الجمعة، 30 أبريل، 2010

مخاطر الترجمة وضوابطها

تعتبر الترجمة من أهم العوامل التي تساعد الأمم على المضي قدما نحو التطور والازدهار، حيث تستطيع كل أمة عن طريقها أن تنقل أهم ما وصل إليه الآخرون إلى لغتها حتى تتيح تداوله بين أفرادها لكي لا يكون العلم دولة بين من يتقنون اللغات الأجنبية دون غيرهم.

وكما هو معروف فإن على المترجم أن يراعي ثقافة اللغة التي ينقل إليها أحد الكتب، بحيث تكون ترجمته إضافة قيمة وبناءة للعلم في أمته. ولذلك يدعو الأستاذ طه عبد الرحمن في كتابه "الفقه والفلسفة ١- الفلسفة والترجمة" إلى ما يسميه الترجمة التأصيلية، وهي ترجمة تراعي الضوابط التي تفرضها طبيعة المجتمع المنقول إليه أعمال أقوام آخرين من الناحية اللغوية والعقدية والمعرفية فتنفي بتأصيليتها عملية النقل، وهي بذلك كما يقول الأستاذ طه عبد الرحمن "تحرص على ألا يفوتها شيء مما ينفع في تقوية التفلسف عند المتلقي ولو كان ذلك يوجب تغطية الصفات الأصلية للمنقول، بل محوها بالمرة، لأن العبرة هنا ليست بالحكاية عن الغير، وإنما بتمكين الذات من الممارسة الفكرية" (صفحة ٤٠٥). وبالرغم من أن الأستاذ طه عبد الرحمن تحدث عن ترجمة الفلسفة بصورة أساسية فإن ما قاله عن مفهوم وأهمية الترجمة التأصيلية يمكن تعميمه إلى حد كبير على باقي فروع المعرفة.

وإذا نظرنا إلى واقع الترجمة إلى اللغة العربية في عصرنا هذا لوجدنا أن مجموع ما يترجم إليها من لغات أخرى ضئيل ودون المستوى المنشود. ولكن هذا لم يمنع الكثيرين من أن يضيفوا إلى لغتنا ما يزعزع أركانها ويشوه جوهرها.

وإذا تابعنا كتابات بعض المعاصرين فإننا نجد أن العديد منهم يكتبون بالعربية ويفكرون باللغات الأجنبية، سواء كانوا يترجمون منها أم لا، مما يؤدي إلى ظهور نصوص ظاهرها العربية وباطنها الإنجليزية أو الفرنسية. وعلى سبيل المثال نجد أن الكثير ممن يهاجمون الإسلاميين يتهمونهم بأنهم يريدون أن يعودوا بنا إلى القرون الوسطى كناية عن التخلف، وذلك بالرغم من أن ما يسميه الغربيون القرون الوسطى كان عصر تخلف وتأخر للغرب وليس للمسلمين الذين كانت حضارتهم مزدهرة آنذاك.

وكما ذكرت في مقال سابق فإن للأستاذ علي درويش عدد من الدراسات التي يتناول فيها تلك الظاهرة.

أما بخصوص نوعية المواد التي تترجم إلى اللغة العربية فإن الكثير منها مما دخل المكتبة العربية منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا كان ذا محتوى مخالف لروح فكرنا العربي الإسلامي. وهذا ما عبر عنه المرحوم أنور الجندي في إحدى رسائله المعنونة "محاذير وأخطاء في مواجهة إحياء التراث والترجمة" حيث يقول:

إن معركة الترجمة لم تبدأ من منهج صحيح مدروس ينظم مدى ما نحتاجه وما لسنا في حاجة إليه، وإنما أخذ التغريب والغزو الثقافي بالمبادرة ومضى يقدم لنا على مدى قرن كامل نتاجاً سيئاً غاية السوء، قوامه ترجمة القصة المكشوفة الأجنبية، والتراث اليوناني الوثني، والمفاهيم المادية والإباحية في مجالات علم النفس والاجتماع والأخلاق والتربية. وقد قدمت لنا هذه الآثار على أنها علوم أصيلة وليست فروضاً قابلة للخطأ والصواب أو وجهات نظر تمثل أممها وأصحابها، ولم تسبق هذه الدراسات أو تلحق بما يكشف أمام القارئ العربي والمسلم مكانها من فكر أمتها وموقفنا كفكر له منهج متكامل جامع منها، وبذلك زيفت هذه الترجمات كثيراً من العقول وأفسدت كثيراً من النفوس وخلقت أجيالاً مضطربة لأنها استطاعت أن تقرأ الفكر الغربي (القائم على عقائد ومفاهيم وقيم وإيديولوجيات) تختلف عن فكرنا الإسلامي العربي وكان القائمون على هذه الأعمال في الأغلب من خصوم هذه الأمة وفكرها ومن الراغبين إلى اتخاذ سلاح الترجمة سبيلاً إلى هدم هذه المقومات.

ومن هنا يتضح لنا أن مجرد نقل أفكار من لغة ما إلى لغتنا العربية ليس كافيا، إذ ينبغي أن تكون الكتابات المترجمة موافقة للثقافة العربية الإسلامية روحا ونصا، لا نصا فقط. وهذا ما عبر عنه الأستاذ محمد سليم قلالة في كتابه "التغريب في الفكر والسياسة والاقتصاد"، إذ يؤكد أن الغاية من تعريب العلوم لا يجب أن يكون مجرد "إحلال أداة محل أخرى، كما حدث في العلوم الإنسانية، عندما أصبح نفس المحتوى يقدم بلغة جديدة (مهشمة). فتغيير الأداة ليس إلا بداية الطريق نحو تأصيل العلوم" (صفحة ٧١).

وبالرغم من أن هذه التحذيرات أطلقت في القرن الماضي، إلا أن ما هو واضح جلي لنا أن الكثير من القائمين على مشاريع الترجمة لم يعيروها اهتماما. ففي بداية القرن الواحد والعشرين صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام ٢٠٠٣، وكانت الترجمة إحدى النقاط التي ذكرت في التقرير، حيث وردت فيه إحصائية تقول أن متوسط الكتب المترجمة لكل مليون عربي لا يتجاوز ٤‚٤ كتاب، وهذا عدد متواضع جدا قياسا بعدد متحدثي العربية ومقارنة مع بعض اللغات التي لا يتحدثها سوى عدد محدود من الناس.

ومن أجل إصلاح هذا الخلل قامت عدة جهات بإطلاق مبادرات لزيادة عدد الكتب المترجمة إلى العربية. وعلى سبيل المثال أطلقت إمارة دبي برنامج 'ترجم'، وأطلقت أبو ظبي مشروع 'كلمة'. وقد صدر بالفعل من هذه المشاريع عدد من الكتب، ولكن نظرة خاطفة على تلك الإصدارات تثبت أن غالبية الكتب المترجمة تقتصر على كتب العلوم الإنسانية والآداب والثقافات، أي أن ريمة عادت لعادتها القديمة.

وفي هذا الصدد يصف الأستاذ وليد خليفة هذه الكتب في مقاله مصيبة مشاريع الترجمة الحديثة بأنها غير مفيدة على الإطلاق ولا قيمة لها ولا مردود. وهو بالطبع محق إلى حد بعيد، ولكن تلك الكتب علاوة على قلة فوائدها كثيرا ما تحمل في طياتها العديد من الأفكار الأجنبية التي تتعارض جزئيا أو كليا مع روح فكرنا العربي الإسلامي، أي أن ضررها أكبر من نفعها بكثير.

وإذا تصفحنا عناوين الكتب التي تترجم تحت إشراف المركز القومي للترجمة بمصر للاحظنا أن جلها يندرج تحت إطار الفكر والثقافة وليس العلوم والتقنية. وهذا أمر غريب مثير لكثير من علامات الاستفهام، ولكن الأغرب من ذلك أنك إن زرت موقع المركز القومي للبحوث والذي يختص بأبحاث العلوم الطبيعية بأرض الكنانة لوجدت أن كل صفحاته باللغة الانجليزية، وكأن تعريف زوار الموقع من المصريين والعرب بنشاطات المركز أمر لا يعني القائمين عليه، وكأن المركز يقع في لندن أو بوسطن وليس في قاهرة المعز. والسؤال الذي يطرح نفسه بداهة هنا هو: هل يعقل أن يقوم المركز القومي للترجمة بنقل مئات من الكتب إلى اللغة العربية وتترك صفحات موقع مركز علمي يعرف بالقومي قائمة بلغة أجنبية؟

ولست أزعم هنا أن كل كتب العلوم الإنسانية والآداب المرتبطة بثقافات مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا غير مفيدة على الإطلاق، إذ يمكننا أن نجد فكرة هنا أو مفهوما هناك يناسب روح فكرنا الأصيل، ولكن تمحيص تلك الكتب ينبغي أن يقوم به أناس ليس لديهم عقدة الخواجة أو هواية تأليه اليابانيين، أي أنهم أناس لا يتركون الانبهار بكل ما هو آت من الخارج وتبجيل ما يصل من وراء البحار يحطمان استقلالهم الفكري. والمنتمون إلى هذه الفئة الواعية المستقلة المعتزة بذاتها المتبحرة في تاريخ أمتها والمدركة طبيعة احتياجاتها الحاضرة والمستقبلية أضحوا اليوم عملة نادرة ترفضها أغلب الحكومات وتقمعها تارة وتجيش لها أدواتها من اللبراليين الذين يريدون تغريب مجتمعاتنا إما عن سوء نية أو عن جهل بطبيعتها تارة أخرى.

وإذا عدنا بذاكرتنا إلى الوراء ونظرنا في تاريخ الترجمة لدينا نجد أن ترجمة الفلسفة اليونانية في العصر العباسي تسببت في هزات عقائدية لدى بعض المسلمين، ولكن وجود تيار واع بما هو أصيل وما هو دخيل مكن علماء أجلاء مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن خلدون من محاربة الجوانب السيئة للفلسفة ومن ثم إبعادها عن الإلهيات وحصرها في الطبيعيات (راجع مقدمة ابن خلدون، فصل "في إبطال الفلسفة و فساد منتحلها").

وما كان من الممكن لتيار الأصالة أن يتغلب على وثنيات الفلسفة اليونانية ويدجنها لو كان قادته لا يعتزون بحضارتهم ولا يدركون جوهرها ويلهثون وراء كل فكر يرد من الخارج وينزهون كتابه عن الخطأ والزلل.

ولذا فإن الترجمة لدينا يجب أن يصحح مسارها وأن تركز على العلوم الطبيعية مع مراعاة أهمية تأصيلها ونزع النظرة المادية منها واختيار كتبها التي تتفق مع أولويات أمتنا وتلبي احتياجاتها التطبيقية (راجع مقال هوية العلوم). وكما يذكر الأستاذ وليد خليفة فإن المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق له نشاط يشكر عليه في مجال ترجمة العلوم الطبيعية، وقد يكون ذلك عائدا إلى أن التعليم العالي الحكومي معرب بالكامل في سورية.

أما كتب الثقافات الإلحادية والفكر الدخيل فإن العديد منها لا يصلح لنا ولا يساهم سوى في تدمير فكرنا بتغريبه وفي إضاعة جهدنا وأموالنا. ولذلك فإن ترجمة شيء من تلك الكتب يجب أن يكون بغرض النقد وتعرية المضمون المنحرف وبيان علله والتحذير منه، وليس من أجل الانقياد لها والتسبيح بحمد كتابها. وقد يكون من الأنجع التوجه صوب كتب الفكر الإسلامي المكتوب بلغات كالتركية والفارسية والأردية، فهي أقرب لنا من فكر أقوام اتخذوا المادية والإلحاد دينا لهم.