الجمعة، 30 نوفمبر 2012

خلدونيات لغوية: عن دلالات اللهجات

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي. 
____________________________________________________________________

 يعد حرف القاف من أكثر الحروف تنوعا من حيث النطق في اللهجات العربية المختلفة، حيث نجد أن القاف الفصيحة تسود بعض اللهجات، بينما تسود القاف البدوية لهجات أخرى، وتنفرد مجموعة ثالثة عن غيرها بالقاف المهموزة، بينما تنطق القاف في عدد محدود من اللهجات كالكاف أو الغين.

وفي كثير من الدول العربية نجد اختلافا في نطق القاف بين بعض اللهجات داخل البلد الواحد، ففي مصر مثلا يستخدم غالبية أهل الوجه البحري القاف المهموزة، بينما يستخدم أهل الصعيد القاف البدوية. وفي تونس والجزائر والمغرب نجد أن بعض اللهجات تسودها القاف الفصيحة بينما تسود القاف البدوية لهجات أخرى. وفي سورية نجد أن للقافين الفصيحة والبدوية حضور رغم أن القاف المهموزة هي السائدة في غالبية لهجات البلد.

ولا يقتصر التنوع أحيانا على الاختلاف بين اللهجات، إذ نجد مثلا أن بعض الكلمات المحتوية على حرف القاف في لهجات وسط وجنوب العراق تنطق بالقاف البدوية وينطق بعضها الآخر بالقاف الفصيحة. ومن نافلة القول أن الكلمات المشتملة على القاف والمستخدمة في الفصحى دون أو أكثر من العامية تنطق بالقاف الفصيحة في كل لهجات العرب تقريبا، حتى في تلك التي تشيع فيها القاف المهموزة أو البدوية. (لاحظ مثلا أننا لا نجد قاهريا ينطق كلمات مثل "الفقه" و"الثقافة" و"الاقتصاد" بالقاف المهموزة).

وبعكس ما قد يعتقده البعض فإن وجود أكثر من نطق للقاف ليس ظاهرة وليدة عصرنا الحالي، فلقد وجد في الماضي على الأقل نطقان للقاف، وهما القاف الفصيحة ونظيرتها البدوية، واللتان تحدث عنهما ابن خلدون في مقدمته بشيء من الاستفاضة.

وبما أن ابن خلدون كان عالم اجتماع ومؤرخا في ذات الوقت، فإننا سنتحدث في هذا المقال عن الدلالتين الاجتماعية والتاريخية لنطق القاف ملخصين كلام ابن خلدون عن كل منهما في نقطتين، وهما كالتالي:

أولا، تحدث ابن خلدون عن الدلالة الاجتماعية لنطق القاف في اللهجات الدارجة في عصره، حيث ذكر أن أهل الأمصار، أي المدن، كانوا يستخدمون القاف الفصيحة، بينما كان أهل البادية يستخدمون القاف البدوية أينما وجدوا في بلاد العرب، حتى صار استخدامهم لتلك القاف البدوية "علامة عليهم بين الأمم والأجيال ومختصا بهم، لا يشاركهم فيه غيرهم".

وكما أن القاف الفصيحة كانت دليلا على الانتماء إلى المدن، فقد كانت القاف البدوية دليلا على الانتماء إلى البادية وأهلها، "حتى أن من يريد التعرب والانتساب إلى الجيل"، أي إلى أهل البادية، "يحاكيهم في النطق بها. وعندهم إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبية أو الحضري بالنطق بهذه القاف".

يتضح من كلام ابن خلدون على أن طريقة نطق القاف كانت وسيلة لإظهار انتماء المتحدث ومعرفة أصله وفصله، إذ كان يعرف بها إذا ما كان من سكان المدن أو البادية، وإذا ما كان من أصحاب اللغة أو من الطارئين عليها ممن تعلموها على كبر، وكلا منهما من التصنيفات الاجتماعية التي تدل عليها لغة المرء أو لهجته أو لكنته.

ثانيا، تكلم ابن خلدون أيضا عن الدلالة التاريخية لنطق القاف، حيث حاول أن يجيب على سؤال يطرح نفسه وهو: إذا كان لدينا نطقين للقاف، فأيهما الأصل وأيهما الفرع؟ أيهما القديم وأيهما المستحدث؟

أجاب ابن خلدون على هذا السؤال مستعينا بالحقائق التي على الأرض، حيث نبه عند حديثه عن أهل البادية إلى حقيقتين، أولهما اتفاقهم "كلهم شرقا وغربا في النطق بها"، وثانيهما أنهم "أبعد عن مخالطة الأعاجم من أهل الأمصار"، وكلتا الحقيقتين تدلان تاريخيا على أن قاف البدو "متوارثة فيهم متعاقبة"، وأنها "لغة مضر الأولين"، لا بل "لعلها لغة النبي صلى الله عليه وسلم بعينها"، مما جعله يستنتج أن القاف البدوية أصل في اللغة العربية وأنها ليست ظاهرة حديثة مقارنة بالقاف الفصيحة.

لكن استنتاج ابن خلدون هذا لم يدفعه إلى القول بأن القاف الفصيحة الشائعة لدى أهل المدن هي المستحدثة، وذلك لأن "لغة أهل الأمصار أيضا لم يستحدثوها، وإنما تناقلوها من لدن سلفهم، وكان أكثرهم من مضر بما نزلوا الأمصار من لدن الفتح"، وبذلك فند ابن خلدون احتمالية القول بأن القاف الفصيحة مستحدثة، وأنها نشأت نتيجة مخالطة العجم في المدن، فحقيقة أن الكثير من العرب سكنوا المدن بعد الفتح تؤكد أن القاف الفصيحة أصل في اللغة العربية كما هي القاف البدوية.

إذن، إذا كانت القاف الفصيحة أصيلة في لغة العرب، وكذلك هي القاف البدوية، فهل يعني هذا أنه لا إجابة على السؤال المطروح أعلاه؟

بلى، يرد ابن خلدون، ففي "مخرج القاف متسع، فأوله من أعلى الحنك، وآخره مما يلي الكاف. فالنطق بها من أعلى الحنك هو لغة الأمصار، والنطق بها مما يلي الكاف هي لغة هذا الجيل البدوي".

ومعنى هذا الكلام أن دراية ابن خلدون بالعرب وبتاريخهم جعلته يستنتج أن العرب في عهد النبي وقبله استخدموا كلا من القاف الفصيحة ونظيرتها البدوية، أو أن بعضهم نطق بواحدة، ونطق البعض الآخر بالأخرى. ولكن بعد الفتوحات الإسلامية هاجر العرب واستوطنوا العديد من الأقطار خارج جزيرة العرب، فسادت القاف الفصيحة لهجات أهل المدن، بالإضافة إلى الفصحى بالطبع، وسادت القاف البدوية لهجات أهل البادية.

تطبيقات معاصرة
بعد أن لخصنا أهم ما ذكره ابن خلدون عن حرف القاف ودلالاته سنحاول في السطور القليلة التالية معرفة ما يمكن استفادته من كلامه في عصرنا الحالي قاصرين الحديث عن ذات النقطتين الواردتين أعلاه.

أولا، بالنسبة إلى الدلالة الاجتماعية للغة فإن الحديث عنها لا يتطلب الكثير من الشرح أو الإسهاب لأننا نعرف من الواقع أننا كثيرا ما نتخذ من اللكنات طريقة نستدل بها على أصل المتحدث وعلى مستواه التعليمي وطبقته الاجتماعية وما إلى ذلك من تصانيف.

وليس خافيا علينا أن تصنيف الناس بناءً على لكناتهم أمر مرتبط بما عرف عن مستخدمي لكنة معينة من صفات، فالكثير من الآباء مثلا ينكرون على أبنائهم استخدامهم ما يسمى "لغة الشوارع"، لأن ذلك قد يدل على أن الأبناء لم يربوا تربية حسنة من قبل آبائهم، مما قد يحط من قدرهم ومن قدر والديهم أمام الناس.

ولا يقتصر أثر اللغة الاجتماعي على اللكنة، أي طريقة النطق، ولكنه يتخطاه في كثير من الأحيان إلى اللهجة والتي تشمل اللكنة وتتعداها إلى اختيار الألفاظ وحتى بعض القواعد التي قد يختلف بعضها من لهجة إلى أخرى، ومن اللهجات إلى الفصحى بالطبع. ولقد شاهد جميعنا آخر خطاب للرئيس التونسي الأسبق والذي ألقاه من أجل التأثير على الناس واحتواء المظاهرات، ولاحظ الكثيرون أنه تحدث باللهجة التونسية بعكس خطابيه الأولين، وذلك لكي يبدو أقرب إلى الناس ويظهر لهم أنه لصيق بهم وبهمومهم.

لكن فشل الرجل في إقناع التونسيين وهروبه بعد خطابه بيوم دليل على أن محاولة استخدام لهجة ما بقصد إظهار الانتماء إلى فئة معينة لا تنجح دائما إذا لم يصدق المستمعون المتحدث، ولذلك ذكر ابن خلدون في معرض حديثه عن القاف البدوية أن "من يريد التعرب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها"، والمحاكاة قد تنجح أحيانا وقد تفشل أحيانا أخرى.

ولذلك فإن من المهم أن ندرك أنه بالرغم مما للكنات واللهجات من دلائل اجتماعية، إلا أنها بمفردها لا تكفي، فقدرة أحدهم على محاكاة الأطباء مثلا في كلامهم ومصطلحاتهم لا تعني أنه طبيب، وهو ما يعني أن من المفترض أن تكون لكنة أحدهم أو لهجته مظهرا للانتماء لفئة أو أمة ما، لكنها في كثير من الأحيان تكون وسيلة للانتماء بدلا من أن تعكسه، لأن بعض الناس كثيرا ما يأخذون بالشكل دون المضمون، فينخدعون بفصاحة أحدهم أو حديثه كعلية القوم.

ثانيا، بالنسبة لكل من القاف الفصيحة والقاف البدوية فقد رأينا كما ورد أعلاه أن ابن خلدون خلص إلى القول بأن كلتا القافين أصيلتان في اللغة العربية، وأن القاف الفصيحة سادت لهجات المدن، والفصحى بالطبع، بينما سادت نظيرتها البدوية كلام أهل البادية.

وإذا حاولنا التحقق من صحة ما خلص إليه ابن خلدون فإننا نجد أن فيه قدرا كبيرا من الوجاهة، فرغم وحدة العرب اللغوية في الجاهلية وعصور الإسلام الأولى إلا أن هذا لا يعني أنه لم يوجد تنوع بين ما سماه علماء اللغة لغات العرب، أي لهجاتهم، فقد اختصت بعض القبائل بنطق بعض الحروف نطقا مختلفا، وكان هناك بعض التباين بين بعض القبائل في شيء من النحو ومعاني الكلمات. (راجع المقتضب في لهجات العرب للدكتور محمد رياض كريم).

ولقد ذكر ابن فارس والذي عاش في القرن الرابع الهجري، أي قبل ابن خلدون بأربعمائة عام، في كتابه الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها أن بني تميم "يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جدا فيقولون (القوم) فيكون بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم".

كما نقل ابن حيان الأندلسي في كتابه ارتشاف الضرب من لسان العرب عن أبي سعيد السيرافي (توفي ٣٦٨هـ) قوله: "رأينا من يتكلم بالقاف بينها وبين الكاف انتهى، وهي الآن غالبة على لسان من يوجد في البوادي من العرب، حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة، لا بالقاف الخالصة الموصوفة في كتب النحويين، والمنقولة عن وصفها الخالص على ألسنة أهل الأداء من أهل القرآن".

ولقد كان ابن خلدون على علم بهذه الأقوال، إذ أشار إلى أن "أهل العربية قد ذكروا هذه القاف القربية من الكاف"، إلا أنه أخذ عليهم أنهم "يصرحون باستهجانه واستقباحه"، أي الحرف، "كأنهم لم يصح عندهم أنها لغة الجيل الأول".

ويتضح من كلام ابن خلدون أنه لم يكن يعتبر كل ما ورد في اللهجات العامية خارجا عن أصل اللغة العربية، فرغم إشارته في أكثر من موضع في مقدمته إلى أن فساد العربية جاء بعد مخالطة الأعاجم، إلا أن كلامه عن القاف البدوية وأصلها العربي يدل على أن إدراكه لحقيقة أن اللغة ظاهرة اجتماعية جعله يعتمد على اتخاذ متحدثي اللغة معيارا لمعرفتها ومعرفة أصلها، ولذلك نجد أنه استنتج من استخدام أهل البادية "كلهم شرقا وغربا" القاف البدوية أنها أصيلة وليست مستحدثة، إذ يصعب أن يكون وجودها في كلامهم صدفة وهم يعيشون بعيدا عن بعضهم، فهل اجتمعوا من شرق ومن غرب وقرروا هجر القاف الفصيحة واستبدالها بنظيرتها البدوية مثلا؟

ولا يختلف الأمر كثيرا اليوم عن عصر ابن خلدون، فالقاف البدوية رغم عدم استخدامها في الفصحى موجودة بنسب متفاوتة في كل الدول الدول العربية، إذ تسود لهجات بعض الدول، وتكون على الهامش في البعض الآخر، وهو ما يؤكد أنها أصيلة في اللغة، إذ يكاد يستحيل أن يتواطأ مستعمليها من المحيط إلى الخليج على هجر القاف الفصيحة وإحلال نظيرتها البدوية محلها، وهو ما يعني أنها كانت جزءً لا يتجزأ من كلام العرب الذين هاجروا واستوطنوا الأقطار التي سادت فيها.

وإذا طبقنا منهج ابن خلدون على جوانب أخرى من لهجات العرب المعاصرة فسنجد الكثير من المشتركات التي يصعب تفسيرها دون النظر إلى تاريخ الناطقين بالعربية في بلاد العرب، فكلمة "ماذا" في الفصحى مثلا تستبدل ب"شنو" في العراق وبعض دول الخليج، وتحل محلها "وش" أو "أيش" في السعودية، ثم تعاود "شنو" الظهور في السودان. وينطبق ذات الشيء على "شو" الشائعة في الإمارات وفي بلاد الشام. أما كلمة "ماشي" بمعنى "لا يوجد" فنجدها في اليمن وفي المغرب.

ومن الملاحظ في هذه الأمثلة وفي الكثير غيرها من المشتركات في لهجات العرب المعاصرة أنها مستخدمة في لهجات غير متصلة جغرافيا، مما يعزز القول بأنها ليست مستحدثة، بل هي قديمة وأصيلة حتى وإن كانت خارج نطاق الفصحى المتداولة في الماضي أو في الحاضرأو في كليهما. وقد يكون بعض تلك المشتركات مما استحدث لاحقا، أي بعد عصر الفتوحات، ثم انتقل مع من هاجر من قطر إلى آخر، فالهجرات لم تقتصر على عصور الإسلام الأولى.

ولا ينافي ذلك أن هناك بعض الظواهر اللغوية التي نجدها في كل لهجات العرب الحالية تقريبا رغم أنها لم تكن توجد عند العرب في الجاهلية وفي عصر صدر الإسلام، فلقد اختفت جل مظاهر الإعراب من الكلام الدارج منذ زمن بعيد، وانحسرت إن لم تكن قد تلاشت صيغ المثنى في الأفعال، مما قد يشير إلى أن هذه التغيرات راجعة إلى البنية الداخلية للغة العربية وإلى طبيعة اللغات عامة.

يتضح لنا إذن أن دراسة تاريخ العرب ولهجاتهم وهجراتهم منذ عصر الفتوحات وحتى الحاضر من أكثر ما يمكن أن يساعدنا على فهم أصول اللهجات العربية الحالية، وذلك بالطبع دون إغفال دراسة تاريخ سكان البلاد العربية قبل أن يحل العرب فيها.

كما يتضح لنا أن دراسة تاريخ اللغات واللهجات دون دراسة الناطقين بها في الماضي والحاضر ودون معرفة طبيعة مجتمعاتهم كثيرا ما يجعلنا نقف حائرين عاجزين عن تفسير الكثير من جوانب اللغة المتعددة.

ولا ينبغي أن تكون دراسة اللهجات ترفا أو هواية يمارسها الشغوف باللغة، بل يجب أن تكون جزءً أصيلا من دراسة التاريخ الذي يفسر حاضرنا ويسهل لنا التخطيط لمستقبلنا.

وعلى سبيل المثال فإن حقيقة اشتراك لهجات العرب المعاصرة أو بعضها في بعض مخارج الحروف أو الكلمات أو القواعد التي لا توجد في الفصحى المتداولة تثبت أن اللغة العربية لم تنتشر خارج جزيرة العرب بفرمان أو مرسوم فرضها على الناس كما يحاول البعض أن يصور، إذ هي انتشرت مع هجرات القبائل التي أثرت لهجاتها على عربية الأقطار التي ارتحلت إليها. وهذا ما أشار إليه الجاحظ (توفي ٢٥٥هـ) في أوائل كتابه البيان والتبيين حين قال: "وأهل الامصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر". (راجع المقال الأول في سلسلة خلدونيات لغوية لفهم أهمية العنصر البشري في انتشار اللغات).

خاتمة
لم يهتم العرب في الماضي بدراسة اللهجات كثيرا، فلقد كان جل جهدهم منصبا على الفصحى، لعظم أهميتها في فهم الكتاب والسنة، خصوصا بعد التغيرات التي طرأت على اللسان العربي بعد عصر الفتوحات. ولذلك كان القليل الذي كتب عن العامية يهدف إلى إيضاح الفروق بينها وبين الفصحى من أجل التمكن من الفصحى وإتقانها.

وما إن جاء العصر الحديث حتى بدأت مجموعة من المستشرقين الغربيين بدراسة اللهجات العربية وتدوين قواعدها، وهو أمر مستمر حتى يومنا هذا وإن تراجع دور المستشرقين بعد حل محلهم علماء اللغة الغربيين المتخصصين في اللغة العربية.

ولأن دراسة الغربيين للهجات ارتبطت إلى حد كبير بمحاولة تقعيد اللهجات الدارجة والتشجيع على هجر الفصحى فقد أضحت في يومنا هذا سيئة السمعة، لعلم الغيورين على الفصحى أن الهدف من تلك الدراسات الإحلال وليس الإثراء. (للاستزادة راجع كتاب تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر للدكتورة نفوسة زكريا سعيد).

ولذلك فإن من الضروري ألا تترك دراسة اللهجات لتكون مرتعا لمن يضيقون ذرعا بالفصحى ولمن سار على نهجهم من الانهزاميين والشعوبيين الجدد، إذ ينبغي أن يوضع البحث في اللهجات المعاصرة في سياقه الصحيح، بحيث يكون الهدف منه هو فهم علاقة اللهجات الدارجة ببعضها البعض، وفهم كيفية انتشارها خارج جزيرة العرب بالنظر إلى تاريخ هجرات العرب واللهجات التي جلبوها معهم أينما حلوا وتفاعلهم مع سكان البلاد التي ارتحلوا إليها ومع لغاتهم، وفهم دور اللهجات في مجتمعاتنا المعاصرة وتحديد مجالاتها وقياس مدى تسربها إلى مجالات الفصحى ومدى خطورة ذلك.

أما دراسة اللهجات بغرض فرضها محل الفصحى فلن تكون سوى مضيعة للوقت والجهد اللذان لا ينبغي بذلهما فيما لا يجدي، فالفصحى لها مجالاتها كما للهجات مجالاتها، وكلا منهما يؤدي أدوارا تختلف عن أدوار الآخر، فلا ينبغي أن يطغى أحدهما على الآخر، واللغة بجميع أوجهها ليست في الأصل من الأهداف بل هي من الوسائل، ولا يحبذ للمشتغلين بها التوسع فيها لدرجة اللغو، لأنهم، كما يتسائل ابن خلدون، إذا "قطعوا العمر في الوسائل، فمتى يظفرون بالمقاصد؟".

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

خلدونيات لغوية: عن الكلمات ومعانيها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
___________________________________________________

أذكر أنني عندما كنت صغيرا كنت استعجب من ورود كلمة الشارع في كتاب الفقه المدرسي، حيث لم استطع حينذاك أن أفهم سبب استخدام كلمة ظننت مخطئا أنها تعني الطريق الذي نمشي فيه في السياقات التي كنت ألاقيها فيها، حتى أني فكرت أن أسأل أستاذي إذا ما كان ورود الكلمة خطأ مطبعيا. لكني ولله الحمد لم أفعل، ولو فعلت لكنت في زمرة من قال عنهم المتنبي:

وكم من عائب قولا صحيحا **** وآفته من الفهم السقيم

وكما أن الصغار يختلط عليهم معنى كلمة هنا أو هناك، فإن الكبار أيضا قد لا يفهمون المقصود من بعض الكلمات، إذ نجد مثلا أن الكثير من الباحثين في آراء ابن خلدون يختلفون حول استخدامه لكلمة "العرب"، فيقول بعضهم أنه عنى بها العرب بأجمعهم، ويقول البعض الآخر أنه قصد البدو منهم، ويقول فريق ثالث أنه استخدم اللفظ للإشارة إلى العرب عامة أحيانا وإلى الأعراب أحيانا أخرى كل حسب السياق.

ولأن ابن خلدون نفسه تكلم عن موضوع الكلمات ومعانيها في معرض حديثه عن اللغة في مقدمته فإننا سنحاول في هذا المقال أن نعرض كلامه ملخصين إياه في نقطتين، وهما كالتالي:

أولا، عد ابن خلدون الموضوعات اللغوية، أي الكلمات ومعانيها، الأساس الذي تبنى عليه اللغة، فهي أول ما يكتسبه الطفل الذي يسمع " استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا. ثم يسمع التراكيب بعدها، فيلقنها كذلك". ولأنها الأساس فقد رأى ابن خلدون أنها يجب أن تحل في المرتبة الأولى عند الحديث عن علوم اللسان العربي بدلا عن النحو، والذي رأى علماء العربية وضعه في المرتبة الأولى لأن اللحن طاله أولا وقضى على جل مظاهر الإعراب في اللهجات العامية، وذلك بعكس المعاني التي لم يطلها ذلك القدر الهائل من التغيير.

ولا يعني إعطاء ابن خلدون الكلمات ومعانيها الأسبقية في ترتيب علوم اللسان العربي أنه عدها كافية لإتقان اللغة، فلقد أكد أن الملكة اللسانية، أي التمكن من اللغة، تقاس بمدى القدرة على تركيب الألفاظ تركيبا صحيحا على نحو كلام العرب. لكن هذا التركيب يعتمد بدوره على العلم بالكلمات ومعانيها، وهو العلم الذي سماه علماء العربية علم اللغة.

ولقد رأى ابن خلدون في ثبات الكلمات ومعانيها مقياسا لمعرفة مدى ابتعاد لهجة عن اللغة المتفرعة عنها، فعندما تحدث عن اللهجات العربية في عصره ذكر أن عربية البدو لم تكن تختلف عن الفصحى إلا في مسألة فقدانها حركات الإعراب، أما الغالبية العظمى من الألفاظ فلم "تزل في موضوعاتها الأولى"، أي أن الفارق بين عربية البدو والفصحى في عهده اقتصر على انتشار التسكين واستخدام حركات الإعراب استخداما مغايرا لنحو الفصحى، بينما بقيت غالبية الكلمات ومعانيها على حالها دون أن يطالها أي تغيير.

أما في المناطق الحضرية التي اختلط فيها العرب بالعجم فقد " استعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم ميلا مع هجنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية"، أي أن عددا لا بأس به من الكلمات العربية تغير معناها في اللهجات الحضرية،  وذلك بالإضافة إلى فقدان الإعراب بالطبع، وهو ما دفع ابن خلدون إلى التأكيد على أن اللهجات الحضرية في زمنه كانت تختلف عن الفصحى وعن عربية البدو، "وهي عن لغة مضر أبعد"، أي أبعد عن الفصحى مقارنة بعربية البدو. (نجد على سبيل المثال أن كلمة اليوم يقابلها "النهارده" في اللهجة المصرية و"الليلة" في اللهجة السودانية).

وكما تكلم ابن خلدون عن اللهجات العربية في زمنه وعلاقتها بالفصحى فإنه قارن أيضا بين اللغتين العربية والحميرية، حيث ذكر أنه " تغيرت عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري. وتصريف كلماته يشهد بذلك الأنقال الموجودة لدينا. خلافا لمن يحمله القصور على أنهما لغة واحدة ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على مقاييس اللغة المضرية وقوانينها، كما يزعم بعضهم في اشتقاق "القيل" في اللسان الحميري أنه من "القول"، وكثير من أشباه هذا. وليس ذلك بصحيح. ولغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركاتها".

والشاهد في هذا الكلام أن العربية لغة مختلفة عن الحميرية لأن معاني كلماتها مختلفة، فكلمة "القيل" مثلا ليس لها صلة من ناحية المعنى بقال، يقول، قولا. وهذا مثال آخر على منهج ابن خلدون والذي بمقتضاه عد الكلمات ومعانيها الركن الركين الذي تقوم عليه اللغة، وهو ذات المنهج الذي جعله يؤكد أن اللحن في معاني الكلمات "أشر من اللحن في الإعراب وأفحش".

ثانيا، أشار ابن خلدون في نهاية فصله المعنون ب"علم اللغة" إلى البعد الاجتماعي للغة، حيث أوضح أن "النقل الذي تثبت به اللغة إنما هو النقل عن العرب أنهم استعملوا هذه الألفاظ لهذه المعاني، لا تقل إنهم وضعوها، لأنه متعذر وبعيد، ولم يعرف لأحد منهم. وكذلك لا تثبت اللغات بقياس ما لم يعرف استعماله على ما عرف استعماله بجامع يشهد باعتباره في الأول".

ويدل هذا الكلام على أن إثبات أن الكلمة الفلانية تعني كذا وكذا يجب أن يكون مبنيا على شواهد على هيئة نصوص شفوية أو مكتوبة، لا على رأي شخصي أو ادعاء لا يعضده اي دليل، وهذا عين ما فعله مثلا الخليل ابن أحمد الفراهيدي في معجمه "العين"، حيث اعتمد في جمع مادته على كلام الفصحاء من العرب الخلص وعلى نصوص القرآن والسنة وما روي عن العرب من شعر ونثر.

كما يدل كلام ابن خلدون على أن القياس ليس بحجة لإثبات صحة تعبير ما في اللغة، فلا يمكن لمدير مثلا أن يأمر موظفيه "بالطاعة الكفيفة" لمجرد اشتراك كلمتي "كفيف" و"أعمى" في المعنى، فالتعبير الذي عرف استعماله بين الناس هو "طاعة عمياء"، ولا يمكن استبداله بقياس ما لم يعرف استعماله عليه.

وقد يمكننا أحيانا استبدال كلمة بأخرى في بعض السياقات دون تغير المعنى، فنقول مثلا "جريدة" عوضا عن "صحيفة"، و"باخرة" بدلا عن "سفينة"، لكن معيار صحة الاستعمال يبقى مدى شيوع استخدام الكلمات عند أصحاب اللغة وإن تعددت الخيارات.


شواهد وفوائد
بعد أن لخصنا أهم نقتطين تحدث عنهما ابن خلدون في مقدمته بخصوص الكلمات ومعانيها سنحاول فيما يلي أن نأتي على ذكر بعض الشواهد لمعرفة مدى مطابقة كلامه للواقع وسنحاول أيضا أن نذكر ما يمكن أن يستفاد من كلامه. ولهذا الغرض نورد النقطتين التاليتين:

أولا، بالنسبة للنقطة الأولى الخاصة بتقديم الكلمات ومعانيها على ما سواها من علوم اللسان العربي نجد أن كلام ابن خلدون فيه قدر كبير من الصحة، فأول ما ينطق به الطفل من اللغة كما ورد آنفا ليس سوى كلمات منفردات لا تركيب بينها، ثم ينتقل بعد أن يكبر قليلا إلى مرحلة الجمل المركبة، مما يدل على توافق ترتيب ابن خلدون مع الواقع.

لكن هذا لا يعني أن معرفة الكلمات ومعانيها كافية، لأنها بمفردها كالأساس بلا بنيان، ولذلك أكد ابن خلدون كما أشرنا سابقا أن " اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني، وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها. وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب. فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلم حينئد الغاية من إفادة مقصوده للسامع. وهذا هو معنى البلاغة."

ويدل هذا الكلام على أن علوم اللسان الأخرى من صرف ونحو وبلاغة، بالإضافة إلى السياق، لها دور كبير في قدرة المتكلم على التعبير وإفهام السامع، فكما أن هناك معنى لكل كلمة من كلمات جملة مثل "قتلَ الصيادُ النمرَ"، فإن هناك معنى للجملة ككل، وهو مرتبط بعلامات الإعراب التي تبين أن لنا أن الصياد هو القاتل والنمر هو المقتول.

لكن قواعد النحو قد تتغير إلى حد ما دون أن يؤدي ذلك إلى تغير في جوهر اللغة الذي يرتبط بالأساس بالكلمات ومعانيها، فعلى سبيل المثال نجد أن اللهجات الدارجة في البلاد العربية اليوم لا تلتزم بالإعراب وقد يختلف موقع الفعل في بعض جملها عن الفاعل مقارنة بالفصحى، ورغم ذلك تظل عربية لأن الغالبية العظمى من كلماتها عربية محتفظة بمعانيها الأصلية حتى في المناطق الحضرية التي قال ابن خلدون أن لهجاتها في زمنه كانت أبعد عن الفصحى مقارنة بلهجات البدو.

وبالمقابل نجد أن علاقة اللغات ببعضها والقدرة على تصنيفها في هذه الفصيلة أو تلك أمر يعتمد بشكل أساسي على مدى تشابه المفردات الأساسية في كل منها وتطابق أو تقارب معناها رغم ما اعتراها من تغيرات في النطق على مر الزمان. ولذلك نجد أن اللغة العربية تشترك مع لغات أخرى كالولزية وبعض لغات المايا في جنوب المكسيك وغواتيمالا في أن التركيب المبدئي للجمل (الفعلية منها بالنسبة للغة العربية) يبدأ بالفعل ثم الفاعل ثم المفعول به إن وجد، دون أن يكون ذلك دليلا على أن لتلك اللغات أدنى صلة ببعضها، فالاشتراك في بعض قواعد النحو لا يعد دليلا على انحدار مجموعة لغات من لغة واحدة إذا لم يكن هناك أي تشابه بين جزء معتبر من الكلمات.

نستخلص من كل ذلك إذن أن الكلمات، أو الموضوعات اللغوية كما أشار إليها ابن خلدون، هي عماد اللغة وأن تغير الكلمات أو تغير معانيها أعمق ما يمكن أن يعتري اللغة من تغيرات وأكثر ما يفصلها عن ماضيها.

ثانيا، إذا حاولنا أن نلخص كلام ابن خلدون عن علاقة البعد الاجتماعي للغة بالكلمات ومعانيها فإنه يمكننا القول أن مستخدمي اللغة هم من يكسبون الكلمات معانيها، وذلك بتوافقهم على أن كلمة كذا تستخدم لتعني كذا، مما يعني أنه يكاد يستحيل على فرد ما أن يقول أنه حر في استخدام كلمة "كرسي" مثلا ليعني بها "منضدة"، أو كلمة "حقد" ليعني بها "بهجة"، لأنه إن فعل ذلك لن يفهمه أحد ولن يستطيع أن يتواصل مع الآخرين.

ولا ينافي ذلك أن فردا ما أو مجموعة صغيرة من ذوي التأثير في المجتمع قد يستحدثون كلمة فتشيع فيه، فمع بدايات الثورة المصرية مثلا استحدثت كلمة "مليونية" للإشارة إلى مظاهرة ضخمة يشارك فيها مليون متظاهر أو أكثر، وما إن شاعت في المجتمع حتى ثبت معناها لدى الجميع رغم أن أول من استخدمها لم يكن سوى نفر قليل من القائمين على تنظيم المظاهرات.

ولا ينافي كلام ابن خلدون أيضا احتمالية وجود أكثر من معنى لكلمة واحدة، فقد يكون لكلمة ما عدة معان، وقد يكون لأخرى معنى عام يشيع بين عامة الناس ومعنى اصطلاحي يشيع بين فئة منهم، ككلمة الشارع التي وردت في مقدمة هذا المقال.

وبما أن الكلمات ومعانيها نتاج توافق على استعمال كل كلمة للإشارة إلى معنى أو عدد محدد من المعاني فإن ذلك يعني أنه لا أساس ولا صحة لما تزعمه حفنة من المميعين يقدمون لنا في لباس مفكرين من أن كل نص مفتوح على عدد لا متناه من التآويل، وأن كلا منا يمكن أن يفهم أي نص بطريقته دون الالتزام بأي مرجع أو قواعد، فحتى إن احتمل نص أكثر من معنى فإن عدد تفاسيره تظل محدودة، وذلك لأن فتح الباب على مصراعيه أمام شطحات كل مأول يظن نفسه المثقف المستنير فريد عصره من شأنه أن يضيع قيمة اللغة ويمنعها من تأدية وظيفتها الأساسية.

 ولذلك يقول الشيخ محمد المنجد في كتابه (بدعة إعادة فهم النص) أن "هذه الحياة تقوم على ما تواضع عليه الناس من دلالات لغوية يتم التفاهم بينهم بناءً عليها، ولو انتفى ذلك وأصبح كل واحد يفهم معاني النصوص بحسب تأويله الخاص الذي يقتضيه تكوينه الثقافي، فإن النتيجة أن لا يدرك أحد مدلول خطاب الآخر؛ فينعدم التواصل والتعاون" (صفحة ٤٦).

ثمة نقطة أخرى ينبغي الانتباه إليها وهو ما قد يستنتجه البعض من تأكيد ابن خلدون أن الكلمات ومعانيها واللغة عامة هي ما شاع استعماله بين الناس، فقد يرى البعض في ذلك دعوة إلى تقعيد اللهجات الدارجة وتنحية الفصحى لأن اللهجات هي ما درج الناس على استعماله، فكيف يمكن الرد على مثل هذا استنتاج؟

الحقيقة أن قولا كهذا فيه كثير من مجافاة الواقع، فاللهجات كما ذكرنا في مقال سابق ليست لغات مستقلة بذاتها عن الفصحى، إذ ينتمي كل منها إلى جسد اللغة العربية الواحد، بدليل أن الواقع يظهر أن متحدثي اللهجات أقدر على إتقان الفصحى بمخالطتها من غيرهم ممن ربي على لغة غير العربية. 

وحتى وإن زعم أحدهم أن تبني اللهجات الدارجة وإزاحة الفصحى ضرورة لأن العاميات وسيلة أنجع لتمكين الناس من التواصل مع بعضهم فإننا نقول أن فهما كهذا فيه تضييق لمعنى التواصل، فكما أننا نحتاج أن نتواصل مع بعضنا فإننا لا يمكن أن نستغني عن التواصل مع ماضينا وتراثنا، ناهيك عن أن الفصحى لا غنى عنها لكل من أراد فهم القرآن والسنة.

خاتمة
يتناقل البعض على النت روايات مضحكة عن بعض من يستخدمون آيات القرآن في غير محلها بسبب فهم مفرداتها فهما خاطئا، حيث يروى أن خياطا وضع على محله لافتة كتب عليها "وكل شيء فصلناه تفصيلا"، وأن زميلا له في المهنة علق لافتة مماثلة عليها قوله تعالى "نحن نقص عليك أحسن القصص"، وأن سائق حافلة أراد اجتذاب الركاب فكتب على حافلته "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين". وليس بعيدا عن تلك الروايات ما نشاهده في بعض الأفلام المصرية من مشاهد يمسك فيها أحدهم بتلابيب آخر أو يهدده بآلة حادة ليجبره على دفع مال له قائلا "ادفع بالتي هي أحسن"!

وقد يرى البعض في بعض تلك الاستخدامات استغلالا غير مقبول لكلام الله، وقد يقول البعض الآخر أنها دليل على مدى تجذر الدين والقرآن في حياتنا، ولكن بغض النظر عن هذا وذاك فإن تلك الاستخدامات إن كانت نابعة عن جهل بمعاني المفردات الواردة فإنها تظهر مدى أهمية فهم الكلمات ومعانيها في فهم كلام الله عز وجل وفي حياتنا عموما.

ولا تشكل تلك الاستخدامات خطرا يذكر على فهم آيات القرآن لأنه متداول ومتدارس بيننا بكثرة، فحتى من لا يواظبون على قراءته يسمعون آيات منه يستشهد بها خطيب أو يتلوها إمام أو يشرحها عالم، مما يسهل تصحيح الأخطاء الناجمة عن عدم فهم معاني مفردات القرآن.

لكن الحال مختلف بعض الشيء بالنسبة للعديد من كتب علماء العصور الأولى، حيث يحتاج حتى بعض المتعلمين منا إلى إيضاح معاني ودلالات بعض الكلمات الواردة فيها حتى يسهل عليهم قراءتها وفهمها وإنزال المناسب من أفكارها على واقعنا.

وليس شرطا أن تكون تلك الكلمات  مهجورة، فقد نجد أن كثيرا منها مستخدم لدينا ولكن بمعنى مغاير أو بدلالة مختلفة، فعلى سبيل المثال يلاحظ الباحث في اللغة أن العرب أطلقوا كلمة "لسان" على ما نسميه نحن اليوم "لغة"، واصطلحوا على كلمة "لغة" للإشارة إلى ما نسميه نحن اليوم "لهجة". أما علماء اللغة فقد كان علم اللغة لديهم هو ذاك العلم المختص بالكلمات ومعانيها وليس بعلم اللغة عامة كما هو الحال اليوم، وعلم المعاني جزء من علم البلاغة وليس العلم المختص بمعاني الكلمات. والقارئ لمقدمة ابن خلدون يجد أنه استخدم كلمة "لغة" للإشارة إلى اللهجة أحيانا وإلى اللسان أحيانا أخرى كل حسب السياق.

ولذلك فإن من اللازم على الباحثين أن يعملوا على شرح التراث وتيسيره، وأن يخرجوا به من قاعات المؤتمرات إلى الناس، وألا يكون اختلاف بعض مصطلحات أسلافنا عائقا أمام فهم معاني ودلالات بعض كلمات أعمالهم، لأن نفائس تراثنا إن استغلقت علينا صارت لنا بمثابة التماثيل في المتحف، وصرنا لها بمنزلة من قال الله عنهم: "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا".

الأحد، 30 سبتمبر 2012

خلدونيات لغوية: ما هي أفضل اللغات؟

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________

إذا قدر لأحدنا أن يعرف لغات العالم المكتوبة كلها ويقرأ ما يكتبه أهلها عنها لوجد أن كلا منهم يمدح لغته ويعتبرها الأفضل في العالم، ولوجد أن بعضهم ينظر إلى باقي اللغات على أنها أفقر بنية وأقل جمالا وأضعف قدرة على التعبير.

ولا يختلف الأمر كثيرا لدى من يغرمون بلغة غير لغتهم الأصل، حيث نجد أنهم يعددون مناقبها ويسهبون في وصف جمال أصواتها وجزالة ألفاظها، وقد يحسدون أهلها على نشأتهم عليها وامتلاكهم ناصيتها وقدرتهم على التعبير بها دون تلعثم أو تردد.
وسواء كان أحدهم منتميا إلى الفئة الأولى أو الثانية فإن الثابت أنه ليس هناك ثمة معايير محددة يتفق الجميع عليها لاستخدامها في قياس مدى أفضلية لغة على غيرها من لغات العالم الحية أو المنقرضة.


وبما أن الكل يدلي بدلوه عند الحديث عن تلك المعايير فإن من المفيد أن نرى ما قاله ابن خلدون وهو العالم الأريب بخصوص تلك المسألة، والذي نلخصه في نقطتين تشكل كل منهما معيارا:

أولا، حدد ابن خلدون معيارا داخليا يختص ببنية اللغة وهيكلها، إذ ذكر أن تفضيل لغة على غيرها مرتبط بمدى قدرتها على الإيجاز بحيث لا تكون هناك حاجة إلى ألفاظ أخرى للتعبير عن المقاصد. ولذلك اعتبر أن اللغة العربية أفضل اللغات من هذه الناحية "لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني، مثل الحركات التي تعين الفاعل من المفعول من المجرور، أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال، أي الحركات، إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى. وليس يوجد ذلك إلا في لغة العرب. وأما غيرها من اللغات، فكل معنى أو حال لابد له من ألفاظ تخصه بالدلالة. وكذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول مما نقدره بكلام العرب. و هذا هو معنى قوله صلى الله عليه و سلم: (أوتيت جوامع الكلم و اختصر لي الكلام اختصارا)".

ولتوضيح كلام ابن خلدون دعونا نحلل كلمة "رفعت" في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(رفعت الأقلام وجفت الصحف)، حيث نجد أنها تشتمل على عدة استخدامات لقواعد اللغة العربية، فهي فعل ماض، مبني للمجهول، متعد، وتائه دالة على أن الفاعل مؤنث. أما أنها فعل ماض فلصيغتها، وأما أن الفعل مبن للمجهول فلحركاته، وأما أنه متعد فلكونه يقبل البناء للمجهول، وأما تائه فلكون جمع التكسير يعامل معاملة المفرد المؤنث. أما كلمة "الأقلام" فإننا نجد أنها اسم معرف لابتدائها بالألف واللام، وأنها جمع تكسير لصيغتها، وأنها فاعل لكون آخر حروفها مضموما.

ويدل هذان المثالان على أن بنية اللغة العربية ذات قدرة عالية على الدمج "لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني"، فكلمة واحدة فقط يمكن أن تشتمل على عدة قواعد للغة، وهو ما دفع ابن خلدون إلى تفضيلها على غيرها من اللغات.

ثانيا، تحدث ابن خلدون عن المحتوى المتاح بلغة ما كمعيار آخر للمفاضلة بين اللغات، حيث ضرب مثالا باللغة العربية التي تمتاز بأنها حاوية القرآن والسنة، وهو ما يجعل لها فضلا على باقي اللغات من هذه الناحية، إذ أنها تعتبر عند المسلمين مفتاحا لدراسة العلوم الشرعية وفهمها فهما دقيقا معمقا.

وكما أن اللغة العربية ذات فضل بالنسبة للمسلم فإنها كانت ذات مكانة في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، حيث كانت تحوي الكثير من العلوم لأن المسلمين في ذلك العصر "تشوفوا إلى علوم الأمم فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجردوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم، وأربوا فيها على مداركهم، وبقيت تلك الدفاتر التي بلغتهم الأعجمية نسيا منسيا وطللا مهجورا وهباء منثورا. وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب، ودواوينها المسطرة بخطهم".

ولم يكن الأمر مختلفا في عصر الحضارة اليونانية، حيث كانت اللغة اليونانية ذات فضل لما "كان لليونانيين في علومهم من رسوخ القدم"، حيث كانت الكثير من العلوم مدونة بلغتهم مما أكسبها أهمية وجعل فيها من المحتوى ما يميزها عن باقي لغات العالم في ذلك العصر.


تقييم
بعد أن استنبطنا معياري تفاضل اللغات عند ابن خلدون فإن من اللازم أن نخضعهما للبحث والتدقيق حتى نرى إذا ما كانا يصلحان للمفاضلة بين اللغات، خصوصا أن لدينا في عصرنا هذا الكثير من المعلومات عن لغات العالم المختلفة مما لم يتوفر لدى ابن خلدون ولا لغيره في عصره.

وإذا بدأنا بالمعيار الأول فإننا نجد أن ما قاله ابن خلدون عن بنية اللغة العربية يمثل ملاحظة مهمة يؤكدها ما نعرفه عن لغات العالم اليوم، حيث يصنف علماء اللغة اللغات من حيث بنيتها إلى ثلاثة أنواع:

١- اللغات العازلة، وهي اللغات التي لا تصرف جذورها ولا يضاف إليها حروف جر أو ضمائر أو ما شابه، حيث تبقى الكلمات معزولة عما سماه ابن خلدون بغير الكلمات دون دمج. ومن أمثلتها اللغة الفتنامية ولغات الصين الكبرى مثل المندرينية والكنتونية.

٢- اللغات الإلصاقية، وهي اللغات التي لا تصرف جذورها ولكن يضاف إليها مقاطع على هيئة سوابق أو لواحق قد تكون ضمائرا أو حروف جر أو غير ذلك. ومن أمثلتها اللغة اليابانية والتركية والسواحلية.

٣- اللغات المتصرفة، وهي اللغات التي تصرف جذورها ويلتصق بها من السوابق واللواحق ما قد يكون ضميرا أو حرف جر أو حركة إعراب. ومن أمثلتها اللغة العربية والأسبانية والروسية.

ولا يعني التصنيف أعلاه أن كل لغة تنتمي إما إلى هذا النوع أو ذاك، فالكثير من لغات العالم قد تعتمد في أجزاء منها على العزل وفي أخرى على الإلصاق بينما تصرف أجزاء أخرى. ففي اللغة العربية مثلا نجد أن صيغتي جمعي المذكر السالم والمؤنث السالم يعتمدان على إلصاق اللواحق ".....ون" أو ".....ين" للمذكر و".....ات" للمؤنث، بينما نجد أن جمع التكسير يعتمد على التصريف. وبالتالي فإننا عندما نصنف لغة ما تحت نوع بعينه فإننا نعني أنها يغلب عليها خصائص ذلك النوع.

وبالعودة إلى ما قاله ابن خلدون عن اللغة العربية فإننا نلاحظ أن طبيعتها التصريفية تجعلها لغة إيجاز بامتياز، فبينما تتكون جملة "أنهيت واجباتي" مثلا من كلمتين، نجد أن نظيرتها الانجليزية تتكون من أربع أو خمس كلمات، وذلك لأن اللغة الانجليزية تتفرد عن قريناتها الأوروبية باحتوائها على العديد من خصائص اللغات العازلة.

لكن ابن خلدون وبالرغم من ملاحظته المهمة جانبه الصواب في أمرين، أولهما أنه استشهد بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم للتدليل على صحة كلامه رغم أن جوامع الكلم أمر خص الله به نبيه ولم تختص به اللغة العربية، لأن الأمر لو كان كذلك لانتفى الإعجاز عن كلام النبي وصار كل متقن للغة العربية قادرا على الإتيان بجوامع الكلم.

أما الخلل الآخر الذي شاب كلام ابن خلدون فهو أنه قصر الإيجاز على اللغة العربية رغم أن هناك من اللغات المتصرفة ما قد يضاهيها في ذلك. لكننا لا نستطيع لومه على ذلك كثيرا لأنه لم يكن لديه ولا لغيره التصنيف الذي نعرفه اليوم عن لغات العالم، ولذلك اعتمدت ملاحظته على أن  "كلام العجم من مخاطباتهم أطول مما نقدره بكلام العرب"، وهو ما يعني أنه بني كلامه على التقدير وليس على اليقين، وهو معذور في ذلك لأن عصره مختلف عن عصر المعلومات الذي نعيشه نحن اليوم.

ونحن هنا إذ لا ننفي عن اللغة العربية صفة الإيجاز، إلا أننا نقول أن إثبات تفردها بتلك الصفة ينبغي أن يبنى على دراسات مقارنة مع نظيراتها من اللغات المتصرفة حتى نرى إذا ما كانت أكثرهن قدرة على الإيجاز والدمج أم لا. وحتى يقوم علماء اللغة بتلك الدراسات فإننا لا نملك أن نجزم بأن لغة ما أوجز لغات الأرض.

وبهذا نستنتج أن معيار الإيجاز الذي ذكره ابن خلدون يصعب استخدامه لإثبات تفرد لغة ما على غيرها لاشتراك عدة لغات فيه.

أما بالنسبة للمعيار الثاني الذي استنبطناه من المقدمة والخاص بما تحتويه لغة ما من معارف فإن فيه جانبا من الصحة، وذلك لأن حجم ونوعية المعارف المتاحة بلغة ما يجعلان الاستفادة منها أكبر مقارنة باللغات ذات المحتوى المحدود، مما يجعلنا ننظر إلى اللغات ذات المحتوى الكبير كما ونوعا على أنها أفضل من غيرها.

لكن هذا المعيار يصعب تبنيه لقياس تفاضل اللغات على الإطلاق لأنه قد تتميز إحدى اللغات على غيرها في مجال ما بينما تتميز الأخرى في مجال آخر. فعلى سبيل المثال نجد أن اللغة العربية كما ذكرنا آنفا ذات أهمية كبرى في مجال العلوم الشرعية، حيث يكاد يستحيل على دارس تلك العلوم التبحر فيها دون الإلمام بشيء  من العربية، إذ عليه أن يفهم ما يكتب بها على الأقل حتى وإن لم يقدر على التحدث بها بطلاقة. وهي بذلك تتميز من هذا الجانب على غيرها من لغات العالم.

ولا يقتصر معيار المحتوى على العلوم فقط، إذ يتعداها ليشمل كل المعلومات التي يمكن الحصول عليها كتابة أو مشافهة لتحقيق مقصد من المقاصد. لكننا على أية حال لا يمكننا استخدامه لقياس أفضلية لغة على غيرها لنسبيته، حيث يصعب أن نجد لغة تتميز على جميع لغات الأرض في جميع المجالات.

إذن، إذا كان معيارا البنية والمحتوى لا يساعدان على تحديد أفضل اللغات فما المعايير التي يمكنها ذلك؟

الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال صعبة، لكننا نقول أن تفضيل لغة على أخرى مرتبط ارتباطا وثيقا بمدى تحقيقها الأهداف التي وجدت من أجلها، فكما ذكرنا في مقال سابق فإن وظيفة اللغة الأساسية هي تمكين الناس من التواصل، وذلك بالإضافة إلى وظفية الانتماء. ولا يمكن لهاتين الوظيفتين أن تتوفرا في غير اللغة التي نربى عليها، وذلك لأننا إتقاننا إياها يمكننا من تحقيق وظيفة التواصل بفعالية، ولأننا نشعر بالانتماء إليها لأننا نشأنا في عالمها.

وبالتالي فإن أفضل لغة لكل منا هي لغته التي نشأ عليها وانتمى إليها وصارت أداته للفهم والتعبير دون مشاكل. وليس شرطا أن تكون تلك اللغة هي ذاتها التي يلقنها الصغير من أبويه، فقد تكون لغة المحيط مختلفة عن لغة البيت فنجد أن الطفل حين يكبر يشعر بأن لغة المحيط التي نشأ عليها أقرب إليه من لغة أبويه.

لكن هذا لا ينفي أنه من الممكن أن تكون لغة أجنبية أفضل وأنفع لأحدنا من لغته الأصل، فعندما يهاجر أحدهم إلى بلد تختلف لغتها عن لغته تصبح اللغة الجديدة بالنسبة إليه أفضل من لغته لأنها تحقق أغراضه ويستطيع بواسطتها أن يتواصل مع أفراد بلده الجديد فتقل بذلك أهمية لغته وتنحسر بمقدار اندماجه في مجتمعه الجديد وانقطاع صلته ببلده الأصل.

يتضح لنا إذن من هذه المناقشة أن أفضلية لغة على أخرى مسألة نسبية تختلف من مجتمع إلى آخر وأحيانا من فرد إلى آخر، مما يعني أنه من المستحيل القول بأن لغة بعينها أفضل من كل لغات الأرض على الإطلاق، فالبشر مختلفون في احتياجاتهم وما يصلح لفئة ما قد لا يصلح لغيرها.

ولا ينافي هذا في الوقت ذاته أن هناك لغات لها من المميزات ما يجعلها أرفع مكانة من غيرها، لكن هذه المكانة ليست مرتبطة في الأغلب ببنيتها الداخلية بقدر ما هي مرتبطة بعوامل خارجية.

وعلى سبيل المثال فإن اللغة العربية كثيرا ما توصف بأنها غزيرة المفردات دقيقة المعاني، وأنها تتمتع بخاصيتي الاشتقاق والإعراب إلى غير ذلك مما يتعلق ببنيتها اللغوية.

لكن مميزات العربية الحقيقية تكمن خارجها، فهي اللغة الأم لأكثر من ثلاثمائة مليون عربي ينتشرون من الخليج إلى المحيط ويزداد عددهم بمعدلات مرتفعة، مما يمنحها طاقة كامنة يمكن أن تتفجر بمجرد أن يفيق أهلها. وبما أنها لغة القرآن والسنة فإن تعلمها مقصد الكثير من المسلمين من غير العرب، مما يزيد من انتشارها خارج العالم العربي.

وإذا نظرنا إلى اللغات المهمة حول العالم فإننا نلاحظ أن غالبيتها تكتسب أهميتها عالميا أو إقليميا من عدد الناطقين بها.

وقد تسهم عوامل أخرى غير عامل الكثافة العددية في منح لغة ميزة على غيرها، لكن أيا كانت تلك العوامل فإنها ليس لها في الأغلب صلة بالبنية اللغوية لهذه اللغة أو تلك، فالمؤثرات الخارجية عادة ما تكون هي الحاسمة.


خاتمة
من الطبيعي أن نشعر نحن أبناء العربية برفعة لغتنا وجمالها حالنا حال أهل أي لغة أخرى، لكن هذا الشعور لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتركها وحيدة في الميدان تصارع على مختلف الجبهات بينما لا نقوم نحن بدور سوى الفرجة والتصفيق الحاد لها ولجمالها وغناها ودقتها دون أن نحرك ساكنا للتمكين لها.

وإذا كان شرع الله وهو ما هو يستلزم العمل الدؤوب للتمكين له، فهل يعقل أن نتعامل مع لغتنا التي هي أدنى مقاما من الشريعة بمنطق "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"؟؟

إن مدح العربية والتغزل بها دون استعمالها في جميع مناحي حياتنا لبمثابة علمانية لغوية تجعل من العربية لغة الدين والأدب ومن غيرها لغة العلوم والتقنية، فكما أنه لا يجوز فصل الدين عن الدولة، فإنه لا يجوز فصل العربية عن الطب والهندسة وعلوم الحاسوب بدعوى أنها لا تصلح للتعبير عن تلك العلوم.

لماذا؟

لأن اللغة العربية، كما يقول الأستاذ حسام الخطيب، "حتى  لو كانت -على سبيل الافتراض- أقل غنى في بعض النواحي وأرقى مقدرة في نواحٍ أخرى، فهي أولاً وآخراً لغتنا، وهي نحن ونحن هي، وعلينا أن نتمسك بها دون مراء أو مفاضلة أو مقارنة بغيرها، ذلك أن اللغات أشبه بالأوطان فلا تُعار ولا تُستبدل."