الاثنين، 25 يناير، 2010

فخ اللغة: الجزء الأول




في الشهر الماضي شاهد اللبنانيون والعرب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يلقي بيان حكومته الأول أمام البرلمان اللبناني، وشاهدوا أيضا كيف قام الحريري بارتكاب أخطاء لغوية يندى لها الجبين في هجاء ونطق بعض الكلمات التي وردت في خطابه. ومن أمثلة ذلك قوله ستنننتجها بدلا من ستنتهجها، والتكنوجيا المعلومة بدلا من تكنولوجيا المعلومات، تينمويهما بدلا من تقييمهما. (شاهد أخطاء الحريري في المقطع المرفق أعلاه).

ولقد تسببت فداحة تلك الأخطاء في تقليل اهتمام المتابعين للخطاب بمحتواه، وذلك بسبب تشويش تلك الكارثة اللغوية على قدرة المتابعين على التركيز على مضمون كلمة الحريري. فبدلا من أن ينصت النواب اللبنانيون إلى البيان الوزاري راحوا يضحكون على رئيس وزرائهم الجديد، ووقعوا بذلك في فخ كثيرا ما تنصبه اللغة لنا عندما يكون مستخدمها غير قادر على التحدث بها بصورة فعالة. وبذلك أطاحت قباحة الشكل بأهمية الجوهر.

وليس شرطا أن يقع أحدنا في فخ اللغة بسبب عجزه عن استخدامها بشكل صحيح وفعال، إذ يمكن لأحدهم أن ينصب فخا بلغة جميلة منمقة تحتوي على ألفاظ رائعة ولكن محتواها إما ضعيف أو مكرر أو هدام. وبخصوص ذلك يقول الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني في بحث له بعنوان "نظرية المعرفة في التربية الإسلامية" التالي:

إن الحديث الذي يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم والذي يقول: ((إن من البيان لسحرًا)) هذا الحديث لم يرد بصيغة المدح كما يشاع فيها خلاف وإنما ورد في معرض الذم لهذا الأسلوب من الأداء اللغوي، كما ورد عن مسلم والإمام أحمد وغيرهما من المحدثين؛ حيث ذكروا أن رجلا نهض ليمدح الرسول بأسلوب بياني شاعري، فلم يعجب ذلك الرسول ورد على الرجل: أن تكلم كلامًا عاديا مما يتكلم به الناس، ثم علق قائلاً: ((إن من البيان لسحرًا))؛ أي: شبه السحر في زيفه وأثره.

ومن هنا يتضح أن اللغة يمكن أن تكون فخا نقع فيه سواء كانت ضعيفة تشوبها الأخطاء والعلل أو محشوة بجزيل الألفاظ والعبارات. وكلاهما يصرف المستمع عن المحتوى. وربما لهذا السبب لم يعلم الله رسوله الشعر، ولكنه آتاه جوامع الكلم، حتى يتحقق له صلى الله عليه وسلم التوازن المطلوب، بحيث لا يضيع لب رسالة الإسلام بين أحاديث ركيكة أو شعر منمق.

ولا يجب أن يفهم من كلامي هذا أنه ينبغي أن نشطب الشعر وغيره من الفنون من قاموس حياتنا، فالقول بهذا يعد بمثابة دعوة لانتحار ثقافي. ولكن لكل مقام مقال، فالشعر والنثر والخطابة لهم مجالات يستخدمون فيها بحيث يعودون بالنفع على الأمة كما كان الحال مع حسان ابن ثابت وكعب ابن زهير. ولكنهم لا ينبغي أن يستخدموا لتغليف الأفكار بغلاف جميل مبهر من أجل خداع المتلقين وتضليلهم عن طريق إقناعهم بأهمية فكرة هزيلة أو صحة رأي هدام. وباختصار فإننا يجب أن نوازن بين حديث "إن من البيان لسحرا" وحديث "إن من الشعر لحكمة".

كما لا ينبغي للقارئ أن يستنتج أن الوقوع في فخ اللغة أمر حتمي، إذ يمكن لكل منا إذا أمعن النظر في الكلام أن يستخلص محتواه ويميز صالحه من طالحه. وقد يكون القيام بذلك أصعب إذا كان البيان سحرا، ولكننا في نهاية المطاف نتعامل مع كلام ملقى أو مكتوب بلغتنا الأم التي نشأنا عليها، ولكل منا فرصة متساوية لإتقانها والتمكن منها والإلمام بتفاصيلها لدرجة نتمكن من خلالها من تمييز المضمون الغث من السمين دون أن نقع في فخ اللغة الجميلة الساحرة التي قيل أو كتب بها.

ولكن قدرة التمييز تلك تضعف بصورة كبيرة ومؤثرة عندما نتعامل بلغة أجنبية، إذ تحيط بنا الأفخاخ اللغوية من كل حدب وصوب، مما يؤدي إلى طغيان الشكل على الجوهر. وعندما يتحدث أحدنا بلغة أجنبية يصغي الكثيرون منا إلى طريقة نطق المتحدث ومدى إجادته لقواعد وتراكيب تلك اللغة أكثر من تركيزهم على مضمون ما يقول، وذلك لأن إتقانه لتلك اللغة محل شك، وهذا طبيعي، لأنها ببساطة شديدة ليست لغته الأم. وهذا أمر بديهي يعرفه الجميع ويتغافل العديد منا عما يترتب عليه من نتائج، وخصوصا على المدى البعيد، وذلك بسبب نظرتنا القاصرة التي لا تمكننا من التبصر في عواقب الأمور.

وعليه فإن فخ اللغة الأم أهون بكثير من فخ اللغة الأحنبية، إذ أن فرصتنا في تجنبه أكبر بكثير من إمكانية تجنب فخ لغة أجنبية غريبة علينا كثيرا ما يؤدي الحديث بها من قبل غير أهلها إلى أن يكون سؤال "كيف تحدث؟" أكثر أهمية من "ماذا قال؟".