الخميس، 31 ديسمبر، 2009

هوية العلوم

يعتقد الكثيرون في عصرنا هذا أن العلوم لا هوية لها ولا ملة، و أن العلم الياباني لا يختلف عن نظيره الصيني ولا عن علوم الغرب. وبالرغم من أن هذا الاعتقاد ليس بجديد، إلا أن رياح العولمة والمبشرين بها زادوا من رسوخها في أذهان الكثيرين إلى درجة جعلت العديد منا يؤمن بحيادية العلوم ويظن أن الثقافة لا تساهم في تطويرها ولا بلورتها ولا تدخل في تفاصيلها.

وبناء على ذلك الاعتقاد استنتج الكثيرون أن العلم يمكن استيراده كما هو دون الحاجة إلى تمحيصه والتمييز بين ما يمكن نقله دون تعديل يذكر، وما يمكن نقله مع القليل أو الكثير من التعديلات، وما لا يمكن نقله إطلاقا. وانطلاقا من ذلك الاستنتاج ذهب البعض إلى أنه لا فرق بين تدريس العلوم بالإنجليزية والفرنسية وبين تدريسها بالعربية، فالعلم، حسب رأيهم، لا يحمل جواز سفر.

ولست أدري بالتحديد من أين أتى البعض بتلك الفكرة، فربما تأثر البعض بالقوة الناعمة الأمريكية وبالترويج المستمر من قبل بعض أبناء جلدتنا لإنجازات الآخرين حتى صار من العسير التمييز بين ما هو إنساني مشترك بين بني البشر وما هو مرتبط بالخصوصية الثقافية لشعب أو حضارة ما.

ولذا فإنه ينبغي علينا أن ننظر إلى الأمثلة التالية حتى ندرك أن المجتمعات المنتجة للعلوم، وخصوصا الناجحة منها، تؤثر بشكل فعال مباشر أو غير مباشر على العلم، وذلك على مستويين على الأقل:

١- تؤثر العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها من العوامل على أولويات البحث العلمي لدى كل مجتمع. وهناك شواهد عدة على ذلك قد يكون من أشهرها نظرية دارون التي، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، لم تكن لترى النور سوى في عصر أصبحت فيه قصة نبي الله آدم وزوجه حواء حسب النصوص الدينية المتبناة من قبل الكنيسة رواية لا يمكن لعقل دارون وأتباعه أن يصفوها بالعلمية حسب معاييرهم.

أما في القرن العشرين فإننا نجد كما تذكر الأستاذة فاطمة الزاهراء كفيف في بحث لها بعنوان "الطبيعة الأيديولوجية للعلم الغربي" أن الأفكار والعقائد السائدة في المجتمع وجهت العلم والباحثين بصورة فعالة. ومثال ذلك كما تقول تطور العلوم الفيزيائية نتيجة سياسات الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يتغير ذلك التأثير حتى يومنا هذا، ففي شهر أبريل من عامنا هذا احتج العديد من المدافعين عن حقوق الشواذ جنسيا قبيل مؤتمر علمي في ألمانيا أدرج على جدول أعماله بحثين حول معالجة الشذوذ الجنسي. وهذا كما يعرف الكثيرون أمر مستهجن في الخطاب الغربي، الرسمي منه على الأقل، وذلك لاعتقادهم بأن الشذوذ الجنسي ليس بمرض. ومن ثم فإن الخوض في أبحاث من هذا القبيل يؤدي بالباحث إلى الاصطدام بعقيدة المجتمع، مما يصعب من مهمته البحثية ويجعل من الحصول على الأموال اللازمة لإجراء بحثه أمرا عسيرا حتى وإن توفرت الحرية العلمية. والقوانين كما نعرف ليست فقط تلك المنصوص عليها كتابة، وإنما هي أيضا الأعراف المفهومة ضمنيا من قبل أفراد المجتمع.

وتأثير المجتمع على أولويات البحث أمر طبيعي، وهو ليس صفة غربية كما قد يستنتج البعض من الأمثلة التي وردت أعلاه، فقد كان ذلك التأثير حاضرا وبقوة في الحضارة الإسلامية. ويذكر الأستاذ غازي التوبة أن تطوير النحو العربي كان من أجل خدمة القرآن وحفظه من التحريف واللحن، كما أن جانبا مهما من علوم الجبر والرياضيات طور من أجل حل مشاكل توزيع الميراث وجباية الخراج وتحديد أنصبة الزكاة.

٢- المستوى الثاني الذي يؤثر فيه المجتمع على العلم هو الجانب التطبيقي للعلوم، وهو أمر يبدو فيه تأثير المجتمع واضحا لأن التطبيق يفضي إلى منتجات ملموسة أو محسوسة، مما يسهل رؤية أثر الاختلافات بين مجتمع وآخر على تلك المنتجات.

ولذا فإننا نكتفي بمثال واحد أورده الأستاذ أبوزيد المقرئ الإدريسي في محاضرة له بعنوان صناعة الحضارة. ويذكر فيها كيف أن الاستعانة بأحد المعماريين الغربيين لبناء مسجد في الكويت أدى إلى قيام ذلك الرجل بتصميم مسجد اتضح عند قرب اكتمال بنائه أنه على شاكلة كنيسة، مما اضطر القائمين على المشروع إلى هدم جزء كبير من المسجد وإعادة البناء من جديد، وهو أمر كان يمكن تفاديه بسهولة لو لم يترك أصحاب الشأن الحبل على الغارب للمهندس. وكما يقول الأستاذ الإدريسي فإن تلك الفضيحة لم تكن مؤامرة كما قد يزعم البعض، ولم يرد بالضرورة ذلك المعماري تعيس الحظ أن يسيء للمسلمين، وإنما تصور الرجل لدور العبادة، وهنا بيت القصيد، متأثر بالبيئة التي نشأ فيها حيث تكثر الكنائس.


وبعد سرد تلك الأمثلة لا يجب على القارئ أن يهرع إلى اتهام الآخرين بعدم الموضوعية، فهم، كما يبين الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني في حديثه عن الغرب، لا يعملون إلا لحسابهم أولا وأخيرا، وليسوا ملزمين بالإنسانية جمعاء. ولذا فإنهم لا يكادون يرعون علما لا يساهم في رقيهم هم بالدرجة الأولى، وهذا حقهم، فكل يغني على ليلاه، وما ليلانا كليلاهم.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن للعلوم هوية، وأن استيرادها دون غربلتها ومعرفة تأثيرات المجتمعات التي نشأت بها عليها فعل يتصف بقصور النظر والسذاجة والصبيانية إن صح التعبير. ولذا فإن أقل ما يجب أن نقوم به بصفتنا أمة متخلفة لا ترغب في الانغلاق على ذاتها ولا تريد إنتاج علمها بسواعد أبنائها أن نمحص العلوم التي تردنا من الخارج لنميز بين ما يمكن نقله لطبيعته الإنسانية المشتركة بين أبناء آدم وبين ما هو ذو خصوصية ثقافية لشعوب الأرض المختلفة عنا. فالوهن الذي نعيشه لا يشل كل قدراتنا ولا يلغي هامش المقاومة لدينا، ولا يعقل أن نتعامل مع كل الأمور بمنطق "إما إفراط او تفريط" لمجرد أننا حالنا حال سرحان عبد البصير لم نعد نطيق التعامل مع اللون الرمادي. وكوننا ضعفاء مهيضي الجناح لا يعني أن نبقي أبوابنا مفتوحة على مصراعيها أما كل من هب ودب، فحتى بعض العاهرات يخترن زبائنهن.