله لا يتنافى مع ما "كان لليونانيين في علومهم من رسوخ القدم فإنهم إنما تعلموها من لغتهم السابقة لهم و خطهم المتعارف بينهم".


تطبيقات
إذا نظرنا إلى شرح كلام ابن خلدون أعلاه لوجدنا أنه باستطاعتنا تقسيمه إلى ثلاث نقاط رئيسة:

أولا، ليس هناك خلاف على أن من يتعلم بلغة غير لغته يعاني كثيرا مقارنة بمن يتعلم بلغته، فهذا من المعلوم من الواقع بالضرورة، وهو أمر يعايشه الكثيرون داخل بلادنا ممن يتعلمون بلغات أجنبية وخارجها أيضا ممن يسافرون إلى الخارج للدراسة.

فبالنسبة لمن يدرسون بلغات أجنبية في بلادنا فإن العديد منهم يعاني من حجاب الألفاظ والخط اللذان ذكرهما ابن خلدون، لأنهم يعتمدون في تخصصاتهم على كتب بالانجليزية أو الفرنسية. أما من يسافر إلى الخارج ليدرس فقد يرتفع عنه حجاب الخط ويبقى جل المعاناة ناتجا عن حجاب الألفاظ. ولذلك نجد من درس في الخارج أكثر إتقانا للغة البلد التي درس فيها مقارنة مع نظيره الذي درس في بلادنا، إذ أن عامل المشافهة حاضر وبقوة في تلك البلاد الأجنبية، ليس داخل الجامعات فقط وإنما خارجها أيضا.

ولكن بغض النظر عن درجة الإتقان التي يصل إليها من درس في الخارج، أو حتى من اجتهد ووصل إليها دون مغادرة بلده، فإن كليهما يظل أقل إتقانا من أصحاب اللغة الأصليين. وحتى وإن تميز أحدهم عن الآخرين فإنه يكون كالأعور وسط العميان، فهو أفضل حالا منهم ولكنه أدنى ممن يرى بعينين. ولذلك أكد ابن خلدون على هذه الحقيقة حين ذكر أن العالم الأجنبي الذي يدرس العلوم بالعربية يظل أقل طبقة من نظرائه من علماء العرب.

ويمكننا أن نعمم هذا الكلام على كل متعلمي اللغة وليس على العلماء منهم فقط، لأن ابن خلدون لم يركز على العلماء سوى لأنه كان يتحدث في سياق تحصيل العلوم وليس لأن ما سماه الفتور، أي الضعف، بالعجمة السابقة التي يؤثر القصور بالضرورة حالة يختص بها العلماء دون غيرهم.

النقطة الثانية التي ينبغي ملاحظتها هي ما ذكره ابن خلدون عن أن من يتعلم بلغته ليس عليه " إلا معاناة ما في المعاني من المباحث فقط"، أي أن كل تركيزه ينصب على المضمون. وهذه نقطة مهمة لأنها تعني أن مجرد تلقي العلوم بلغتنا لا يعني أننا سوف نفهم تلك العلوم أو نهضمها بسهولة، فحتى وإن كانت باللغة العربية فإن علينا أن نبذل مجهودا لفهم محتوى المواد. ولذلك نجد أن البعض يتفوق على البعض الآخر رغم كونهم جميعا من أصحاب اللغة.

ولهذا فإن من المهم أن ندرك أن ترجمة العلوم وتعريبها ليس إلا خطوة على الطريق الصحيح، فبهما تتم إزالة الحجب اللغوية التي تعيق الطالب عن تلقي العلوم دون أن يعني ذلك أنه لا يلزم الطالب أن يجتهد لكي يفهم ما يقرأه من مواد مترجمة إلى لغته.

ولا تقتصر تلك الصعوبة التي يواجهها الطالب على الكتب المترجمة فقط، ولكنها تتعداها إلى ما كتب باللغة العربية ابتداء، لأن تلك الصعوبة تتعلق بمحتوى الكلام وليس بشكله. ولذلك يعاني بعضنا من عدم القدرة على فهم بعض ما نقرأه بالعربية حتى إن كنا نعرف معاني جميع الكلمات المستخدمة، فالله سبحانه وتعالى خلقنا متفاوتين في القدرات.

ولكي يفهم القارئ كتابا ما، حتى وإن كان بلغته، فإنه ينبغي توافر عدة عوامل منها الإلمام بالعلم الذي يقرأ عنه والقدرة على فهم مقصود الكاتب ومعرفة سياق كلامه والمعاني الضمنية التي لم يصرح بها إلى غير ذلك مما لا يمكن لنا فهمه لمجرد معرفة معنى كل كلمة وردت في النص بمفردها.

وباختصار فإن رسوخ الملكة اللغوية شرط أساسي لا يمكن للقارئ بدونه أن يفهم العلوم، ولكنه في ذات الوقت لا يكفي بمفرده.

النقطة الثالثة تتعلق بتعريف ابن خلدون لأصحاب اللغة، حيث ذكر ابن خلدون أن اللغة الأم هي اللغة التي يتربى عليها الصغير وتستحكم عنده حتى الكبر. وتكمن أهمية هذا التعريف في ما ذكره ابن خلدون عن أن اللغة الأم ليست بالضرورة مرتبطة بالعرق، وهذا واضح جلي لكل من ينظر إلى أبناء المهاجرين الذين يكتسبون لغة البلد الذي يتربون فيه ويتقننونها إتقانا لا يختلفون في درجته عن سكان البلد الأصليين حتى وإن اختلفوا عنهم في العرق.

والناظر اليوم إلى أبناء المهاجرين إلى دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية يجد أن ما قاله ابن خلدون مطابق للواقع بدرجة كبيرة. وحتى إن لم يولد هؤلاء الصغار في تلك البلدان فإن انتقالهم إليها في سن مبكرة يمكنهم من اكتساب لغتها كمن ولد فيها، وهذا يعني أنه يمكن للطفل أن ينتقل من لغة إلى أخرى ما دام صغيرا ولم يبلغ مرحلة الاستحكام، لدرجة أنه عندما يكبر يكون أكثر إتقانا للغة التي اكتسبها لاحقا من اللغة التي سبقتها، فتكون اللغة اللاحقة كأنها السابقة لديه. وهذا ما يحدث مع جل العرب مثلا الذين يهاجرون إلى بلاد أخرى مع أطفالهم الصغار الذين نلحظ على كثير منهم ضعفا في العربية وإتقانا للغة بلد المهجر عندما يكبرون رغم أن اللغة العربية كانت السابقة لديهم.

لكن تعريف ابن خلدون أغفل مسألة نستطيع طرحها في السؤال التالي: هل يمكن لمن يربى على لغتين أن تستحكم لديه كلا منهما؟

الإجابة أنه غالبا يمكن لهذا أن يحدث، ولكن شريطة أن يربى الصغير في بيئة تستخدم فيها اللغتان مما يمكنه من اكتسابهما طبيعيا دون عناء.

لكن في ذات الوقت وحتى لا تكون تلك الإجابة مجافية للواقع فإنه من المهم أن نبين أن تعدد اللغات في بيئة ما عادة ما يؤدي إلى تقسيم الأدوار بينهم بحيث تطغى كل لغة على مجالات  معينة، إذ تطغى لغة في البيت مثلا، وأخرى في السوق، وثالثة في المصالح الحكومية، وهكذا دواليك. ولذلك نجد أن درجة إتقان من يكتسب لغتين مثلا من بيئته منذ الصغر تختلف بحسب المجال المحدد لكل منهما، أي أنه إذا طلب منه التحدث بإحدى اللغتين عن موضوع يدخل في مجال يشيع فيه استخدام الأخرى ظهر التفاوت في درجة إتقانه. وهذا يتوافق مع ما كرره ابن خلدون في مواضع شتى في مقدمته حين قال أن "من حصلت له ملكة في صناعة فقل أن يجيد بعدها ملكة أخرى"، كما أنه عين ما ذكره ابن خلدون في الفصل الذي نحن بصدده هنا من أنه "إذا تقدمت في اللسان ملكة العجمة، صار مقصرا في اللغة العربية، لما قدمناه من أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقل أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى".

وعلى أية حال فإن إغفال ابن خلدون لتلك النقطة قد يرجع إلى أنه كان يتحدث عن سياق محدد وهو العلاقة بين إتقان اللغة العربية والقدرة على تحصيل العلوم، حيث كان العالم العربي لا يحتاج في ذلك العصر سوى اللغة العربية، بينما كان نظرائه من المسلمين غير العرب يحتاجون إلى إتقان اللغة العربية بالإضافة إلى لغتهم من أجل تحصيل العلوم. وعليه فإن الحالة المذكورة أعلاه عن تعدد اللغات في ذات البيئة لم تكن حاضرة في موضوع الفصل محل النقاش في هذا المقال، ولذلك والله أعلم لم يتطرق ابن خلدون إلى ذكرها.


خاتمة
لا تعد حقيقة صعوبة تحصيل العلوم بلغة أجنبية اكتشافا خلدونيا ما كنا لنعيه لولا أن ذكره ابن خلدون، فتلك الحقيقة معلومة من الواقع بالتجربة والملاحظة. ولكن الإسهام الحقيقي لابن خلدون هو أنه وضع تلك الصعوبة في سياقها الاجتماعي من حيث تفصيله في مسألة الحجابين اللفظي والخطي، ودنو درجة العالم الأجنبي عن درجة نظيره صاحب اللغة حتى وإن كانت درجة إتقان الأول لتلك اللغة عالية جدا، ومن حيث تعريفه للغة الأم أيضا.

ولئن كان تحصيل العلوم بلغة أجنبية صعبا فإن التدريس بلغة أجنبية أصعب. وهذا ما يواجهه عدد متزايد من المحاضرين حول العالم عندما يدرّسون بلغة أجنبية، وعندما يحاولون نشر أبحاثهم بلغة أجنبية أيضا. وكثير ممن حضر المؤتمرات العلمية التي تقام باللغة الانجليزية يرى بوضوح كيف تعاني الغالبية العظمى ممن يقدمون بحوثهم بالانجليزية لكونهم ليسوا من أصحاب اللغة، وكيف أنه ما إن يتحدث شخص من أهل اللغة الانجليزية يكون وقع حديثه أكبر من الآخرين الذين تجني عليهم اللغة فتحط من قدرهم رغم علمهم.

وعليه فإنه من الضروري جدا أن نفعل دور الترجمة كما فعل أسلافنا الذين كما يقول ابن خلدون "تشوفوا إلى علوم الأمم فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجردوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم وأربوا فيها على مداركهم". وإذا لم نقم بذلك فإن كل حديث عن أية نهضة علمية لا يعدو إلا أن يكون سرابا يحسبه الظمآن ماء، وهذا ما يؤكده العالم المصري رشدي راشد رغم إقامته في فرنسا منذ زمن بعيد.

ولا يصح في هذا المقام أن نستشهد بنجاح بعض العلماء العرب في الداخل أو الخارج رغم استخدامهم اللغات الأجنبية، فنحن هنا لسنا بصدد بروز عالم هنا أو نجاح شخصي هناك، وإنما ما يجب أن يشغل بالنا هو توطين العلوم لتحقيق نهضة شاملة يستفيد منها المجتمع كله، مما يستلزم أن يكون العلم متاحا للجميع وليس دولة بين من يعرفون لغة أجنبية أو اثنتين.

وعلى كل فإنه ليس لمن لم يقتنع بضرورة استخدام اللغة العربية في التعلم والتعليم إلا بيت المتنبي الذي قال فيه:
             
                                                                                     
وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليلِ