الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

التعريب وإشكالية الترجمة

يعتبر بعض المعارضين لاستخدام اللغة العربية في مراحل التعليم العليا في الدول العربية أن معضلة الترجمة هي أكبر عائق يحول بيننا وبين تعريب التعليم الجامعي في البلاد العربية، حيث عادة ما يؤكدون أن اللغات الأجنبية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية هي لغات العلم وأن استخدام العربية في التعليم يستلزم ترجمة الكم الهائل من العلوم المكتوبة بتلك اللغات إلى اللغة العربية، وهذا أمر مكلف ماديا ويحتاج إلى الكثير من الوقت والكفاءات العلمية حتى يتم إنجازه. فهل هذا أمر صحيح؟

للإجابة على السؤال المطروح أعلاه علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا جوهريا آخرا، ألا وهو: هل نحتاج أن نترجم كل ما يكتب بغير العربية؟ بل هل نحن في حاجة أصلا إلى كل العلوم التي تكتب باللغات الأجنبية؟ هنا سنجد أن العقل السليم والذهن الصافي سوف يردان بالنفي على هذين السؤالين، وذلك لأن ليس كل مايكتبه الغير مفيد لنا، بل على العكس فإن ما يأتينا من الغير من علم قد يكون ضرره أكبر من نفعه. وحتى وإن لم تكن علوم الغير مضرة فإنها قد لا تناسب احتياجتنا التنموية ولا أولوياتنا الاجتماعية، فما أهمية أحدث نظريات الإدارة في بلدان لا يهتم الكثير من مدراء شركاتها بأبجديات الإدارة ولا يعترفون إلا بفيتامين واو؟

إن نقل علوم الآخرين عن طريق الترجمة يجب أن لايكون عملية اعتباطية، وذلك لأننا يجب أن يكون لدينا معايير ومبادئ عامة نابعة من عمق مجتمعاتنا واحتياجاتنا نتمكن من خلالها من انتقاء الصالح الذي يستحق الترجمة وإهمال الطالح الذي لا يمكن أن يعود علينا بأي نفع. وعليه فإننا إذا عملنا بقاعدة "أولى لك فأولى" فإننا سنجد أن مسألة ترجمة العلوم إلى العربية لن تشكل عائقا إلا إذا افترضنا أن تعريب التعليم الجامعي يستلزم ترجمة كل مايكتبه غير العرب، وهذا أمر مخلف للواقع.

وأخيرا فإن من الواجب علينا أيضا ألا ننسى أن ناقل العلم ليس كصانعه، فأي نهضة علمية تحتم علينا تأليف الكتب بأنفسنا أكثر من ترجمة كتب الغير. فالمترجم لا يجب أن يشكل إلا جزءا يسيرا مما تحتويه مكتباتنا، أما الباقي فيجب أن يكون من صنع أيدينا، حتى لا نكون إمعة واقعين تحت رحمة ما يكتبه الآخرون لأنفسهم لا لغيرهم.