الأربعاء، 17 أبريل، 2013

لغة السياسي



قرأت في بعض مواقع النت سجالات بين مؤيدي ومعارضي الرئيس المصري محمد مرسي عن مدى تمكنه من اللغة الانجليزية، فالمعارضون يقولون أن انجليزيته ضعيفة ولذلك يفضل الحديث بالعربية، والمؤيدون يؤكدون أنه يتقن اللغة ولكنه يتحدث مع الأجانب عن طريق مترجم ليظهر اعتزازه بلغتنا العربية.

لكننا إذا نظرنا إلى الموضوع بشيء من التجرد فإننا سنجد أن على أي سياسي أن يتحدث بلغته للأسباب التالية:


١- من المعروف لدى الجميع أن كلام الساسة الكبار، خصوصا ممن هم في موقع المسؤولية، محسوب عليهم، فالناس تستمع إلى كل كلمة يقولونها، ولذلك فإن عليهم التعبير بدقة عما يريدون قوله حتى لا يساء فهمهم، وهو ما لا يتأتى إلا بلغتهم الأم.

٢- السياسي الكبير، سواء كان في الحكم أو المعارضة، لا يمثل نفسه، بل يمثل الكيان الذي ينتمي إليه، وبالتالي فإن عليه أن يمثل ذلك الكيان تمثيلا حسنا مشرفا، وهو ما يصعب تحقيقه بلغة أجنبية؛ لأن الشخص حين يتحدث بلغة تعلمها على كبر يظهر متلعثما مهزوزا بعض الشيء، وهذا طبيعي لكون اللغة ليست لغته، لكنه في الوقت ذاته يهز من صورته وصورة الكيان الذي يمثله أمام الآخرين.

٣- على السياسي المسؤول أمام شعبه أن يتعامل معه بشفافية ووضوح وأن يحرص على أن يعرف الشعب ما يقوله حتى مع الأجانب، وهو ما يتطلب الحديث باللغة التي يعرفها الشعب ويفهمها. وحتى وإن توافرت ترجمة من اللغة الأجنبية التي أجرى بها سياسي ما حديثه إلى اللغة التي يعرفها الشعب فإن بعضهم قد يقول أنها ليست دقيقة ولا تعكس حقيقة ما قاله ذلك السياسي، وهو ما قد يفتح الباب أمام البلبلة والمزايدات وربما التخوين.

٤- السياسي شخصية عامة يراقب الناس أقواله وأفعاله، ويتخذه الكثيرون منهم قدوة، فإن رأوا منه اعتزازا بلغته وتمسكا بها وحرصا عليها، فقد ينعكس ذلك عليهم ويزيد من حبهم لغتهم وسعيهم إلى تطويرها وتقديمها على كل لغة سواها.


أخيرا وليس آخرا، فإن قدرة السياسي على ممارسة السياسة ممارسة تراعي مصالح العباد لا ترتبط بمعرفته لغة أجنبية، ولا حتى بكونه حاصلا على درجة علمية مرموقة كالماجستير أو الدكتوراه بقدر ما هي مرتبطة - بعد توفيق الله - بالرؤية الواضحة والتخطيط السليم والتنفيذ الدقيق، وهي أمور حتى وإن احتاج في جوانب منها إلى معرفة ببعض اللغات الأجنبية فإنه لن يعجز عن الاستعانة بأهل التخصص طلبا للمشورة بخصوصها، فالحذر كل الحذر من اختزال مؤهلات السياسي أو غيره في مدى إتقانه لغة من لغات السادة الخواجات!

الخميس، 28 فبراير، 2013

خلدونيات لغوية: بين أهل اللغة والطارئين عليها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي
______________________________________________________

 يؤمن غالبية الناس أن الطريقة المثلى لتعلم لغة أجنبية هي تلقيها من أهلها، ويتحمل نفر غير قليل منهم تكاليفا كثيرا ما تكون باهظة في سبيل دراستها على يد معلم ينتمي إليها انتماءً لا شك فيه. وأحيانا يذهب البعض إلى أبعد من ذلك فيسافرون إلى بلد تلك اللغة ليخالطوا أهلها ويتشربوها من منبعها.

وكثيرا ما يؤدي تلقي اللغة على يد واحد من أهلها إلى شعور الطالب بأنه سيتعلمها بالفعل، وأنه متميز عن نظيره الذي يتعلمها على يد طارئ عليها تعلمها على كبر، حتى وإن أتقنها هذا الأخير إتقانا معقولا.

ولم يأت تفضيل أهل اللغة على الطارئين عليها من فراغ، فأهل اللغة تتوفر فيهم مزايا لا توجد في غيرهم، وإن وجدت فإنها غالبا ما تكون ناقصة.

ولذلك فإننا سنحاول في هذا المقال، معتمدين على كلام ابن خلدون، أن نتحدث عن معايير ثلاثة يمكننا بمقتضاها أن نفرق بين أهل اللغة والطارئين عليها، وهي كالتالي:

أولا، تحدث ابن خلدون عن معيار الزمان بصفته معيارا يمكننا أن نفرق به بين أهل اللغة والطارئين عليها، حيث أكد أن أهل اللغة هم من يربون عليها منذ الصغر حتى يكبرون وتستحكم لديهم ملكتها، فإذا تجاوزوا سنا معينة صاروا من أهلها وصار من الصعب على أقرانهم ممن هم في السن ذاتها اكتساب اللغة وإتقانها مثلهم، لأن المتعلمين في الصغر "أشد استحكاما لملكاتهم"، ولأن "الألسن واللغات شبيهة بالصنائع ... والصنائع وملكاتها لا تزدحم ... ومن سبقت له إجادة ملكة فقل أن يجيد أخرى أو يستولي فيها على الغاية".

ولقد أشار ابن خلدون إلى نقطة أخرى بخصوص عامل الزمان، وهي أن الطفل إذا نشأ في البداية على لغة، ثم انتقل إلى محيط آخر تستعمل فيه لغة أخرى وهو لا يزال صغيرا وكبر فيه، فإنه من الممكن أن يتقن اللغة اللاحقة ويصبح من أهلها رغم أنه بدأ حياته في كنف لغة أخرى، ومثال ذلك "أصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم".

ثانيا، تكلم ابن خلدون عن عامل آخر مهم للتمييز بين أهل اللغة والطارئين عليها، حيث بين أن المكان الذي ينشأ فيه المرء له دور مهم في اكتساب اللغة، فانتماء الواحد منا لأهل لغة ما نابع من كونه سمع في صغره "كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم"، ثم تكررت عملية السماع تلك متزامنة مع الاستعمال من قبل الصغير حتى كبر، وصارت اللغة "ملكة وصفة راسخة" فيه، وأصبح هو من أهلها.

ولأن مكان النشأة عامل مهم في تحديد انتماء المرء لأهل لغة ما، فإنه يطغى على الأصل والعرق في الأهمية، فقد يكون الصغير منتميا إلى قوم مختلفين تماما لغويا وعرقيا عن سكان المحيط الذي ينشأ فيه، ومع ذلك نجده يكتسب لغتهم ويصبح من أهلها. ولذلك يقول ابن خلدون أنه " إن عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم"، أي ملكة اللغة، "فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط، وأما المربى والنشأة، فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم، فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شيء وراءها، وكأنهم في أول نشأتهم بمنزلة الأصاغر من العرب الذين نشأوا في أجيالهم حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها. فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا بأعجام في اللغة والكلام".

ثالثا، أشار ابن خلدون في غير موضع من مقدمته إلى معيار ثالث مهم، وهو معيار الأداء، والذي يتفوق فيه أهل اللغة على الطارئين عليها، فحسب ابن خلدون فإن التلقائية في الأداء من أهم ما يميز أهل اللغة، فهم على سبيل المثال ليس لديهم مشكلة في فهم معاني الكلمات مباشرة ودون تأخر أو تردد، فالواحد منهم له من الرسوخ في اللغة "بحيث تتبادر المعاني إلى ذهنه من ... الألفاظ عند استعمالها، شأن البديهي والجبلي"، وإن استعصى عليه فهم شيء كان السبب في ذلك "المباحث الذهنية"، أي محتوى الكلام وليس اللغة.

ومن أوجه التلقائية في الأداء عند أهل اللغة أيضا أن استخدامها استخداما صحيحا يعد طبعا لديهم، فالواحد فيهم إن سمع كلاما يخالف ملكة اللغة كما يتحدثها أهلها "مجه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر"، ولو أراد استخدام اللغة استخداما مخالفا لما اصطلح عليه أهلها "لما قدر عليه، ولا وافقه عليه لسانه، لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده".

وكما أن التلقائية في الأداء تدل على رسوخ اللغة واستحكامها عند أهلها، فإنها تعني أيضا أن أغلبهم يتقنون لغتهم دون معرفة بتفاصيل قواعدها المجردة رغم استعمالهم تلك القواعد استعمالا صحيحا، فمعرفة القواعد "علم بكيفية، لا نفس كيفية"، كما يقول ابن خلدون، والواحد من أهل اللغة رغم تمكنه من لغته فقد "يعجز عن الاحتجاج لذلك كما يصنع أهل القوانين النحوية والبيانية"، لأن إتقانه لغته أمر وجداني كما يسميه ابن خلدون.

ثمة نقطة أخرى يتميز بها أهل اللغة عن الطارئين عليها من ناحية الأداء، وهي قدرتهم على اكتساب وجهها الفصيح حتى وإن كان اختلافه عن أوجهها العامية التي يربون عليها بينا جليا كما هو الحال في اللغة العربية، فأهل اللغة ليس عليهم سوى مخالطة وجهها الفصيح مخالطة مكثفة واستعماله حتى يتمكنوا منه. أما الطارئون عليها فإنه يصعب عليهم ذلك لأن الملكة "إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة".

شواهد وفوائد
بعد أن استنبطنا من كلام ابن خلدون المعايير الثلاثة التي يمكننا أن نفرق بمقتضاها بين أهل اللغة والطارئين عليها، سنحاول فيما يلي أن ننظر فيما يمكن أن يعنيه هذا الكلام لنا في عصرنا الحاضر.

ولأن نقاطا مثل أهمية اكتساب اللغة في الصغر ودور المحيط الحيوي في ذلك والتلقائية التي يتميز بها أهل اللغة تعد مما نلمسه ونراه في حياتنا اليومية، فإنه في الغالب لا خلاف عليها ولا حاجة ماسة للتفصيل فيها. ولذلك فإننا سنقصر الحديث على نقطتين ارتأينا أهميتهما، وهما كالتالي:

أولا، يمكننا أن نستنتج من كلام ابن خلدون أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك تلازم بين الانتماء اللغوي والانتماء العرقي، فما ذكره صاحب المقدمة عن العجم الذين نشأوا بين العرب فانتموا إليهم لغة وإن لم ينتموا إليهم نسبا يبين لنا أن من الممكن أن يكون المرء من أهل لغة ما دون أن يكون من جنس من ارتبطت بهم اللغة تاريخيا، وهذا واضح جلي في أبناء المهاجرين الذين يربون في بلاد هاجر إليها آباؤهم فيصبحون من أهل لغة بلدهم الجديد رغم اختلافهم عرقيا في كثير من الأحيان عن الغالبية المستقرة به.

لكن أهمية كلام ابن خلدون بالنسبة لنا تكمن في الحالة المعاكسة، وهي التي تتغلب فيها لغة المهاجرين على لغة المستقرين، لأن الاختلاف بين الانتمائين اللغوي والعرقي يكون في هذه الحالة ملحوظا.

وإذا نظرنا إلى اللغة العربية على سبيل المثال فسنجد أن انتشارها وترسخها خارج جزيرة العرب جاء أساسا نتيجة هجرات مجموعات من أهل العربية الذين استوطنوا عدة بلاد وخالطوا أهلها، وهو ما أدى إلى تعرب تلك البلاد تدريجيا وجعل غالبية سكانها من أهل العربية وإن لم يكونوا عربا خلصا من ناحية الجنس، وهو ما نراه اليوم في سحناتهم التي تختلف عن بعضها رغم انتمائهم للغة واحدة، وإن تعددت لهجاتها.

الأمر ذاته يمكننا أن نراه في الناطقين بالأسبانية في أمريكا اللاتينية، فبالرغم من أن كثيرا منهم يختلفون عن الأسبان عرقا ورغم أن أشكالهم وألوانهم وسحناتهم متنوعة، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة انتمائهم لأهل اللغة الأسبانية.

إذن، إذا لم يكن هناك بالضرورة تلازم بين الانتمائين العرقي واللغوي فإن هذا يعني، وهنا مربط الفرس، أن الادعاءات الشعوبية التي يسوقها البعض بأن اللغة العربية غريبة عن البلاد التي تسودها خارج جزيرة العرب لا أساس لها من الصحة، فرغم اختلاف سحنات كثير من أهل العربية عن سحنات سكان جزيرة العرب، إلا أن الجميع مشتركون في كونهم من أهل العربية بغض النظر عن نسبة الدم العربي في كل منهم.

ولذلك فإن من المهم أن ننظر إلى الأمور بشيء من التجرد وألا نقع في إفراط أو تفريط، إذ لا يمكن أن نزعم أن أهل العربية خارج جزيرة العرب عرب خلص لأن لغتهم العربية، ولا يمكن أيضا أن نصغي إلى الأصوات النشاز التي تدعوهم إلى نبذ العربية لأنهم مختلفون سحنة عن عرب الجزيرة، فكلتا النظرتين قاصرتان لأنهما لا يراعيان الكيفية التي انتشرت بها العربية خارج منشأها ولا الكيفيات التي تنتشر بها اللغات عامة.

ثانيا، من أبرز ما استنبطناه من كلام ابن خلدون هو أن أهل اللغة قادرون على اكتساب وجهها الفصيح وإتقانه رغم أنهم يربون على وجهها الدارج، فرغم أن محيطهم تغلب عليه العامية إلا أن من الممكن للواحد منهم أن يتمكن من الفصحى ويتحدثها كما تحدثها السابقون، وذلك "بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك، بحيث تحصل الملكة ويصير كواحد من نشأ في جيلهم وربى بين أحيائهم". أما الطارئ على اللغة فإنه إن حاول أن يتعلم الفصحى ويتقنها بالطريقة ذاتها فإنه لا يصل إلى درجة إتقان أهل اللغة لأن الملكة، كما ورد أعلاه، "إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة".

وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر والذي هو أبعد عن عصر العرب الأوائل مقارنة بعصر ابن خلدون فسنجد كلام صاحب المقدمة لا يزال مطابقا للواقع إلى حد كبير، فالطارئون على العربية نادرا ما يتقنونها بنفس درجة أهلها، وذلك رغم أن أغلبهم يدرسون فصحاها فقط، ورغم أن أهلها منغمسون كل في دارجته.

ولا يعني هذا الكلام أننا نتعامى عن الضعف الذي يعتري استخدامنا للفصحى، ولا عن الأخطاء الفادحة التي يرتكبها الكثيرون منا عند الحديث بها، لكننا نتحدث هنا عن القدرة الكامنة لدى أهل العربية، فقصور الواحد منهم ناتج عن قلة مخالطة وجه اللغة الفصيح وندرة استخدامه إياه، وبذلك فإنه ليس قصورا حتميا كما هو الحال عند الطارئ على العربية الذي عنده "من الفتور بالعجمة السابقة التي تؤثر القصور بالضرورة".

ولذلك فإن الدعوة إلى تقعيد العامية بدعوى صعوبة الفصحى وكونها لغة أخرى تختلف عن اللهجات التي يزعم البعض أنها لغات منفصلة مجافية للواقع ولا ترتكز على أساس سليم، فهي مجافية للواقع لأن أصحابها يتجاهلون حقيقة أن السواد الأعظم ممن يتقنون الفصحى هم من أهل العربية الذين نشأوا في كنف لهجاتهم، فلو كانت لهجاتهم تلك لغات منفصلة لكانت الصعوبة التي تلاقيهم عند اكتساب الفصحى بنفس درجة الصعوبة التي يلاقيها الطارئون عليها ممن ربوا على لغة مختلفة، ولكانت أخطائهم شبيهة بتلك التي تصدر عن هؤلاء الطارئين.

ثم إن دعوتهم هذه ليست مرتكزة على أساس سليم لأنها لا تفرق بين الممكن والمستحيل، ولا بين المرحلي والأزلي، فقصور أهل العربية في فصحاهم يمكن جبره بتحسين أو تغيير مناهج اكتسابها حتى يصلوا إلى درجة الإتقان، وكثير منهم يصل، أما قصور الطارئين عليها فهو حتمي يظل قائما مهما حاول المتعلم تلافيه، اللهم إلا في حالات نادرة لا يقاس عليها.

خاتمة
بغض النظر عن المعايير التي ذكرناها في هذا المقال فإن كل من سمع أجنبيا يتحدث لغته أو تعلم هو لغة أجنبية يعلم أن ملكة أهل اللغة أرسخ مقارنة بالطارئين عليها، ولا يحتاج في الغالب إلى من يثبت له ذلك لأنه من المعلوم من الواقع بالضرورة.

ولأن الأمر كذلك فإن من المهم جدا أن يمَكَّن الناس من التعامل بلغتهم في مجالات الحياة المهمة كافة، وألا يضطروا إلى التعامل بلغة لا رسوخ لهم فيها طالما هم في بلدهم، لأن ذلك يعزلهم عن كثير من الأمور الحيوية بالنسبة لهم.

ولذلك فإن تعريب الحياة العامة تعريبا كاملا وتنشيط الترجمة، وخصوصا في مجال العلوم، يعدان من الأمور التي ينبغي لنا نحن أهل العربية الالتفات إليها والسعي إلى تحقيقها، وذلك لإتاحة المعلومات أمام الجميع ولإقرار مبدأ تكافؤ الفرص ولمنع جعل اللغة، وهي الشكل، معيارا للتنافس عوضا عن المضمون، وحتى لا ينقسم المجتمع بين أغلبية تندب حظها لأنها لا تتقن لغة أجنبية، وقلة تظن أنها شعب الله المختار.

الخميس، 31 يناير، 2013

خلدونيات لغوية: عن اللغة والفكر


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي
____________________________________________________________________

تحدث علماء اللغة والفلاسفة في الماضي والحاضر عن علاقة اللغة بالفكر، واختلفوا حول تحكم اللغة ببنيتها في الفكر ومدى ذلك التحكم، فقال بعضهم أن الفكر مستقل عن اللغة وأنها لا تتحكم فيه ولا تقيده، وقال البعض الآخر أن اللغة التي نتحدثها تحدد نظرتنا إلى العالم وسميت تلك الفرضية الحتمية اللغوية، واتخذ فريق ثالث موقفا وسطا بقوله أن لغة المرء تؤثر على تفكيره ولكنها لا تتحكم فيه وسميت فرضيتهم النسبية اللغوية. (شاهد، عزيزي القارئ، هذا الشرح المبسط لفهم الموضوع).

وبينما رفض أغلب علماء اللغة فرضية الحتمية اللغوية التي تقول أننا سجناء داخل لغتنا، لقيت فرضية النسبية اللغوية شيئا من القبول عند بعض الباحثين وإن كانت نتائج دراساتهم بشأنها لا تزال بعيدة عن إثبات صحة الفرضية إثباتا مقنعا.

وحيث أن باب النقاش حول الموضوع ما زال مفتوحا فإننا سنحاول في هذا المقال معرفة وتحليل ما ذكره ابن خلدون عنه علنا نجد عنده جديدا.

يقول ابن خلدون في فصل بعنوان "في أن صناعة النظم و النثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني":

"المعاني موجودة عند كل أحد، وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى، فلا يحتاج إلى تكلف صناعة في تأليفها. وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة، كما قلناه، وهو بمثابة القوالب للمعاني. فكما أن الأواني التى يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف، والماء واحد في نفسه، وتختلف الجودة في الأواني المملؤة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء، كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد، والمعاني واحدة في نفسها. وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى ملكة اللسان إذا حاول العبارة عن مقصوده ولم يحسن بمثابة المقعد الذي يروم النهوض ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه".

إذا حاولنا تحليل كلام ابن خلدون، على قصره، ورغم أنه يتكلم عن اللغة أساسا وليس عن الفكر، فمن الممكن أن نستخرج نقطتين:

أولا، يرى ابن خلدون أن اللغة لا تتحكم في الفكر ولا تؤثر فيه، "فالمعاني موجودة عند كل أحد، وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى"، وهو ما يعني أن المرء ليس أسير لغته، إذ له أن يعمل عقله ويخرج بأفكار قد تكون عبقرية وقد تكون غير ذلك دون أن يكون للغة دور مقيد في ذلك.

ثانيا، رغم أن عملية التفكير ليست مرتبطة باللغة عند ابن خلدون، إلا أن عملية التعبير عما ينشأ من أفكار يلزمها استعمال اللغة، والتي هي "بمثابة القوالب للمعاني". ومعرفة هذه القوالب اللغوية هي "ملكة اللسان"، والتي نكتسبها من مجتمعنا قراءة وسماعا، وهو ما يعني أنه يلزمنا التعبير عن أفكارنا باستعمال ما درج الآخرون على استعماله حسب المقام، وهذا هو معنى القوالب.

إذن، نستنتج من كلام ابن خلدون أن اللغة لا تحدد أفكارنا، وإنما تحدد كيفية تعبيرنا عنها، "فصناعة الكلام نظما ونثرا إنما هي في الألفاظ لا في المعاني".

تقييم
قد يرى البعض في الرأي الخلدوني عن علاقة اللغة بالفكر شيئا من التناقض، فصاحب المقدمة يقول أن اللغة ليست مقيدة بالفكر، لكنه في الوقت ذاته يرى أن اللغة بمثابة القوالب التي تُصب فيها الأفكار، فكيف إذن يكون الفكر غير مقيد باللغة؟

الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تستوجب استحضار أمر مهم ما انفك ابن خلدون يذكره في مواضع مختلفة من مقدمته، ألا وهو طبيعة اللغة الاجتماعية، فاللغة ملكة اجتماعية بامتياز، ووظيفتها الأساسية هي تمكين الناس من التواصل، فهي للمجتمع ومنه وإليه. ولأنها كذلك، فإن ما يجدِّ من أفكار يعبَّر عنه بكلام يفهمه الناس، فما فائدة الفكرة الجديدة إن لم تصل عقول الناس ولم تدركها أفهامهم؟

وقد تكون طبيعة اللغة الاجتماعية وكونها أداة تواصل السبب الرئيسي الذي يدفع البعض إلى القول بأن اللغة تقيد الفكر، فقد تدور في خلد المرء من الأفكار "ما يشاء ويرضى" كما يقول ابن خلدون، لكنه إذا أراد التعبير عنها تحتم عليه تأطيرها بلغة يفهمها الناس، فتبدو كأنها مقيدة باللغة رغم كونها ليست كذلك.

وليس شرطا أن يعبَّر عن الأفكار الجديدة بكلمات يستعملها الناس، فقد يصَّك مصطلح أو تستعار كلمة من لغة أخرى لهذا الغرض، لكن مدى تناسبها مع نسق اللغة وروحها هو ما يحدد إمكانية اندماجها في جسد اللغة ووجدان متحدثيها أو طائفة منهم إن كانت الكلمة مصطلحا خاصا.

ثم إننا إذا ألقينا نظرة خاطفة على بعض لغات العالم فسنجد أن من الصعب التسليم بأن اللغة توجه الفكر، ففي العربية نقول أنتَ وأنتِ، بينما لا يوجد في لغات أخرى كثيرة سوى ضمير واحد للمخاطب المفرد، فهل يؤثر ذلك أحيانا على متحدثي تلك اللغات فلا يدركون أرجلا أم امرأة يخاطبون؟؟

وهناك من اللغات، ومنها العربية، ما تكون فيها الأسماء إما مذكرة أو مؤنثة، سواء كان المسمى عاقلا أو غير عاقل، فالليل والقمر والقلب أسماء مذكرة في لغتنا، والنار والحرب والصحراء مؤنثة، فهل يعني هذا أننا نضفي على الأولى صفات الذكورة وعلى الثانية صفات الأنوثة؟

إذن، بالعودة إلى كلام ابن خلدون فإننا نقول أن اللغة عنده تقولب الأفكار ولا تقيد الفكر أو تؤثر فيه، وبدون تلك القولبة يكاد ينتفي الهدف الأساسي الذي وجدت من أجله اللغة، وهو التواصل.

استطراد
شاهدت ذات مرة مقابلة قصيرة مع رجل عجوز في أحد شوارع مصر بدأتها المذيعة بسؤال الرجل عن ضعف تمثيل المرأة في البرلمان، وهو ما دفع الرجل إلى الرد بشيء من الغضب قائلا أنه يريد الحديث عن حافلات النقل العام بدلا من الموضوع الذي طرحته المذيعة!

ورغم أن الرجل استعمل في بداية حديثه كلمة لا تقال على التلفاز أمام الملأ، إلا أن رده جسد مدى انفصال الفكرة التي طرحتها المذيعة عن هموم الرجل والناس عامة.

ولذلك فإن اللغة وإن كانت تقولب الأفكار ولا تقيد الفكر كما استنبطنا من كلام ابن خلدون، فإننا لا يمكن أن نتجاهل أن لكل لغة فضائها الخاص الذي تغلب عليه أفكار أهلها وثقافتهم، فالخطاب السائد في مجتمع ما يحدد الأفكار التي يكتب لها أن تنتشر وتسود، ويحدد أيضا ما لا يمكن أن يقبله المجتمع وإن جيشت له جحافل الكتاب والمذيعين.

ونحن اليوم نجد أن مسألة حقوق المرأة مثلا والتي تطرح باستمرار في كثير من وسائل إعلامنا منذ عشرات السنين لا تلقى تجاوبا من رجل الشارع العادي كما شاهدنا في المثال أعلاه، لأن الكثيرين يشعرون أنها فكرة دخيلة مستجلبة من سياق مختلف غريب عنهم، فهي لا تنتمي إلى فضاء لغتهم وإن عُبِّر عنها بها.

إذن، سواء أكانت اللغة ذاتها ببنيتها وقواعدها لا تؤثر على الفكر، وهو ما نعتقده، أو كانت تؤثر، فإن من المؤكد أن المحتوى السائد فيها له أثر مهم على الفكر.

خاتمة
من الصعب لموضوع مثل موضوع اللغة والفكر أن نوفيه حقه في سطور معدودات، فالعقل البشري الذي أبدعه الخالق سبحانه وتعالى أعقد مما نتصور، ومعرفتنا بتفاصيله لا تعد شيئا مقارنة بما يجري فيه من عمليات على مستوى عال من الدقة والتعقيد والسرعة.

لكننا مع ذلك نقول أن من المهم جدا أن ندرك أن اللغة سواء كانت تؤثر في الفكر أو لا تؤثر، فإن المجتمع الذي يتحدثها ويحدد شكلها يؤثر في الفكر، ويؤثر أيضا في إمكانية وكيفية التعبير عما ينتجه عقل ما من أفكار.

ولذلك فإن من الضروري  للباحث في علاقة اللغة بالفكر ألا ينسى أن اللغة نتاج مجتمع، وأنه لا يمكن النظر إليها مجردة، فهي إن لم تكن لازمة للتفكير فإنها لازمة للتعبير، وهي وإن كانت كما عرفها ابن خلدون "عبارة المتحدث عن مقصوده"، إلا أنها في الوقت ذاته "في كل أمة حسب اصطلاحاتهم".