الخميس، 28 مايو، 2009

اللغة ودورها في تحديد أولويات التنمية

من المعروف لدى أخصاء التربية أن العلوم الإنسانية والأدبية عادة ما ترتبط بالمجتمعات التي تنشأ فيها، ولذا فإنها من الصعب أن تنقل من حضارة إلى أخرى دون أن يظهر عدم ملائمتها للحضارة المستوردة. وقد سجل التاريخ الآثار السلبية التي تركتها الفلسفة اليونانية على فكر الكثير من بعض المسلمين في عصور الإسلام الأولى، كما نعلم جيدا أن المفاهيم الحديثة المستوردة من الغرب مثل الاشتراكية والحداثة وما بعد الحداثة لا تزال غير مستساغة عندنا لأنها لا تناسب في مجملها طبيعة مجتمعاتنا. ولذا فإننا نجد أن العلوم الإنسانية والأدبية في عصرنا هذا معربة في أغلبها في الدول العربية، إذ أنها غالبا ما تدرس بالعربية، وإن لم تخلو من الكثير من النظريات الغربية التي يظهر عدم ملائمتها لمجتمعاتنا عند قراءتها باللغة العربية.

أما بالنسبة للعلوم الطبيعية، وهي محور هذا المقال، فإن جلها مرتبط بقوانين ثابتة يكمن تعميمها على كل بلاد المعمورة، فالجاذبية قانون لا يتغير بتغير المكان، والعناصر المكونة للهواء هي ذاتها سواء في الشرق أم في الغرب.ولذا فإن الكثيرين يظنون أن العلوم الطبيعية يمكن تلقيها بأية لغة، طالما أن الدراس لها يتقن اللغة المستخدمة في تدريسها سواء كانت لغته الأم أم لغة أجنبية.

إن نظرة مثل تلك المذكورة أعلاه فيها شيء من الصحة من الناحية النظرية، ولكن الثابت أن هناك العديد من الصعوبات التي تحول بيننا وبين جني فائدة استخدام اللغات الأجنبية في تدريس العلوم الطبيعية. ومن تلك الصعوبات أن أغلبنا لا يمكنه أن يتقن لغة كالإنجليزية أو الفرنسية كإتقانه للعربية، مما يؤدي إلى صعوبة في الفهم وعدم رغبة في الاطلاع على ما هو غير مقرر. ناهيك أن الاعتقاد بأن العلوم الطبيعية ليست لها صلة بثقافة المجتمعات التي تنشأ فيها أمر يصعب تصديقه، وما دارون عنكم ببعيد.

لكن إحدى أهم المشاكل التي تنشأ جراء التدريس بلغات أجنبية في بلادنا العربية هي تلك المشاكل المتعلقة بأولويات التنمية في بلادنا العربية. فاستخدام لغة مثل الإنجليزية لغة لتدريس الطب والهندسة في الكثير من الدول العربية يستلزم استعمال مراجع مستوردة من أمريكا وبريطانيا يقول الكثيرون أنها تحتوي على أحدث النظريات والتطبيقات. وبعد أن ينتهي طالب العلم من اكتساب العلوم الكائنة بتلك الكتب، إن أسعفته إنجليزيته إلى ذلك، فإنه من المفترض أن يستخدم العلم الذي اكتسبه في تنمية بلاده عن طريق البحث العلمي. وهنا تزداد المشكلة تعقيدا، إذ أن أولويات البحث العلمي تختلف من بلد لآخر، فدولة مثل أمريكا تطور عقاقير لمكافحة السمنة والشيخوخة، بينما يعاني بلد مثل السودان من أمراض كالملاريا والسحائي. وقد يطور بلد مثل سويسرا أو اليابان أدوية لعلاج الملاريا في السودان أو غيره من الدول الأفريقية، ولكن فقر تلك الدول يجعل مسألة جني أرباح من تسويق تلك الأدوية أمرا صعب المنال، مما يجعل الدول الغنية تحجم عن الإنفاق السخي على تطوير مثل تلك العقاقير.

ويعرف الكثير من العاملين في المجال الأكاديمي أنه يجب على من يريد أن ينشر بحثا في مجلة علمية أمريكية ذات مكانة رفيعة أن تكون مواضيع بحثه موافقة لاهتمامات تلك المجلة حتى وإن لم تكن تلك المواضيع ذات صلة بمشاكل بلد الباحث الأجنبي. وكثير من المجلات العلمية المرموقة يسيطر عليها مجموعة من الباحثين الغربين الذين ينتمون لمدارس فكرية معينة لا تسمح بالاختلاف إلى في حدود معينة، وهذه قاعدة غير مكتوبة ولكنها مفهومة ضمنيا. ولذا فإننا نجد بعض الباحثين مضطرين لمسايرة أجندة تلك المجلات علهم يستطعون نشر أبحاثهم والحصول على ترقية أو دعوة للتدريس في إحدى الجامعات بالخارج.

إن تعريب العلوم الطبيعية في بلادنا العربية تعريبا شاملا لن يؤدي في الغالب إلى تغيير قوانين الطبيعة، ولكنه حتما سوف يساعد على التركيز على أولويات التنمية لدينا. فمن تعلم بالإنجليزية أو الفرنسية غالبا ما سوف يكون مرتبطا بما كتب بهما، مما يؤدي إلى جعل اهتماماته تتمحور حول قضايا الغير دون قضاياه، وإلى البحث عن حلول لمشاكله عند الآخرين حتى وإن لم تكن تلك الحلول مناسبة، وخصوصا إذا كان منبهرا بالغرب، وما أكثر هؤلاء.

وباختصار فإن تعريب العلوم الطبيعة سوف يجعل الطالب والأستاذ والباحث العربي مرتبطا بصورة أكبر بهموم ومشاكل بلده، مما سوف يشكل حافزا أكبر لحل تلك المشاكل، ولو بعد حين.

الجمعة، 22 مايو، 2009

لغة الله!!

في إحدى المرات كنت مع أحد الأصدقاء نتنقل بين قنوات الإذاعة في ماليزيا علنا نجد شيئا يستحق الإنصات، فإذا بنا نجد برنامجا في إحدى القنوات ذات الطابع الديني عن اللغة العربية. وكان مقدم البرنامج يتحدث عن فضل اللغة العربية ويستقبل اتصالات من بعض الماليزيين الناطقين بها، والذين كانوا يجتهدون في الإجابة على سؤال طرحه مقدم البرنامج وهو: لماذا نتعلم اللغة العربية؟ وكانت الإجابات تصب في معظمها في الإطار الديني للغة العربية، فهي وكما أكد الكثير من المستمعين لغة القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام ولا يتأتى فهم الدين فهما عميقا بدونها. وبينما نحن نستمع إلى البرنامج إذ اتصلت إحداهن وقالت أنه يجب تعلم العربية لأنها لغة الله!

فهل لله جل جلاله لغة خاصة؟ أليس هو تعالى بكل شيء محيط؟ أليس العالم بالعربية هو ذاته خالق كل ما في الكون من لغات وكائنات وأشياء؟ بأي لسان كلم الله موسى عليه السلام؟

لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نتهم المستمعة الماليزية بالجهل أو بأية تهمة أخرى، فهي من فرط حبها للعربية ظنت أنها أنها لغة الله عز وجل. وهي بذلك لا تختلف عن العديد من المسلمين، وخصوصا من غير العرب. ولكن ماذا عن لغة الله سبحانه وتعالى؟ من خلال بحث بسيط على الانترنت وجدت مقالا لأحد الأساتذة الأجلاء العرب بعنوان "العربية لسان الله تعالى، نزَّل بها آدم عليه السلام"، وفيه يؤكد الكاتب أن العربية لغة الله ولغة الأنبياء الأول، وهي بذلك حتما أصل اللغات جميعا.

قد يختلف أحدهم أو يتفق مع بعض الآراء التي تقول أن العربية أول وأفضل اللغات، وأقدرها على التعبير وأكملها من حيث المعاني والتراكيب والأصوات، وكل تلك الفرضيات قابلة للتأكيد أو التفنيد أو التصحيح حسب الأدلة والشواهد التاريخية والدراسات التي تعنى بمقارنة اللغات. ولكن الثابت أن كل هذه الأقوال سواء ثبتت صحتها أم لم تثبث تعطي مفعولا عكسيا. فبدلا من استنهاض الهمم وتقوية العزائم تؤدي تلك الأقوال إلى اتخاذ أبناء العربية السكون والركون ظهيرا لهم، فلا يكلفون أنفسهم عناء الدفاع عن العربية ولا دعمها ولا التمكين لها، ظنا منهم أن العربية لغة خارقة ذات قوة إعجازية لا تحتاج إلى بشر ينافحون عنها!!

إن الهدف الأصلي من الكتابات التي تقول بقوة العربية من الناحية اللغوية وتفوقها من تلك الناحية على باقي اللغات وفضلها المرتبط بالإسلام هو إعطاء عرب اليوم ثقة بالنفس ودفعة معنوية تجعلهم يقدرون لغتهم ويدافعون عنها، ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو أننا حين نقرأ تلك الكتابات يصيبنا شعور بالتراخي والخمول ولسان حالنا: إن للعربية رب يحميها.

إن على المدافعين عن اللغة العربية والداعين إلى إعطائها حقها الطبيعي في مجتمعاتنا أن يستخدموا العقل والمنطق والمنهج التجريبي في بيان أهمية التمكين لها، وأن يتركوا ولو لحين الأقوال التي تقول بتفوقها الذاتي، فاللغة لا تعلو بدون علو أصحابها وأصحابها لن يرفعوا من شأنها إلا إذا فهموا أهميتها في حياتهم من حيث أنها لغتهم الأم ويجب عليهم أن يطوروها سواء كانت لغة القرآن او لغة الشيطان. وكما يقول الدكتور حسام الخطيب فإنه "حتى لو كانت اللغة العربية -على سبيل الافتراض- أقل غنى في بعض النواحي وأرقى مقدرة في نواحٍ أخرى، فهي أولاً وآخراً لغتنا، وهي نحن ونحن هي، وعلينا أن نتمسك بها دون مراء أو مفاضلة أو مقارنة بغيرها، ذلك أن اللغات أشبه بالأوطان فلا تعار ولا تستبدل."

الخميس، 14 مايو، 2009

التشبه اللغوي

عندما يتحدث البعض عن تأثير لغات كالإنجليزية والفرنسية على اللغة العربية وما ينتج عن ذلك من لغات هجينة كالعربيزي والعرنسية يسارع كثير من المعلقين والمحللين إلى الاستشهاد بما ذكره ابن خلدون عن تشبه الغالب بالمغلوب إذ يقول:

"إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها وصار اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء. أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، إنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب، تغالط أيضاً بذلك عن الغلب".

إن المتأمل لكلام ابن خلدون يمكنه أن يرى بوضوح أن تشبهنا بغيرنا لن يساهم في انتشالنا من حالة التخلف التي نعاني منه على مختلف الأصعدة، وذلك لأن أسباب النهوض والتقدم لا صلة لها بشكل المنتصر أو أزيائه أو لغته بقدر ما هي مرتبطة بعوامل أخرى مثل الأخلاق الحميدة والقيادة الحكيمة والانضباط والقدرة على التجديد والإبداع إلى غير ذلك من عوامل صعود الحضارات وتقدمها.

وإذا عدنا إلى موضوع اللغة فإننا نلاحظ أن التشبه اللغوي بالغير، بعكس العديد من ضروب التشبه الأخرى، أمر يصعب إتقانه، وذلك لأن اللغة بطبيعتها بحر واسع من التراكيب النحوية والدلالات اللفظية والمخارج الصوتية التي يندر أن يتمكن شخص بالغ من اكتسابها بدرجة يتساوى فيها مع من يتحدثها منذ الصغر. والخلاصة هنا أن فشل التشبه اللغوي أمر يكاد يكون حتميا إلا في بعض الحالات الشاذة التي لا يمكن تعميمها.

ويحضرني هنا مثال على فشل التشبه اللغوي عند العرب، ففي حوار تلفزيوني مع أحد المسؤولين العرب سأل المحاور ضيفه عن تقييمه لأداء وزارته، فأجاب المسؤول بأن الأداء كان
susfying
وهي كلمة على حد علمي لا توجد في اللغة الإنجليزية، إذ كان ما قصده
satisfying
أي أن أداء وزارته كان مرضيا. وتلك هي إحدى عواقب التشبه اللغوي.

من المهم إذن أن ندرك أنه من اليسير نسبيا أن نلبس ونقص شعورنا مثل الأمريكان حتى نصبح نسخا مطابقة لهم. أما أن نتشبه بهم لغويا فهذا أمر ينبغى علينا أن نتركه جانبا، لأننا مهما حاولنا أن نجيد التقليد فلن نصل إلى مستوى إنجليزيتهم على نفس النحو الذي لا يمكنهم من بلوغ مستوى إجادتنا للعربية، فالتشبه اللغوي قلما يكون صاصفاينغ.

الأحد، 3 مايو، 2009

في منافع تعلم اللغات الأجنبية

ما فتئت منذ أن أنشئت هذه المدونة أهاجم اللغات الأجنبية وخصوصا اللغة الإنجليزية ودورها في الكثير من الدول العربية وغيرها من دول العالم. ولذا فقد قررت في هذا المقال أن أعدد بعضا من منافع تعلم اللغات الأجنبية، حتى أوضح أن مسألة اللغة ليست على طريقة عادل إمام: يا أبيض يا أسود، أي أنها ليست إما تعريب كامل وانغلاق أو تغريب شامل وانبطاح.

يعتبر الاطلاع على النتاج الفكري والعلمي لدى الأمم الأخرى من أهم ما يمكن أن يحصده المتقن للغة أجنبية، فإجادة لغة أجنبية يتيح لنا الاستفادة من علوم الآخرين والتعرف على التطورات الحاصلة في البلاد الأخرى وقياس مدى تخلفنا أو تقدمنا على تلك البلاد.

كما يمكننا فهم لغات الآخرين من معرفة مجتمعاتهم وأنماط تفكير شعوبهم، وذلك حتى نعرف كيف نتعامل مع الأمم الأخرى وكيف ننظم علاقاتنا السياسية والاقتصادية بطريقة نستطيع بها الحفاظ على حقوقنا عند التعامل معهم.

ويفيد إتقان اللغات الأجنبية أيضا الأفراد الذين يسافرون إلى بلدان أخرى ويريدون التواصل مع أهل تلك الدول دونما الحاجة إلى ترجمان أو وسيط.

وهناك منافع أخرى يجنيها متعلم اللغات الأجنبية مثل زيادة وعيه بتراكيب ومعاني ونطق لغته الأم وغير ذلك من الفوائد. ولكن هناك عدة أسئلة جوهرية يجب أن يتم طرحها قبل اختتام هذا المقال، ألا وهي:

ماذا جنينا جراء تعلمنا اللغات الأجنبية؟

إذا كنا نقرأ، هل نقرأ بتللك اللغات؟ وإذا قرأنا بها، ماذا نقرأ؟ أنقرأ أشياء مفيدة أم عديمة الفائدة أم مضرة؟ هل لدينا القدرة على التمييز بين هذه الأصناف الثلاثة؟

هل نتواصل مع الغير بلغاتهم؟ وإذا كنا نفعل ذلك فمن أجل أي غرض؟ هل نتواصل معهم لفهم مجتمعاتهم وأسباب اختلافها عن مجتمعاتنا؟ هل ندخل غرف الدردشة لديهم للتعرف على ثقافاتهم أم للإيقاع بفتياتهم؟

هل يسافر السائح العربي المتحدث بالإنجليزية أو الفرنسية إلى بريطانيا أو فرنسا لزيارة المتاحف أم المراقص؟ هل يستخدم مهاراته اللغوية لاستكشاف الثقافات أم للبحث عن العاهرات؟

الله أعلم.