الخميس، 31 مايو، 2012

خلدونيات لغوية: مخالطة الفصحى سبيلا لإتقانها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________


يظن البعض منا أن اللهجات العامية المتداولة في بلادنا ظاهرة حديثة لم تكن موجودة في عصر الحضارة الإسلامية، وأن العرب في ذلك العصر لم يكونوا يخاطبون بعضهم سوى بالفصحى التي لا يشوبها خطأ ولا يستعمل فيها شيء من كلامنا المعاصر.

وقد ساهم في ترسيخ هذا التصور عدة عوامل منها أن ذلك العصر أقرب إلى عصر صدر الإسلام من عصرنا، كما أنه كان عصر حضارة وازدهار وليس عصر تراجع. أضف إلى ذلك أن أغلب ما وصلنا من ذلك العصر وصلنا كتابة وليس مشافهة، والمعروف أن جل ما كتب بالعربية في ذلك العصر كان بالفصحى وليس باللهجات الدارجة.

ولذلك فإننا عندما نتخيل الحياة في ذلك العصر نتصور أناسا يتخاطبون بالفصحى، وربما يكون هذا التصور هو ما يدفع القائمين على المسلسلات التاريخية مثلا إلى اتخاذ الفصحى لغة حوار بين الممثلين بغض النظر عن طبيعة كل مشهد.

لكن دارس العربية يعلم جيدا أن نشوء اللهجات العامية بدأ مبكرا جدا، مما حدا بالكثيرين إلى الاهتمام باللغة العربية حتى صار لدينا النحو والصرف والبلاغة والبيان وما إلى ذلك مما يتصل بعلوم اللغة العربية.

ولقد مثل القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه ابن خلدون مرحلة متقدمة من الاختلاف بين اللهجات الدراجة والفصحى، مما دفع ابن خلدون إلى التفكير في كيفية إتقان الفصحى رغم عدم كونها اللغة الشائعة في المجتمع المكتسبة دون عناء.

ولذلك عقد صاحب المقدمة فصلا في مقدمته بعنوان " في تعليم اللسان المضري"، بدأه بالتأكيد على أن "ملكة اللسان المضري"، أي القدرة على الحديث بالفصحى دون عناء، "قد ذهبت وفسدت"، وأن "لغة أهل الجيل كلهم"، أي لغة أهل عصره، "مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن"، وأنها "لغة أخرى من امتزاج العجمة بها"، أي أن الاختلاف بين العاميات والفصحى صار كبيرا جدا بسبب امتزاج العرب بغيرهم.

وبسبب هذا التباين الكبير بين اللهجات الدارجة والفصحى فإن ابن خلدون اقترح طريقة لإتقان الفصحى وتحصيل ملكتها، وهي كما يشرحها هو كالتالي:

"ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حساب عباراتهم و تأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينهما وبين مقتضيات الأحوال. والذوق يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر. وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا، ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها".

ومعنى هذا الكلام أن على من يريد أن يتقن الفصحى أن يقوم بما يسميه ابن خلدون بمخالطة كلام العرب الفصيح حتى يتمكن بعد فترة من المخالطة من الحديث بالفصحى دون ارتكاب أخطاء لغوية، فمن يقرأ ويستمع إلى الكلام الفصيح ويستعمله كثيرا يستطيع مع مرور الوقت التحدث بالفصحى دون عناء ودون تفكير في ما يجب أن يرفع أو ينصب أو يجر أو يسكن، إذ يصبح الكلام الفصيح سليقة لديه يجري على لسانه حاله حال قدرته على التحدث بلهجته العامية.

ولذلك يتابع ابن خلدون كلامه بالتفريق بين العلم بقواعد اللغة وبين القدرة على تطبيق تلك القواعد تطبيقا صحيحا دون عناء، إذ يؤكد في فصل بعنوان "في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم" أن هناك فرقا شاسعا بين من يحفظ ويفهم قواعد اللغة عن ظهر قلب ويستطيع شرحها بتفاصيلها وبين من يطبق تلك القواعد تطبيقا طبيعيا تلقائيا، فالعلم بقواعد اللغة "علم بكيفية لا نفس كيفية"، و"العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل".

ويبرهن ابن خلدون على كلامه بالقول أننا "نجد كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذوي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيراً ممن يحسن هذه الملكة ويجيد التفنن في المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئاً من قوانين صناعة العربية".

وعليه فإن ابن خلدون يعاود التأكيد في نهاية الفصل على أنه إن أراد أحدهم التمكن من الفصحى فليس له سوى "كثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم".

شواهد
قبل أن ننظر في أية شواهد على كلام ابن خلدون عن الطريقة المثلى لإتقان الفصحى ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة، ألا وهي أن قارئ الجزء الأخير من المقدمة قد يخرج بانطباع مفاده أن ابن خلدون متحامل على نحاة عصره ونحاة العصور المتأخرة عامة، فتارة يتهمهم بأنهم أكثرو اللغو في علم النحو رغم أن الهدف منه تيسير تعلم اللغة التي هي بدورها ليست سوى وسيلة لتحصيل العلوم المقصودة بالذات كما يسميها ابن خلدون، وتارة أخرى يصفهم بأنهم متعصبون متحيزون لتخصصهم بزعمهم أن لهجة أهل البادية في عصر ابن خلدون تختلف اختلافا كبير عن الفصحى لمجرد انتشار التسكين فيها وفقدان الإعراب، وتارة ثالثة يستنكر عليهم استقباحهم القاف البدوية رغم أن استخدام أهل البادية لها أصل في اللغة وليس اختراعا، وذلك لقلة اختلاطهم بغير العرب مقارنة بسكان المدن كما يبين ابن خلدون.

لكن القارئ المتمعن في فكر ابن خلدون لا يسعه إلا أن يرى أن هذا النقد اللاذع للنحاة لا يمثل سوى اتساق خلدوني مع النظريات المطروحة في المقدمة، فابن خلدون وهم مؤسس علم الاجتماع لا يمكنه إلا أن ينظر بعين السخط على كل من يخرج اللغة من سياقها الاجتماعي ويختزلها في مجموعة قوانين دون الأخذ بالاعتبار كونها ظاهرة اجتماعية لا يمكن حبسها في بضعة قواعد منفصلة عن أرض الواقع.

ولذلك نجد أن ابن خلدون لم يكن له موقف سلبي من سيبويه رغم كونه من أعظم نحاة اللغة العربية إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وذلك لأن كتاب سيبويه لم يقتصر على قواعد اللغة فقط، ولكنه احتوى على الكثير من "أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم". ولهذا يرى ابن خلدون أن بإمكان العاكف على كتاب سيبويه أن يستفيد منه في إتقان الفصحى بعكس الكتب المتأخرة المقتصرة على القواعد.

لكن اتساق كلام ابن خلدون مع أفكاره ونظرياته لا يكفي للتثبت من مدى صحة نظريته، ولذلك فإن من الواجب علينا أن ننظر في الشواهد المستقاة من التاريخ والواقع لكي نرى إذا ما كانت مخالطة الفصحى بالفعل السبيل الأمثل لإتقانها. ولذا فإننا نورد النقاط الثلاث التالية:

أولا، إذا نظرنا إلى الكيفية التي يكتسب بها الأطفال اللغة نجد أن تعليم القواعد والتعليم عامة ينعدم فيها، فالطفل يسمع اللغة من حوله ويخالطها ومن ثم يتقنها بعد بضعة أعوام إتقانا تاما دون أن يعرف قواعدها التي غالبا ما يدرسها في المدرسة عندما يكبر.

وإذا كان الفرق بين الفصحى والدارجة في اللغة محل الاكتساب ليس كبيرا، نجد أن التلميذ لا يعاني كثيرا في المدرسة لعدم انفصام لغة الكتاب عن لغة الشارع، إذ يصبح تعلم قواعد اللغة أمرا يسيرا.

وحتى إن كان هناك فرق ملحوظ بين اللهجة العامية والفصحى كما هو الحال في اللغة العربية، فإننا نرى أن العاكفين على الاستماع إلى المواد التي تلقى بالفصحى أقدر على إتقانها رغم عدم اشتمال تلك المواد على دروس نحو. ولذلك نلحظ أن المخالطين للعربية المستخدمة في المحاضرات الدينية مثلا أقدر من غيرهم على الحصول على نصيب من الفصحى لاشتمال تلك المحاضرات على الكثير من الكلام العربي الفصيح. ولهذا السبب ربما نجد أن الحديث بالفصحى أحد الوسائل التي يتبعها البعض للسخرية من الملتزمين بالدين.

ثانيا، يعرف كل مهتم بعلوم اللغة أن القواعد تنبع من اللغة وليس العكس، بمعنى أن النحو ليس سوى نتاج استقراء قواعد اللغة بملاحظة المطرد من استخداماتها. وقد حدث هذا مع جميع اللغات التي دونت قواعدها، فقواعد اللغة العربية نشأت وتطورت عن طريق النظر في كلام العرب واستنباط أحكامه بناء على لغتهم. ولذلك كان نحاة العصور الأول إن اختلفوا في مسألة ردوها إلى أهل البادية من العرب الأقحاح لأنهم كانوا أفصح لغة وأسلم سليقة من أهل المدن لقلة اختلاطهم بغير العرب.

وفي عصرنا هذا نجد العديد من المشتغلين باللغة يذهبون إلى أماكن قاصية للعيش مع متحدثي اللغات ذات الانتشار المحدود والمهددة بالانقراض لكي يتعلمون لغتهم ويضعون نحوها، فإن كان النحو ضرورة لتعلم اللغة فكيف ينجح هؤلاء في مهمتهم؟

ثالثا، ثمة دليل آخر يؤكد أن إتقان الفصحى لا يستلزم معرفة قواعدها، وهو أن اليسير الذي نعرفه من الفصحى اليوم يمكننا في كثير من الأحيان من إعراب العديد من الكلمات إعرابا صحيحا، حيث نرى أن بعض الطلاب عندما يحتارون في إعراب كلمة ما في اختبارات النحو يلجئون إلى نطق الجملة التي فيها تلك الكلمة بصوت منخفض لكي يجربوا وقع رفعها أو نصبها أو جرها على الأذن لعل النذر اليسير من السليقة لديهم يمكنهم من إعراب الكلمة إعرابا صحيحا إن لم تسعفهم معلوماتهم النحوية إلى ذلك.

ولذلك قال الشاعر قديما:

ولست بنحوي يلوك لسانه ... ولكن سليقي أقول فأعرب


خاتمة
 لا ينبغي أن يفهم من الدعوة إلى مخالطة الفصحى من أجل إتقانها أننا هنا بصدد إلغاء النحو أو إهمال تدريسه، لكننا نقول أن دراسة اللغة دون معايشتها بذل للوقت والجهد دون أن يكون هناك مردود كبير على الدارسين.

ولذلك فإن التمكين للفصحى في مجالاتها مهم جدا حتى يسهل علينا مخالطتها باستمرار إلى أن يرتسم في خيالنا منوالها كما يقول ابن خلدون.

وقد تكون مخالطة الفصحى استماعا أهم من قراءة مواد مكتوبة بها، فكلنا يقرأ الفصحى ولكن قليل منا يتقن الحديث بها دون أخطاء وبلا معاناة، والسمع أبو الملكات اللسانية كما يؤكد ابن خلدون.

وهناك تجربة رائعة ومطبقة بنجاح قام بها الأستاذ عبد الله الدنان، حيث ساهم في تأسيس مدارس لا يتحدث فيها المعلمون إلا العربية الفصحى مع التلاميذ مما يمكنهم من اكتسابها طبيعيا قبل دراستهم نحوها بوقت طويل.

وقبل أن يساهم في إنشاء تلك المدارس كان الأستاذ الدنان قد طبق الفكرة على ولده، حيث كان يكلمه بالفصحى وكانت الأم تخاطبه بالعامية، فاكتسب الصغير كليهما دون عناء.

وبالمناسبة فإن قدرة الصغير على اكتساب الفصحى والدارجة وإتقانهما دليل على أنه لا يجب أن ندخل في ذلك الجدال العقيم عن الفصحى واللهجات الدارجة، فلكل مجالاته، ولكن المشكلة ضعف قدرتنا على استخدام الفصحى استخداما صحيحا في مجالاتها وتسرب العامية إلى مجالات الفصحى.

كما لا يجب أيضا أن نعتقد أن تسييد الفصحى في المدرسة كاف، فحتى وإن تحدث المعلمون مع الطلاب بالفصحى طوال الوقت فإن من الضروري أن تسمع الفصحى بكثافة خارج المدرسة أيضا حتى يستطيع الطلاب التعبير بها عن أنفسهم عند الحديث عن أي موضوع وليس فقط عن المواضيع المتعلقة بالعلم والدراسة. وقد أكد ابن خلدون على هذا المعنى بقوله أنه "على قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع".

رحم الله ابن خلدون.