الثلاثاء، 30 يونيو، 2009

ثقافات الآخرين عائقا للتقدم

جلست بالأمس مع أحد الأصدقاء نتناقش حول مشكلة يواجهها، وهي أن صديقي يدرس اللغة الإنجليزية في معهد لغات تابع لجامعة إسلامية، والمشكلة أنه يريد ترك ذلك المعهد لأنه يركز كثيرا على قواعد اللغة دون الاهتمام بالمحادثة، ولكنه يخشى أن يذهب إلى معهد آخر فيه بعض الممارسات التي لا يريد بصفته رجلا ملتزما بالدين القيام بها.

حاولت إقناع صديقي بالقول أنني شخصيا لا أمانع في أن أشاهد فيلما أو استمع إلى أغنية في سبيل أن أتعلم لغة أجنبية، وذلك لأنني أصلا استمع إلى الأغاني وأشاهد الأفلام. أما الممارسات الأخرى التي قد يقوم بها أحدهم أو إحداهن في الفصل فإني لست ملزما بالمشاركة فيها طالما أنها لا تتفق مع عقيدتي وأخلاقي، حتى وإن صنف تصرفي هذا من قبل المبشرين بالتعايش ودعاة الانبطاح على أنه انغلاق وتحجر.

وبعد الكثيرمن النقاش والتفكير تولدت لدي قناعة أن المشكلة أكبر بكثير من قبلة عابرة رأينا مثلها واستنكرناها في العديد من الأفلام العربية أو من جسد عار في فيلم هوليودي. ومن دون أن نهون من أثر ذلك العهر الغربي وحرمته، فإنه يجب علينا أن ندرك أن المعضلة التي تواجه العديد من مستهلكي الثقافة الأمريكية من أبناء جلدتنا هي أن تلك الثقافة مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا العربية، فالقضية ثقافية ودينية في آن واحد، خصوصا أن ديننا الحنيف ليس مجرد شعائر وإنما منهاج حياة. وبعض أفلام هوليود يمكن اعتبارها خالية من المشاهد الجارحة، ولكن نمط الحياة الذي تصوره لا يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا ولا روح الثقافة الإسلامية العربية بغض النظر عن خلوها من مشاهد العري.

وإذا أخذنا الحب مثالا على الاختلافات الجذرية بيننا وبين أمريكا فإننا نرى مثلا في الأفلام الأمريكية أن ممارسة الجنس بين حبيبين غير متزوجين يقوي علاقة الحب بينهما، بينما ترى المجتمعات العربية في أغلب الحالات أن الرجل لا يمكن أن يثق بامرأة ويتزوجها بعد أن فرطت في جسدها. ففي هذه الحالة نرى أن ممارسة الجنس تقوي علاقة الحب قبل الزواج في مجتمع وتنهي تلك العلاقة في مجتمع آخر.

ومما قد ينتج عن المشاهدة المتكررة لأفلام هوليود أن بعضا من الناس يقع في نفوسهم شبه اعتقاد أن الحب شيء سيئ، وذلك لأنهم يربطونه بالحب على الطريقة الأمريكية، وهو ما لا يريدونه. ولذلك تجد بعضهم يستفتي علماء الدين متسائلا عن حكم الحب. وتجد البعض الآخر يبتعد عن الحب تماما ولسان حاله "حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه".

ويجادل البعض أن علينا أن نقلد الغرب في أخلاقهم الحسنة، وهم بذلك يتناسون أن الأخلاق الحسنة ليست ملكا لأحد. فهل الانضباط في العمل خلق أمريكي؟ أم ألماني؟ أم ياباني؟ والحق أن الكثير من الأخلاق الحسنة معروفة لدى الكثير من الشعوب، ولكن النية الكامنة وراء الالتزام بها وطريقة تطبيقها وترتيبها حسب العقيدة والأولوية وطبيعة كل مجتمع هو ما يميز حضارة عن أخرى. وبالنسبة لنا فإن الأخلاق الحسنة يجب أن تكون مستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف ومرتكزة على الحاكمية لشرع الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أبدا استيرادها من الغرب أو اليابان أو الصين كما يود البعض أن يفعل بدعوى أن أننا إخوة في الإنسانية وكل الأديان تؤدي إلى الطريق القويم وما إلى ذلك من مكرورات التغريبيين المكشوفة التي تهدف إلى تذويبنا في ثقافة الغرب.

وعليه فإن علينا أن ندرك أن نمط الحياة الأمريكي أو الغربي بصورة عامة ليس الطريق الوحيد نحو التقدم، وهو بالتأكيد ليس طريقنا نحن للتقدم. وقد تطورت أوروبا عن طريق الثورة على السلطة الكنسية والملكية، بينما تتقدم العديد من الدول الآسيوية عن طريق الطاعة التي كثيرا ما تكون عمياء للقادة، وسوف تنهض أمتنا إن شاء الله باختيار طريق الأصالة والعودة إلى جذورنا، فحذار من أن نترك الثقافات الأخرى تعبث بعقولنا وتزيد من تخلفنا بينما نحن نظن واهمين أنها تهدينا سبل النجاح.

الأربعاء، 24 يونيو، 2009

عالم العربية الفسيح

عندما يتحدث المتخصصون في شؤون اللغة العربية عنها فإنهم كثيرا ما يمتدحون خصائصها اللغوية مثل الاشتقاق والنحت والتركيب ومثل قواعها الدقيقة التي تساهم في تحديد معنى ودلالات الجمل ومثل عدد مفرداتها الضخم. ولكن كل هذه الخصائص سمات داخلية للغة العربية تميزها عن غيرها من اللغات دون أن تكون العامل الرئيسي في نشرها أو فرضها. أما المقومات الأساسية التي تميز لغة عن أخرى فإنها في أغلب الأحيان مرتبطة بالوزن السياسي والاقتصادي والعسكري وبالموقع الجغرافي والإرث التاريخي وبالناتج العلمي والفكري للمتحدثين بتلك اللغة، إلى غير ذلك من المقومات. وليس شرطا أن تتوفر كل هذه المقومات حتى تصبح لغة ما ذات قيمة، إذ يكفي أن يكون بعضها موجوداً للتمكين للغة ما حسب الظروف.

واللغة العربية اليوم ينقصها بعض من المقومات المذكورة أعلاه، ولكننا إذا نظرنا إلى العالم العربي لوجدنا أن عدد الناطقين بالعربية من أهم العوامل التي يمكن أن تساعد في التمكين لها، فعدد المتحدثين بها كلغة أم يقارب الثلاثمائة مليون نسمة موزعون على مساحة شاسعة من الأرض تمتد من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي. ويشكل هذا العدد أحد العوامل الرئيسية التي تجعل من اللغة العربية واحدة من اللغات العشر الأوائل على مستوى العالم، وذلك بغض النظر عن المعايير المستخدمة في تحديد أهمية كل لغة.

ويعتبر عدد الناطقين بالعربية عاملا مهما في فرض الحد الأدنى من التعريب في الدول العربية، وذلك لأن ذلك العدد الضخم يمنح أي منتج يحتوي على جانب لغوي سوقا واسعة تزيد من فرصة انتشاره. ولقد شاهدنا في التاريخ الحديث أدلة على ذلك، فدول الخليج استعانت وما زالت تستعين بأساتذة عرب من مصر وغيرها من الدول العربية. وعندما كانت حركة التعريب في أوجها في الجزائر بعد الاستقلال كان هناك دور مهم للدول العربية الأخرى في المساهمة في تعريب الإدارة الجزائرية. وفي عصرنا الحديث نرى كيف أن قناة مثل الجزيرة القطرية تستقطب المشاهدين من جميع الأنحاء. وعندما توفي الأديب السوداني الطيب صالح في هذا العام جرى تأبينه في حفلات أقيمت في العديد من الدول العربية، من عمان إلى موريتانيا.

ومن هنا يجب علينا أن ندرك أن العروبة كما يؤكد محمد جابر الأنصاري ليست أيديولوجيا، وإنما هي واقع حي عشناه في الماضي ونعيشه في الحاضر ويجب أن نستفيد منه في المستقبل. فوحدة اللغة بين أبناء العربية على اختلاف لهجاتهم تشكل طاقة كامنة يجب تفجيرها عن طريق التعريب الشامل لجميع مناحي الحياة، ولا سيما في التعليم العالي بجميع تخصصاته وفي القطاع الاقتصادي. ولوسائل الاتصال في هذا العصر دور مهم جدا في تحقيق ذلك الهدف، إذ أنه من الأولى أن نستغل تلك الوسائل للانفتاح على بعضنا قبل الانفتاح على الآخرين. وأي كتاب مكتوب بالعربية في أي مجال من المجالات يمكن أن يقرأ من قبل عدد كبير من الناطقين بالعربية. فإذا كانت السوق قائمة والزبائن كثر، فلماذا التردد؟

الخميس، 18 يونيو، 2009

حدود التعريب

عندما يتحدث علماء الاجتماع والتاريخ عن النهضة وبناء الحضارة، فإنهم عادة ما يتحدثون عن عدة عوامل وليس عن عامل واحد. وهذا أمر بديهي، إذ أن الأمم لا تتقدم ولا تأسس حضارات إلا إذا توافرت عوامل قد يختلف المنظرون على تحديدها دون أن يختلفوا على تعددها. وقد يقول قائل أن ابن خلدون ركز في مقدمته على أهمية ما أسماه العصبية كعامل رئيسي في بناء الدولة، ولكن هذا لا يعني أنه ليس هناك عوامل أخرى ذكرها ابن خلدون ومؤرخون غيره. وقد تتفاوت تلك العوامل في درجة أهميتها، ولكن لا يمكن لأحدها أن ينفرد بمهمة بناء أية حضارة.

وكما أن هناك عوامل تبعث على تأسيس الحضارات، فإن هناك عوامل تسهم في إعاقة بناء الحضارات. وعوامل التخلف تلك متعددة حالها حال عوامل النهضة. وأحد عوامل التأخر التغريب وتقليد الآخرين الأعمى في الكثير من جوانب حياتهم. ومن ذلك تبني لغاتهم في بعض مجالات الحياة، أي التغريب اللغوي، وهو ما تحاول هذه المدونة تبيان أعراضه، ومحاولة علاجه وإيضاح سبل الوقاية منه.

إن على الجميع أن يدركوا أن التغريب اللغوي أحد أوجه التغريب الذي هو أحد عوامل التخلف، فهو جزء من جزء من كل. ولذلك فإن علينا ألا نتوهم أن التعريب سوف يحل جميع مشاكلنا كما يحاول بعض مناصري التعريب أن يظهروا، وهم لا يقومون بذلك إلا على سبيل المبالغة التي يهدفون من خلالها إلى تنبيه الناس إلى مخاطر التغريب.

وكاتب هذه السطور يحاول من خلال هذه المدونة أن يسهم في مقاومة التغريب اللغوي الذي هو جزء من التغريب ككل والذي هو واحد من عوامل التخلف كما ذكرت، وتختص المدونة بذلك الجزء دون غيره لا لشيء إلا لأن صاحبها متخصص في علوم اللغة ولا ليس من الحكمة أن يدس أنفه في مناقشة علوم ومجالات أخرى لا يعرف عنها إلا القشور، اللهم إلا فيما اتصل من تلك العلوم بعلوم اللغة.

والهدف من كل ما أوردت آنفا هو التنبيه على أن التعريب وحده لن يبني لنا حضارة، والأمثلة على الدول المتخلفة بالرغم من تمسكها بلغاتها كثيرة في الماضي والحاضر. فالتعريب ليس إلا إزالة لعامل من عوامل التخلف، أي أنه ليس التقدم بحد ذاته. فهو ليس سوى إعادة للأمور إلى نصابها وتوضيح لعدم جدوى التغريب، فمن الطبيعي أن تسود اللغة العربية في البلاد العربية. وجعل الأمور طبيعية ليس تقدما، ولكن السعي إلى ذلك كثيرا ما يكون محاولة للخروج من مستنقع التخلف، أي أنه محاولة للوصول إلى نقطة البداية نحو بناء الحضارة.

والخلاصة أن التعريب بمفرده غالبا لن يقدم، ولكن التغريب حتما يأخر.

الأحد، 7 يونيو، 2009

الاستعمار اللغوي وتهجير العقول

في عام ٢٠٠٦ أصدرت فرنسا قانونا جديدا للهجرة يشجع ذوي الكفاءات على القدوم إلى فرنسا والعمل فيها، مما حدا ببعض الدول الأفريقية إلى الاعتراض على هذا القانون باعتبارأنه سوف يؤدي إلى تهجير أفضل الخريجين الأفارقة إلى فرنسا بالرغم من حاجة بلدانهم الماسة إليهم. وقد انتقد الرئيس السنغالي القانون الفرنسي قائلا: "سأكون في بلدي كوادر لتطوير الاقتصاد الفرنسي، إن ذلك لأمر عبثي". فما الصلة بين قانون تصدره فرنسا على الصعيد المحلي ورد فعل دولة مثل السنغال؟

الجواب يكمن في اللغة الفرنسية التي تستخدمها السنغال والعديد من الدول الأفريقية الفرنكفونية في التعليم. والحال ينطبق أيضا على الدول التي تستخدم اللغة الإنجليزية كلغة تدريس. ويلخص أحد الكتاب الغانيين المشكلة بقوله: "إنه لمن السذاجة أن نطالب خريجينا وعلمائنا بالبقاء في بلدنا الفقير إذا كنا نلقنهم علوما لا يمكن تطبيقها إلا في الخارج".

هنا يتضح لنا جليا أحد أخطار التعليم باللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية واللتان تستخدمان في دول يفصلها عنا نحن أبناء البلاد العربية بون شاسع من ناحية التطور. فاستخدام تلك اللغات يسمح لدول مثل فرنسا وأمريكا أن تنتقي أفضل الطلاب الذين درسوا أحدث العلوم التي يصعب تطبيقها في بلادنا المتخلفة، إذ أن هؤلاء الطلاب يدخلون ما يكمن وصفه بالتصفيات التي يتنافسون فيها على حذق ما يصفه كثير من معارضي التعريب بأحدث ما وصل إليه العلم الحديث، فما إن يفرغوا من ذلك فإنهم يجدون أن دولهم ليس بها مجال لتطبيق أحدث العلوم، فيهاجرون وهم الصفوة إلى الخارج غير ملومين مخلفين ورائهم زملائهم من ذوي المستوى الضعيف أو المتوسط. وقد يبقى البعض من تلك الصفوة في بلده، ولكن فؤاده وحياته كثيرا ما يكونان متعلقين ببلد اللغة التي درس بها علومه، فيكون الجسد في واد والعقل والقلب في واد آخر. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة ازدياد الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لا تضييقها كما يدعي معارضو التعريب.

ولا أزعم هنا أن اللغة هي العامل الوحيد الذي يؤدي إلى تهجير العقول، ولكنها أحد أهم أدوات الغزو الثقافي الذي تساهم فيه مراكز مثل المجلس الثقافي البريطاني ومنظمات كالفرنكفونية. وذلك لأن إتقاننا للغة أجنبية يمكننا من التعرف على الدولة أو الدول المتحدثة بها دون حجاب الترجمة أو مقص الرقيب، فيكون الانبهار بالآخر وتمجيد إنجازاته في أوجهما، ويقع في النفس شبه يقين أننا لا طاقة لنا بمثل تلك الإنجازات، فنقعد ونتكاسل أو نجتهد لنهاجر.

ولذا فإن التعريب الشامل للحياة العامة والتعليم والتعاملات التجارية، وخصوصا المحلية منها، سوف يحد من الاستعمار اللغوي الذي يساهم في تهجير أفضل طلاب العلم والعلماء لدينا إلى دول تمر بمرحلة حضارية تفرز احتياجات وتطبيقات علمية ليست ذات صلة بالمرحلة التي نحن فيها أبناء العربية في هذا العصر. فحري بنا أن نحدد احتياجاتنا ومن ثم نعمل على تلبيتها بالعلوم التي تخدمنا أولا قبل أن تخدم غيرنا.