الخميس، 31 ديسمبر، 2009

هوية العلوم

يعتقد الكثيرون في عصرنا هذا أن العلوم لا هوية لها ولا ملة، و أن العلم الياباني لا يختلف عن نظيره الصيني ولا عن علوم الغرب. وبالرغم من أن هذا الاعتقاد ليس بجديد، إلا أن رياح العولمة والمبشرين بها زادوا من رسوخها في أذهان الكثيرين إلى درجة جعلت العديد منا يؤمن بحيادية العلوم ويظن أن الثقافة لا تساهم في تطويرها ولا بلورتها ولا تدخل في تفاصيلها.

وبناء على ذلك الاعتقاد استنتج الكثيرون أن العلم يمكن استيراده كما هو دون الحاجة إلى تمحيصه والتمييز بين ما يمكن نقله دون تعديل يذكر، وما يمكن نقله مع القليل أو الكثير من التعديلات، وما لا يمكن نقله إطلاقا. وانطلاقا من ذلك الاستنتاج ذهب البعض إلى أنه لا فرق بين تدريس العلوم بالإنجليزية والفرنسية وبين تدريسها بالعربية، فالعلم، حسب رأيهم، لا يحمل جواز سفر.

ولست أدري بالتحديد من أين أتى البعض بتلك الفكرة، فربما تأثر البعض بالقوة الناعمة الأمريكية وبالترويج المستمر من قبل بعض أبناء جلدتنا لإنجازات الآخرين حتى صار من العسير التمييز بين ما هو إنساني مشترك بين بني البشر وما هو مرتبط بالخصوصية الثقافية لشعب أو حضارة ما.

ولذا فإنه ينبغي علينا أن ننظر إلى الأمثلة التالية حتى ندرك أن المجتمعات المنتجة للعلوم، وخصوصا الناجحة منها، تؤثر بشكل فعال مباشر أو غير مباشر على العلم، وذلك على مستويين على الأقل:

١- تؤثر العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها من العوامل على أولويات البحث العلمي لدى كل مجتمع. وهناك شواهد عدة على ذلك قد يكون من أشهرها نظرية دارون التي، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، لم تكن لترى النور سوى في عصر أصبحت فيه قصة نبي الله آدم وزوجه حواء حسب النصوص الدينية المتبناة من قبل الكنيسة رواية لا يمكن لعقل دارون وأتباعه أن يصفوها بالعلمية حسب معاييرهم.

أما في القرن العشرين فإننا نجد كما تذكر الأستاذة فاطمة الزاهراء كفيف في بحث لها بعنوان "الطبيعة الأيديولوجية للعلم الغربي" أن الأفكار والعقائد السائدة في المجتمع وجهت العلم والباحثين بصورة فعالة. ومثال ذلك كما تقول تطور العلوم الفيزيائية نتيجة سياسات الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يتغير ذلك التأثير حتى يومنا هذا، ففي شهر أبريل من عامنا هذا احتج العديد من المدافعين عن حقوق الشواذ جنسيا قبيل مؤتمر علمي في ألمانيا أدرج على جدول أعماله بحثين حول معالجة الشذوذ الجنسي. وهذا كما يعرف الكثيرون أمر مستهجن في الخطاب الغربي، الرسمي منه على الأقل، وذلك لاعتقادهم بأن الشذوذ الجنسي ليس بمرض. ومن ثم فإن الخوض في أبحاث من هذا القبيل يؤدي بالباحث إلى الاصطدام بعقيدة المجتمع، مما يصعب من مهمته البحثية ويجعل من الحصول على الأموال اللازمة لإجراء بحثه أمرا عسيرا حتى وإن توفرت الحرية العلمية. والقوانين كما نعرف ليست فقط تلك المنصوص عليها كتابة، وإنما هي أيضا الأعراف المفهومة ضمنيا من قبل أفراد المجتمع.

وتأثير المجتمع على أولويات البحث أمر طبيعي، وهو ليس صفة غربية كما قد يستنتج البعض من الأمثلة التي وردت أعلاه، فقد كان ذلك التأثير حاضرا وبقوة في الحضارة الإسلامية. ويذكر الأستاذ غازي التوبة أن تطوير النحو العربي كان من أجل خدمة القرآن وحفظه من التحريف واللحن، كما أن جانبا مهما من علوم الجبر والرياضيات طور من أجل حل مشاكل توزيع الميراث وجباية الخراج وتحديد أنصبة الزكاة.

٢- المستوى الثاني الذي يؤثر فيه المجتمع على العلم هو الجانب التطبيقي للعلوم، وهو أمر يبدو فيه تأثير المجتمع واضحا لأن التطبيق يفضي إلى منتجات ملموسة أو محسوسة، مما يسهل رؤية أثر الاختلافات بين مجتمع وآخر على تلك المنتجات.

ولذا فإننا نكتفي بمثال واحد أورده الأستاذ أبوزيد المقرئ الإدريسي في محاضرة له بعنوان صناعة الحضارة. ويذكر فيها كيف أن الاستعانة بأحد المعماريين الغربيين لبناء مسجد في الكويت أدى إلى قيام ذلك الرجل بتصميم مسجد اتضح عند قرب اكتمال بنائه أنه على شاكلة كنيسة، مما اضطر القائمين على المشروع إلى هدم جزء كبير من المسجد وإعادة البناء من جديد، وهو أمر كان يمكن تفاديه بسهولة لو لم يترك أصحاب الشأن الحبل على الغارب للمهندس. وكما يقول الأستاذ الإدريسي فإن تلك الفضيحة لم تكن مؤامرة كما قد يزعم البعض، ولم يرد بالضرورة ذلك المعماري تعيس الحظ أن يسيء للمسلمين، وإنما تصور الرجل لدور العبادة، وهنا بيت القصيد، متأثر بالبيئة التي نشأ فيها حيث تكثر الكنائس.


وبعد سرد تلك الأمثلة لا يجب على القارئ أن يهرع إلى اتهام الآخرين بعدم الموضوعية، فهم، كما يبين الأستاذ ماجد عرسان الكيلاني في حديثه عن الغرب، لا يعملون إلا لحسابهم أولا وأخيرا، وليسوا ملزمين بالإنسانية جمعاء. ولذا فإنهم لا يكادون يرعون علما لا يساهم في رقيهم هم بالدرجة الأولى، وهذا حقهم، فكل يغني على ليلاه، وما ليلانا كليلاهم.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن للعلوم هوية، وأن استيرادها دون غربلتها ومعرفة تأثيرات المجتمعات التي نشأت بها عليها فعل يتصف بقصور النظر والسذاجة والصبيانية إن صح التعبير. ولذا فإن أقل ما يجب أن نقوم به بصفتنا أمة متخلفة لا ترغب في الانغلاق على ذاتها ولا تريد إنتاج علمها بسواعد أبنائها أن نمحص العلوم التي تردنا من الخارج لنميز بين ما يمكن نقله لطبيعته الإنسانية المشتركة بين أبناء آدم وبين ما هو ذو خصوصية ثقافية لشعوب الأرض المختلفة عنا. فالوهن الذي نعيشه لا يشل كل قدراتنا ولا يلغي هامش المقاومة لدينا، ولا يعقل أن نتعامل مع كل الأمور بمنطق "إما إفراط او تفريط" لمجرد أننا حالنا حال سرحان عبد البصير لم نعد نطيق التعامل مع اللون الرمادي. وكوننا ضعفاء مهيضي الجناح لا يعني أن نبقي أبوابنا مفتوحة على مصراعيها أما كل من هب ودب، فحتى بعض العاهرات يخترن زبائنهن.

الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009

شيء من الانغلاق

"الفرنسية غنيمة حرب"، هكذا وصف الكاتب الجزائري الراحل كاتب ياسين اللغة الفرنسية التي كانت أحد أدوات احتلال الأراضي والعقول، وهكذا ينظر إليها وإلى غيرها من اللغات الأجنبية الكثيرون منا في عصرنا هذا. ويمكن إرجاع هذه النظرة إلى الآراء التي ما انفكت تردد أن التمكن من لغات الأمم المتطورة أحد أهم مفاتيح التقدم بالنسبة لعالمنا العربي، وذلك لأن تلك اللغات بوابتنا نحو التعرف على أحدث ما وصلت إليه دول العالم المتقدمة من اختراعات وإبداعات. وهذا هو الوجه الحسن لمعرفة تلك اللغات. ولكن هل فكرت عزيزي القاريء فيما إذا كان هناك جانب سلبي لإعطاء تلك اللغات ذاك القدر الهائل من الأهمية كما يحدث في العديد من الدول العربية. إذا نظرنا حولنا فسنجد أن التمكين للغات الأجنبية في بلادنا يحد بشكل كبير من الإبداع المحلي، وذلك من جوانب ثلاث على الأقل:

١- الجانب اللغوي: يؤدي فرض اللغات الأجنبية في مجتمعاتنا إلى جعل اللغة العربية لغة كسيحة لا تتطور بالسرعة الكافية ولا بالكفاءة المطلوبة. وهذا كما يعرف الجميع لا يحدث بسب فقر اللغة العربية، بل بسبب إقصائها عن العديد من القطاعات الحيوية في أغلب بلداننا. ونتيجة لهذا الإقصاء تظل المعاجم التي تصدرها مجامع اللغة العربية حبيسة الرفوف لا تجد من يستخدمها، كما تبقى المقررات الجامعية التي تصدر باللغة العربية ضعيفة الانتشار بسبب رفض أغلب الكليات العلمية التدريس باللغة العربية، وكثيرا ما يؤدي هذا إلى حبس اللغة العربية داخل حلبة العلوم الدينية والأدبية وتكريس فكرة أنها لا يمكن أن تصبح لغة للعلوم الدقيقة. وباختصار فإن لغة لا تستخدم لا تتطور.

أضف إلى ذلك أن الحضور الطاغي للغات الأجنبية يشوش على السليقة اللغوية لأبناء العربية مما يتسبب في ظهور ترجمات غربية لمصطلحات ومفاهيم لا يفهمها إلا المتبحر في اللغة الأجنبية المنقولة منها تلك المصطلحات والمفاهيم، بالإضافة إلى ترجمات لا تتناسب مع نسق اللغة العربية وثقافة متحدثيها (راجع دراسات الدكتور علي درويش للاستزادة).

٢- الجانب الاقتصادي: إن من آثار تهميش اللغة العربية في مجتمعاتنا وإعطاء الأولوية للغات الأجنبية أننا نجد أن هناك العديد من الوظائف التي يشترط على المتقدمين إليها أن يتقنوا لغة أجنبية كالإنجليزية أو الفرنسية. ويؤدي هذا إلى حصر فرصة الحصول على وظيفة جيدة بمن يتحدثون لغة أجنبية وهم أقلية، واستبعاد من لا يتحدثون سوى العربية وهم الأغلبية. وبذلك تقل فرص الاستفادة من المبدعين لأن الشركات تختار موظفين من عدد محدود بدلا من فتح المجال أمام عدد أكبر.

وقد يقول قائل أن هناك وظائف يحتاج الموظف فيها إلى لغة أجنبية بالفعل، وهذا صحيح. ولكننا إذا أمعنا النظر في سوق العمل لوجدنا أن الوظائف التي تتطلب حقا إتقان لغة أجنبية قليلة، أما باق الوظائف فيمكن إنجازها باللغة العربية دون غيرها شريطة أن يتم فرض لغتنا في جميع مناحي الحياة، فثمة فرق هائل بين الحاجات الضرورية والاحتياجات المصطنعة.

وأحيانا يصل الشطط والتنطع بالبعض إلى اشتراط لغة أجنبية كالإنجليزية دون وجود أدنى حاجة إليها. ومثال ذلك ما ذكرت في مقال سابق عن إحدى الجامعات السعودية التي اشترطت على المتقدمين لشغل وظائف تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية إجادة اللغة الإنجليزية. والأدهى من ذلك أن إحدى المستشفيات السعودية طلبت ذات الشيء ممن يودون التقدم لشغل وظيفة صياد عقارب وأفاع.

٣- الجانب الاجتماعي: إذا ألقينا نظرة سريعة على عالمنا العربي لوجدنا أن المتأمركين والمتفرنسين فيه عادة ما ينتمون إلى الطبقة الميسورة، إذ أن تلك الطبقة هي من تقوى على تحمل التكاليف الباهظة لنمط الحياة الغربي من تعليم في مدارس وجامعات أجنبية ورحلات إلى الخارج. ونمط حياة كهذا يؤدي إلى انعزال تلك الطبقة، وهي أقلية ذات قوة اقتصادية وفكرية وإعلامية، عن السواد الأعظم من الشعب، مما يؤدي إلى جعل إبداعات تلك الأقلية تدور في فلك الثقافات التي تبنتها وتبنت لغاتها، ومما يصعب بدوره على المجتمع الاستفادة من تلك الإبداعات. أما الأغلبية التي تصارع من أجل كسب لقمة العيش فإن إبداعاتها، إن وجدت، لا تلقى من يتبناها من قبل أفراد النخبة الذين يعيشون بأجسادهم في العالم العربي وبعقولهم وقلوبهم في أوروبا أو أمريكا. وهنا يكون الاستعمار اللغوي في أوجه.

ولا أزعم هنا أم كل أفراد النخبة لدينا متغربون، إذ يوجد الكثيرون من صفوة المجتمع من هم مغرسون جسدا وعقلا وفؤادا في الوطن العربي، ولكنهم مع الأسف محاربون من قبل النخب المتأمركة أو المتفرنسة التي تجيد فن الاستقواء بالخارج.

إن على العاقل أن يعمل عقله ويطرح السؤال التالي: إذا كان نفع اللغات والثقافات الغربية أكبر من ضررهما، فلماذا يحاول الغرب الذي بيننا وبينه الكثير من العداء نشر لغاته وثقافاته في أراضينا؟ هل يحرص الغرب إلى هذه الدرجة على إفادتنا؟ أم على السيطرة علينا؟ ليس لدي جواب شاف على هذه السؤال، ولكني أعتقد أن الانفتاح بلا رقيب في زمن الضعف يؤدي إلى كوارث أشد خطرا من عواقب الانغلاق.

قبل أن أنهي هذا المقال أحيل الحديث إلى الشاعر الكويتي حمود البغيلي الذي يوجه صرخة تحذيرية لدعاة الانفتاح من خلال أبيات يقول فيها:

عجيب أمر أمتنا عجيب ... تروضنا ليركبنا الغريب
وتحرقنا كعود المسك قهرا ... ليخرج منه للأغراب طيب
فقل للطالبين اليوم علما ... من السفهاء: ويحكموا أجيبوا
متى كان السفيه يدر علما ... ليلقفه على شغفٍ أديب
اذا لصق القراد بضرع شاة ... فلا يرجى من الشاة الحليب

الأحد، 25 أكتوبر، 2009

حلول كارثية

في عام ٢٠٠٤ كتب الصحفي الكويتي أحمد البغدادي مقالا في جريدة السياسة بعنوان "أما لهذا التخلف من نهاية؟". وفي المقال، كما ترون في الأسفل، ينتقد البغدادي سعي وزارة التربية الكويتية إلى زيادة حصص التربية الإسلامية والقرآن والتجويد على حساب بعض المواد الأخرى كالموسيقى والنشاط، وذلك في المدارس الخاصة ذات المناهج العربية والأجنبية.



وبعد نشر المقال تعرض البغدادي لحملة قوية واجه خلالها سيلا عارما من الانتقادات. وقد أفضت تلك الحملة إلى تعرضه للمحاكمة بتهمة ازدراء الدين، وحكم عليه بالسجن الذي خرج منه بعفو أميري. ولقد كان الهجوم الذي تعرض البغدادي في مجمله سطحيا لم يتطرق إلا إلى مسألة تفضيل البغدادي للموسيقى على القرآن والتجويد وللغات الأجنبية على اللغة العربية.

ولكننا إذا نظرنا بعين الناقد المتعمق إلى ما كتبه البغدادي من أفكار يرددها ويقتنع بها في كثير من الأحيان عدد لا يستهان به من الكتاب والمثقفين والعامة لوجدنا التالي:

١- يعتقد البغدادي والكثيرون غيره أن دروس التربية الإسلامية واللغة العربية مجرد أداة لإبقاء النشء داخل حظيرة الدين الإسلامي، وتلك نظرة قاصرة. فالإسلام كما هو دين غالبية العرب فإنه جزء أصيل من ثقافتهم التي ساهم في تشكيلها على مدى قرون طويلة. وعليه فإن أحد أهداف ما يسميه البغدادي تخلفا هو محاولة لربط طلاب المدارس الأهلية، وخصوصا ممن يدرسون في المدارس ذات المناهج الأجنبية، بمجتمعهم وواقعهم وثقافتهم وليس الهدف منه تخريج أئمة أو مقرئين في سرادق الموتى بالضرورة.

٢- إن القاريء لمقال البغدادي لا يسعه إلا أن يستنتج أنه يدعو للهروب من المشاكل بدلا من مواجهتها وحلها أو على الأقل التنبيه إليها. وهذا الهروب من المشاكل عادة سيئة فينا. وقد نعذر بعض المستضعفين ومن لاحيلة لهم إن هم خافوا من مواجهة المشاكل. أما البغدادي فهو بالإضافة إلى كونه صحفيا فإنه كان محاضرا في جامعة الكويت بقسم العلوم السياسية. فإذا كانت المدارس الحكومية فاشلة ومناهجها متخلفة، وقد تكون كذلك بالفعل، فإن الأحرى بالبغدادي أن يسهم في إصلاح الخلل الموجود بها بدلا من الهروب منها على طريقة الخلاص الفردي، وذلك لأن هامش المقاومة والنقد لديه ولدى أقرانه من صفوة المجتمع أكبر من القدرة على مجابهة المشاكل التي تتوفر لباقي أفراد الشعب.

٣- إذا سلمنا أن البغدادي والمدافعين عن التعليم الأجنبي أحرار في اختياراتهم على طريقة لكم دينكم ولي دين، فإننا لا يمكن أن نسلم أن تلك الفئة المتغربة ليس لها تأثير على المجتمع، شئنا أم أبينا، فالكل يعيشون في وطن واحد بحيث يصبح تأثر الأفراد بعضهم ببعض أمرا يكاد يكون حتميا. ووجود طبقة ليس لديها انتماء كاف إلى المجتمع الذي تعيش فيه، وإن كان متخلفا، يخلق لها ولباقي أفراد المجتمع مشاكل عديدة تتجاوز الجوانب الاجتماعية والثقافية إلى الجوانب الاقتصادية وحتى الأمنية، خصوصا أن تلك الفئة عادة ما تكون من النخبة، والنخبة لها من الأثر العظيم على المجتمع ما لا يمكن إغفاله. وهذا الانفصام يؤدي إلى ظهور نوع من الطبقية التي يصعب محاربتها بسبب تجذر بعض القيم الأجنبية في نفوس العديد من أفراد النخبة منذ الصغر.

والخلاصة أن مشكلة تخلف التعليم لدينا التي ذكرها البغدادي أمر يصعب إنكاره، ولكن محاولة حلها على الطريقة البغدادية يؤدي إلى مشاكل أخرى قد لا تظهر آثارها، التي قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، على المجتمع إلا بعد سنين عديدة. عندها تكون عقول أبناء النخبة قد صارت في واد محاط بالورود المستوردة و عقول باقي أفراد الشعب في واد آخر. وعندها سيعرف دعاة الانسلاخ أهمية أن يعيش المرء واقعه بحلوه ومره بدلا من استيراد الحلول الكارثية.

الثلاثاء، 6 أكتوبر، 2009

عن إسلام مايكل وإخوانه

عندما توفي المغني الأمريكي مايكل جاكسون في شهر يونيو الماضي عادت قصة إسلامه تطفو على السطح من جديد، وبدأ الكثيرون من العرب ينسجون من الحكايات ما يحاولون به أن يثبتوا أن الرجل مات مسلما. كما بدئوا يتناقشون حول مسألة دفنه وهل سيدفن مع المسلمين أم مع النصارى، ومسألة هل يجوز لأهله أن يرثوا ماله أم لا. لا بل ذهب البعض إلى الادعاء أن مايكل كان بصدد تقديم أغنية جديدة في حفلة لندن التي كان ينوي إحيائها، وأن تلك الأغنية كانت ستثبت للعالم بأسره أنه مسلم.

وحتى يومنا هذا ما زال البعض يروي بزهو قصة إسلام المغني البريطاني يوسف إسلام، والذي أسلم قبل أكثر من ثلاثين عاما. وقبل عدة أشهر شغلتنا بعض الصحف بخبر إسلام بروفيسور فرنسي سمى نفسه شريف دارينيز، وذلك خلال حضوره مؤتمرا في مدينة الرياض عاصمة السعودية. و لقد قامت الدنيا ولم تقعد فرحا بإسلامه. وما زالت بعض الكتب تروي لنا قصص إسلام المفكر الفرنسي روجيه غارودي والدبلوماسي الألماني مراد هوفمان. لا بل وصل ذلك الهوس إلى لاعبي كرة القدم أمثال هنري وريبري وأنيلكا، وهي أسماء يعرفها عدد لا بأس به من العرب.

إن القاسم المشترك بين كل تلك الشخصيات أنهم غربيون، ولذا يطيب للعديد منا أن يتحدث بنشوة عن قصص إسلامهم. فالاستلاب الثقافي وصل بنا إلى درجة أننا نفرح بصورة طفولية لإسلام أحد الغربين، بينما قد يسلم جمع غفير من الأفارقة أو الهنود أو الفلبنيين دون أن تتحفنا وسائل إعلامنا بقصص إسلامهم. وهذا ليس نفاقا فحسب، وإنما محاولة يائسة منا بأن نقنع أنفسنا أن انتشار الإسلام في الغرب يمثل انتصارا لنا.

وقد يظن البعض أن إسلام بعض الأفراد في أوروبا وأمريكا الشمالية ليس إلا بداية لانتشار الدين الحنيف بين سكان تلك المناطق. ولكن هذا أمر يصعب حصوله، وذلك لأن التاريخ وقصص الأنبياء أثبتوا أن الأقوياء عادة ما يحجمون عن قبول أي دين جديد يمكن أن يغير من وضعهم الآني المتميز.

ولكن ماذا لو أسلم الغرب عن بكرة أبيه؟ هل سيغير ذلك من أوضاعنا المزرية نحن العرب شيئا؟

الإجابة يصعب أن تكون إلا بالنفي، فإن أقصى ما يمكن حدوثه هو أن يكف الغرب عنا شره، وأن يتكرم علينا ببعض المساعدات الاقتصادية. ولكن ذلك لن يحل مشاكلنا بصورة جذرية، وذلك لسبب بسيط ومعروف، وهو أن مشاكلنا ناتجة عن ضعفنا وتقصيرنا نحن بصورة أساسية.

ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا أن هذه دعوة إلى انتكاسة أو عودة إلى فكر القومية العربية المضللة التي سادت الخمسينات والستينات من القرن الماضي والتي أغفلت دور الدين الحيوي في النهضة. ولكن كما روي في الحديث الشريف، فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين، ولم يدع، على حد علمي، أن يعزه بكسرى أوهرقل، بالرغم من أن الأخيرين كانا أقوى بكثير من عمر ابن الخطاب وأبي جهل، فالدعوة يجب أن تنجح على الصعيد المحلي قبل أن تنتشر في الخارج.

ومن هنا ينبغي أن نعي أن فكرنا وجهودنا وإخلاصنا هو جوهر نهضتنا وتقدمنا. أما إسلام أسماء كفلادمير وهلموت وفرانسوا وجون قد يعز الإسلام وقد ينفع الغرب، ولكنه لن يعود علينا بالنفع الكثير ولن يحقق لنا نهضتنا المنشودة. فكفانا إذا استلابا ولهثا وراء أسلمة الغرب، ولندع الاتكالية جانبا ونضع مجتمعاتنا صوب أعيننا، على الأقل من باب أولى لك فأولى.

الخميس، 17 سبتمبر، 2009

من تعلم لغة قوم: أمن مكرهم أم أمنوا مكره؟

قرأت منذ أسبوعين مقالا نقديا على موقع الجزيرة بعنوان الحديث ضعيف والأمة ضعيفة ناقش فيه الكاتب ظاهرة استخدام أحاديث ونصوص لم تثبت صحتها من أجل فرض بعض القيم السلبية على مجتمعاتنا وذلك لإقناعنا بأن الأمور محسومة وأن ما باليد حيلة. واستشهد كاتب المقال بحديث: "كما تكونوا يولى عليكم"، وذكر أوجه ضعفه من ناحية السند والمتن وكيف أنه يخالف أحاديث صحيحة مثل حديث كلمة حق عند سلطان جائر وحديث تغيير المنكر، ناهيك عن أنه يخالف التاريخ والواقع. (الرجاء قراءة المقال للفهم والاستزادة).

وبعد أن قرأت المقال بأسبوع عثرت خلال بحث عن مقالات تتعلق بتعلم اللغات على معلومة تصحيحية أخرى، ومفادها أن حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" ليس ضعيفا، وإنما لا أصل له من الأساس حسب ما ذكره الإمام الألباني وحسب ما أكده الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة. والمعلوم أن الكثيرين يتشهدون بهذا الحديث عندما يؤكدون أهمية تعلم لغات كالإنجليزية والفرنسية وحتى عندما يدافعون عن التدريس بتلك اللغات في جامعاتنا بدلا من التدريس بالعربية. وهم إذ يقومون بذلك فإنهم يرمون إلى غلق باب النقاش محتجين بذلك الحديث الموضوع.

لست من هواة التشكيك بكل الأحاديث، ليس فقط لأنني لست من علماء الحديث ولا أفقه شيئا يذكر عن كيفية تحقيق الأحاديث، وإنما لأني أعلم أن العديد من ذوي النوايا السيئة والمضللين يتخذون من التشكيك بحديث ضعيف أو موضوع حجة للبدء بالتشكيك بكل الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، وهذا مما لا ينبغي لأنه منهج التغريبيين واللبراليين والعلمانيين والانهزاميين وساء أولئك رفيقا.

وإذا عدنا إلى محور هذا المقال لوجدنا أن مقولة "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" مغلوطة، أو على الأقل منقوصة كما سنرى لاحقا، ليس فقط لكونها ليست بحديث، وإنما لأنها لا يمكن أن تفسر ظاهرة حرص العديد من الدول المتقدمة على نشر لغاتها في أنحاء العالم. فهل تحرص دول مثل أمريكا وفرنسا وغيرها على فرض لغاتها على الدول الأخرى حتى تأمن تلك الدول شرها؟ أم حتى تأمن أمريكا وفرنسا مكر تلك الدول؟ وهل يعد مركز مثل المجلس الثقافي البريطاني مجرد معهد لتعليم اللغة الإنجليزية نحج إليه حتى نتعلم الإنجليزية فنأمن مكر الإنجليز؟ أم أنه أداة للترويج للثقافة البريطانية وتحبيبها إلى نفوسنا كما يوحي اسمه بذلك؟

إن ما تقوم به العديد من الدول القوية في عصرنا هذا من نشر للغاتها ليس سوى أحد أوجه استخدامها لما بات يعرف بالقوة الناعمة، وهي ضرب من الإغواء بالثقافة تهدف من خلاله تلك الدول لأن تأمن مكرنا وتروضنا حتى نسلم بحتمية سيادتها علينا وعلى غيرنا دون الحاجة إلى تجييش الجيوش وإطلاق الصواريخ من قبل تلك الدول. فأحيانا يكون قصف العقول أنجع وأقل تكلفة من تدمير البلدان واحتلالها. (راجع هذا التقرير عن مفهوم القوة الناعمة وراجع الصفحات رقم ٦٤ و ٦٥ و ٦٦ للتعرف باختصار على دور اللغة الإنجليزية كقوة ناعمة في الدول العربية).

وقد يحتار القاريء هنا متسائلا: هل يعني ما ذكرته أعلاه أن مجرد تعلمي للغة كالإنجليزية سوف يغير من مفاهيمي ويجعلني تابعا لماما أمريكا؟

الإجابة تكمن في إدراك أن الأعمال بالنيات، فمن كان يريد تعلم لغة قوم ليأمن مكرهم كان له ما أراد حتى وإن كان حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" لا أصل له. ومن كان ينوي تعلم لغة قوم ليضر بها قومه بصورة مباشرة أو غير مباشرة وليغوص في وحل العمالة حصل على مراده. ومن تعلم لغة قوم طلبا لعلم نافع لديهم فلا تثريب عليه. ومن تعلم لغة قوم رغبة في الهجرة إلى بلادهم فهجرته إلى ما هاجر إليه. ومن تعلم لغة قوم ليستعلي بها على قومه ويوهم ذاته بتقدمه وتحضره كان له من التمايز والتقدم الزائفين ما أراد.

والخلاصة أن السؤال الذي عنونت به هذا المقال يحتمل أكثر من إجابة حسب مراد كل منا. ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا جنينا من وراء تعلمنا للغات الآخرين؟ هل أمنا مكرهم؟ أم أن قوتهم الناعمة تدمرنا من حيث لا ندري؟

فكر مليا عزيزي القاريء قبل الإجابة.

الأحد، 30 أغسطس، 2009

بأية لغة نقرأ؟

ناقشني في إحدى المرات أحد الأصدقاء في المقالات التي أكتبها في مدونتي هذه قائلا أنني انتقد في الكثير منها دور اللغات الأجنبية في عالمنا العربي وفي نفس الوقت استفيد من تلك اللغات في مقالاتي عن طريق الاستشهاد بمواد مكتوبة بها. وعلى سبيل المثال فإن مقالي السابق يحتوي على عدة روابط لمواد منشورة على الانترنت اثنان منها باللغة الإنجليزية. فهل ما أقوم به يمكن أن يصنف تحت بند "يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم"؟

أود أن أؤكد أولا أنني لست ضد اللغات الأجنبية وإنما ضد سوء استخدامها في مجتمعاتنا العربية بحجج واهية كالعولمة ومواكبة العصر والانفتاح. إذ أن هناك فرق بين استخدام اللغات الأجنبية للاستفادة من علوم الآخرين وبين تسليط تلك اللغات على ألسنة العباد وثقافاتهم بل وحتى أرزاقهم. وإذا نظرنا إلى المجال الأكاديمي لوجدنا أنه ليس هناك ضير من القراءة باللغات الأجنبية والإفادة من العلوم المكتوبة بغير لغتنا، وذلك شريطة أن يكون للقاريء عقلا يقظا يستطيع أن يميز به الغث من السمين وألا يكون شديد الانبهار بعلوم الآخرين وإنجازاتهم.

كما يجب لمناهج تعليم اللغات الأجنبية، على الأقل في الجامعات، أن تركز على مهارتي القراءة والاستماع أكثر من التركيز على مهارتي التحدث والكتابة باللغات الأجنبية، وذلك لأن النهل من معارف الآخرين يقتضي قراءة علومهم وربما الاستماع إلى محاضراتهم أكثر من التحدث والكتابة بلغاتهم. وكما يذكر بروس شيرود فإنه ليس شرطا للأكاديميين أن يتحدثوا أو يكتبوا بلغة أجنبية ما ليقرؤا بها أو حتى ليترجموا منها إلى لغتهم الأم. (راجع هذا المقال لمزيد من التفصيل).

أما أن يجلس طلاب عرب أمام محاضر عربي في جامعة عربية تمولها حكومة عربية على أرض عربية ويتخاطب المحاضر مع طلابه بلغة أجنبية كثيرا ما تكون مكسرة، بل قل مهشمة، ومخلوطة بالعربية على نحو تهجيني عجيب، فإن هذا أمر يصعب قبوله وإن ساق المدافعون عنه من الحجج ما ساقوا.

والعارف بحال أمتنا العربية يتعجب من ذلك الاهتمام الشديد باللغات الأجنبية، وكأننا نعشق القراءة والعلم لدرجة أن ما هو متوفر بين أيدينا باللغة العربية لا يكفينا. (راجع هذا الخبر عن قرار المركز الثقافي البريطاني إغلاق مكتبته بالقاهرة لضعف الإقبال عليها). وهنا اختتم هذا المقال بما ذكره الدكتور محمد هيثم الخياط في مقال نشر في العدد الثالث عشر من مجلة تعريب الطب بعنوان "التعريب: حديث مستطرد"، والذي يقول فيه:

كم من الأطباء الخريجين يتابع العلم بعد تخرجه في مجلة أجنبية؟ نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال بيقين, بناء على المعطيات المتوافرة لدينا في منظمة الصحة العالمية, فنقول إن نسبتهم المئوية لاتتعدى خمساً في المئة في أحسن الظروف. ثم يقولون لنا إننا نعلم الطالب بالإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية حتى يستطيع متابعة الركب العلمي بعد تخرجه... فأي ركب هذا؟

الاثنين، 17 أغسطس، 2009

جامعاتنا والتصانيف العالمية

منذ أن بدأت التصنيفات العالمية للجامعات بالصدور قبل عدة سنوات والكثير من التربويين العرب يندبون حظهم لعدم ظهور أسماء الجامعات العربية بين أسماء مثل هارفرد وأكسفورد، وكأننا قد اكتشفنا فجأة أن التعليم الجامعي في بلداننا قد انحدر مستواه بشكل مريع. وقد نتج عن ذلك تعالي العديد من الأصوات من قبل المسؤولين وغيرهم مطالبة برفع مستوى جامعاتنا علها تتمكن من دخول تلك التصنيفات ولو ضمن قائمة أفضل خمسمائة جامعة في العالم.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إذا ما كانت المعايير التي تصنف على أساسها الجامعات حول العالم هي ذات المعايير التي يجب تبنيها للحكم على مدى تلبية جامعاتنا لاحتياجاتنا التنموية المحلية. وللإيضاح دعونا ننظر في النقاط التالية:

١- إذا دققنا النظر في معايير تصنيف شانغهاي الشهير مثلا لوجدنا أنها متحيزة لمصلحة العلوم الطبيعية. فعشرون بالمائة من الدرجة المعطاة لكل جامعة مخصصة لمعرفة مدى نجاح هيئة أعضاء التدريس بجامعة ما في نشر أبحاثهم في مجلتي "ساينس" الأمريكية و"نيتشر" البريطانية. وكلتا المجلتين تنشران أبحاثا في العلوم الطبيعية بصورة أساسية. ولكن كما نعرف فإن نهضة الأمم المتأخرة مثلنا تعتمد بشكل رئيسي على الأفكار التي تنبع من علوم الدين والعلوم الاجتماعية والإنسانية. أما حذق العلوم الطبيعية فإنه عادة ما يتم في مرحلة متقدمة من الحضارة تحل بعد النهضة وليس قبلها. ولست أدعو هنا لإهمال العلوم الطبيعية في بلداننا، ولكنني أعتقد أنها لا يجب أن تعطى الأولوية القصوى كسبيل للنهضة والتقدم.

٢- تعتبر البحوث العلمية المنشورة في المجلات العلمية ومدى استشهاد الآخرين بها من أهم المعايير التي تصنف حسبها الجامعات، ولكن المشكلة التي تواجه العديد من الجامعات الموجودة في الدول الغير ناطقة بالإنجليزية هي أن القائمين على تصنيف الجامعات يرفعون إلى درجة العالمية ما هو منشور بالإنجليزية ويتجاهلون ما سواه بغض النظر عن جودته. وإذا ما نظرنا إلى أغلب التصانيف نجد أن الجامعات الأمريكية والبريطانية تسيطر على المراكز الأولى فيها، وقد يكون هذا أمرا مفهوما بالنسبة لأمريكا كمركز ضخم للعلوم، ولكن وجود إحدى عشر جامعة بريطانية مقابل ست جامعات ألمانية وثلاث فرنسية في تصنيف شانغهاي الأخير أمر يتطلب مناقشة دور اللغة في تضخيم دور جامعات الدول الناطقة بالإنجليزية.

٣- تركز أهم التصنيفات العالمية للجامعات على البحث العلمي الذي يقوم به أعضاء هيئة التدريس في كل جامعة، مما يجعل التصنيف متحيزا لصالح الجامعات البحثية على حساب الجامعات التي تركز على التدريس. وإذا نظرنا إلى بلد مثل فرنسا فإننا نجد أن كمية لا يستهان بها من البحوث يتم القيام بها في مراكز البحث وليس في الجامعات كما هو مذكور في هذه الدراسة (صفحة ٣٤). فهل هذا يعني أن التعليم الجامعي في فرنسا ليس جيدا؟

وإذا عدنا إلى جامعاتنا العربية فإننا نجد الكثير منها في وضع مزر بغض النظر عن توفر المال من عدمه، مما لا يؤهلها لاحتلال مراكز متقدمة في أي تصنيف سواء كانت معاييره تراعي الفروقات بين الدول أم لا. وبالتالي فإني هنا لست بصدد تقديم الأعذار لتأخر جامعاتنا وتدني مستواها، ولكن من المهم أن ندرك أن دور جامعتنا ودور العلم بصورة عامة في بلداننا يجب أن يتركز حول خدمة مجتمعاتنا قبل استيفاء شروط التصنيفات كما يحاول البعض أن يفعل.

الخميس، 30 يوليو، 2009

لماذا أنزل القرآن باللغة العربية؟




عثرت خلال بحث على اليوتوب عن مواد تتعلق باللغة العربية على المقطع الموجود أعلاه والذي يتحدث فيه الأستاذ زيد قاسم غزاوي عن الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة العربية. وتتلخص هذه الحكمة في رأي الأستاذ زيد في كون أن القرآن إذا أنزل بلغة أخرى غير العربية لما استطاع أن يحوي ما فيه من معان ودروس على نفس مستوى القرآن العربي. ويضيف الأستاذ زيد أن القرآن الكريم إذا أنزل بلغة أخرى كالإنجليزية لاستلزم ذلك أن يكون القرآن أكبر من حجمه الحالي حتى يؤدي غرضه، وذلك بسبب أنه لا توجد لغة تضاهي العربية في الإيجاز والفصاحة والبيان.

إن المتمعن في كلام الأستاذ زيد لا يسعه إلا أن يستنتج أن الإعجاز اللغوي الكائن في القرآن يرجع لكونه نزل بالعربية، وهذا أمر ليس بصحيح، وذلك لسبب بسيط وهو أن جميع أوجه الإعجاز في القرآن الكريم تعود لكونه منزلا من عند الله لا من عند بني البشر. فالعرب على فصاحتهم لم يتمكنوا من أن يأتوا بكتاب يقترب من فصاحة القرآن وقوة لغته، فما جاء من عند الله لا يمكن أن يساوي ما عند البشر.

وبالتالي فإننا لا يمكننا أن نجعل من تميز العربية على غيرها من اللغات سببا في إنزال القرآن بها. أضف إلى ذلك أن ما قاله الأستاذ زيد عن أن القرآن الكريم لو نزل بالإنجليزية لكان أكبر من حجمه الحالي ليس بحجة يعتد بها، وذلك لذات السبب المذكور أعلاه وهو أن القرآن إعجاز إلهي، والله سبحانه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فإذا أراد الله أن ينزل القرآن بأية لغة وبأي حجم وبأي مستوى من الفصاحة والبيان لاستطاع ذلك، كيف لا وهو القادر على كل شيء. ولكنه جل جلاله أنزله بالعربية لكون الرسالة بدأت على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عز وجل في بادئ الأمر بين قومه من العرب ثم عمت دعوته العديد من الأقطار الغير عربية في حياته وبعد وفاته. فكيف للقرآن أن ينزل بلغة لا يفهمها أول قوم دعوا إلى الإسلام؟

ولذا فإن علينا أن ندرك أن القرآن الكريم هو من ارتقى باللغة العربية وليس العكس. فالعرب على براعتهم في استخدام لغتهم ذهلوا من لغة القرآن، وذلك لأنه كلام الله الذي لا يمكن أن يضاهيه كلام البشر سواء كان بالعربية أو بغيرها من اللغات قديمها وحديثها.

الجمعة، 17 يوليو، 2009

خطورة التبعية على تقدم العلم: تكملة

تحدثت في المقال السابق عن كيف أن التبعية لثقافة بعينها تجبرنا على الدوران في مسار محدد بحيث لا ترى أعيننا من العلوم سوى ما يصدر من تلك الثقافة، مما يضيع علينا فرصة الاستفادة من علوم الثقافات الأخرى وحتى من علومنا. ولكني أريد اليوم الحديث وباختصار عن خطورة التبعية من حيث التضليل الذي يمكن أن تمارسه الثقافة المتبَعة على الثقافة التابعة.

وعلى سبيل المثال فإن الدكتور ريتشارد دول الذي ذكرته في الأسبوع الماضي اتضح بعد وفاته أنه كان يعمل مستشارا لبعض الشركات التي تصنع منتجات كيميائية أشار العديد من العلماء بأنها تضر بالصحة، بينما كان دول يصر على أن تلك المنتجات ليست ذات ضرر بالصحة. وقد صدقه فيما قال الكثيرون ولم يشكك أحد في مصداقيته، كيف لا وهو الرجل الذي ينسب إليه أنه أول من أثبت أن هناك علاقة سببية بين التدخين والسرطان. ولم يكشف المستور إلا بعد أن توفي الرجل وعرف من سجلاته ورسائله أنه كان يعمل مستشارا بأجر لدى الشركات التي كان يدافع عن منتجاتها. فكيف نسلم بصدق كل ما قاله رجل في ذمته قدح؟

وإذا عدنا إلى مسألة التبعية فإنه يجب علينا أن نعي أن التبعية لثقافة بعينها لا تكون في العلم فقط، بل يلزم التبعية للغير انبهارا شديدا بنموذج حياة الآخر وإنتاجه الأدبي والفني بالإضافة إلى التسليم بصحة ما لديه من علم. وحتى يتم كل هذا فإن من الضروري وجود العديد من الهيئات التي تروج لتفوق الدول المتبعة كالمراكز الثقافية ودورات تعليم اللغة والبرامج التلفزيونية. وهذا ما أصبح يسميه البعض في يومنا هذا القوة الناعمة، وهي قوة إغرائية تهيأ شعبا أو أمة ما للانقياد لدولة أو ثقافة معينة دون استخدام الصواريخ والقنابل.

والانبهار بالآخر والإيمان شبه المطلق بعصمته واستحالة التفوق عليه بوعي أو بدون وعي داء قد يصيب الكثير من أفراد أي مجتمع، من كبيرهم وحتى صغيرهم. وخير دليل على ذلك محاولة السادات غزو ليبيا للاستيلاء على نفطها عام ١٩٧٧، وذلك بإيعاز من إسرائيل، إذ ظن السادات أن أمريكا بصفتها حليفة إسرائيل سوف تبارك أو تغض الطرف عن هجومه على ليبيا، وهو ما لم يتم، إذ صدم السادات من ردة فعل أمريكا التي كان يؤمن بها إيمانا عميقا لدرجة أنه طلب منها أن تتكفل بأمنه الشخصي حسب ما ذكره حسن يوسف الشريف نقلا عن هيكل.

وختاما فإن التبعية للغير سواء كانت تسبب في تضييق الأفق كما تبين في المقال السابق أو في تضليل العقول وتغييبها كما رأينا في هذا المقال، فإن عواقبها وخيمة جدا على مجتمعاتنا، حتى وإن لم يتضح ذلك على المدى القصير. ولا يعقل أن يكون التقدم من السهولة بمكان بحيث يتم عن طريق اتباع الآخرين وأخذ علومهم ومعارفهم دون أن يكون لذلك ثمن باهظ يتحتم علينا دفعه. وقد قيل قديما: ما حك جلدك مثل ظفرك، فتول أنت جميع أمرك.

الخميس، 9 يوليو، 2009

خطورة التبعية على تقدم العلم

١- في عام ٢٠٠٥ منح الدكتور ريتشارد دول مناصفة مع الدكتور ريتشارد بيتو جائزة الملك فيصل العالمية في الطب تقديرا لأبحاثها عن الأمراض التي يسببها التدخين. وحسب اللجنة المانحة فإن الرجلين كانا "أول من أثبت بشكل قاطع وجود صلة وثيقة بين التدخين وأمراض الأوعية الدموية والسرطان وغيرها، كما كانت بحوثهما حافزاً للعديد من الدراسات الأخرى بما فيها استخدام الأحياء الجزيئية لإثبات العلاقة السببية بين التدخين والسرطان".

والحق يقال أن الرجلين قاما بالعديد من الأبحاث عن الآثار السلبية للتدخين على الصحة، ولكنهما لم يكونا أول من أثبت أن للتدخين ضررا على الصحة، إذ أن الأطباء الألمان أثبتوا في العهد النازي العلاقة بين التدخين وأمراض كالسرطان وغيره. بينما لم يبدأ ريتشارد دول أبحاثه إلا مع بداية الخمسينات.

٢- إذا سألت أي شخص عن نشأة الإنترنت فإنه سوف يخبرك أنه نشأ في أمريكا. وهذا صحيح، ولكن ما لا يعرفه يعرفه الكثيرون، حتى بعض المتخصصين في علوم الحاسوب، أن الصيغ الأساسية، أو البرتوكولات، التي بني على أساسها الإنترنت بشكله الحالي صممت في فرنسا تحت قيادة عالم يسمى لويس بوزان. وقد تلقف هذه الصيغ عالمان أمريكيان وهما روبرت كان وفنت سرف وطوراها حتى نشأ الإنترنت وأصبح فنت سيرف يعرف بأبي الإنترنت. أما بوزان فأصبح إسما قلما يسمع به حتى طلاب علوم الحاسوب. وإذا راجعت موسوعة ويكيبيديا فإنك تجد السيرة الذاتية لسيرف متوفرة في أربع وعشرين لغة، بينما سيرة بوزان متوفرة في ثلاث لغات فقط.


ولست هنا بصدد أن أبخس الأمريكان أو البريطانيين حقهم أو أن أدافع عن الألمان أو الفرنسيين، ولكني أريد أن أنبه إلى أن التبعية للثقافة الأنجلوساكسونية تجعلنا ندور في فلكها حتى لا نرى العالم إلى بعيون أنجلوأمريكية. ولست هنا أتهم الأمريكان أو البريطانيين بالسطو على أعمال غيرهم، فالدكتور دول أشار في أبحاثه إلى جهود الألمان، وروبرت كان وفنت سرف اعترفا بفضل بوزان. ولكن ما اشتهر أن دول كان أول من أثبت ضرر التدخين على الصحة وأن سيرف هو أبو الإنترنت. والناس يتذكرون ما اشتهر وشاع حتى وإن كان جزئا من الحقيقة لا الحقيقة كلها.

ولذلك يتوجب علينا أن نعي أن التبعية لثقافة بعينها تؤدي إلى أن ما يصلنا عن العلم وعن مصادره يمر بفلتر تلك الثقافة التي نتبعها، مما يعيق تقدم العلم لدينا. وإلا فكيف نفسر منح ريتشارد دول جائزة توصف بالعالمية دون التحقق من مسألة أول من أثبت علاقة التدخين بأمراض خطيرة كالسرطان، وذلك بالرغم من توفر المعلومة التي غابت عن اللجنة المانحة للجائزة باللغة الإنجليزية التي كثيرا ما ندور في فلك الثقافة الحاملة لها (راجع كتاب روبرت بروكتر عن محاربة التدخين في ألمانيا النازية والذي صدر عام ١٩٩٩، أي قبل ستة أعوام من منح دول الجائزة).

٣- إذا سألت أي مثقف عن أول من تحدث عن صراع الحضارات لقال لك أنه صامويل هنتنجتون، وهذا هو السائد والشائع في العالم وحتى بين العرب بالرغم أن المفكر المغربي المهدي المنجرة كان أول من تحدث عن الموضوع في كتابه الحرب الحضارية الأولى، وبالرغم أن هنتنجتون ذكر في كتابه كتاب المنجرة عن صراع الحضارات. فهل يجب للمعرفة أن تكتب في هارفارد حتى تصبح ذات قيمة؟

والقضية هنا لست سباقا أو لهثا وراء شرف أو لقب من قبيل أننا أول من اخترع كذا وكذا، ولكن كتاب المنجرة يختلف من حيث الطرح عن كتاب هنتنجتون، فلكل منهجه في معالجة الموضوع. فالمنجرة يركز على أهمية الحوار في الحد من صراع الحضارات، بينما يرى هنتنجتون أن الثقافات الغير غربية سوف تكون مصدر صراع الحضارات. فلماذا ندور في فلك من يرى أننا أحد الأسباب الرئيسية لصراع لا مفر منه ولا نلقي بالا لكتاب المنجرة الذي يقدم أطروحات مختلفة؟

وفي الختام فإنه ينبغي أن نعلم أن التبعية للغرب أو لجزء منه كأمريكا تعيق نهضتنا العلمية وتحجب أبصارنا عن علوم الثقافات الأخرى وحتى عن علومنا كما رأينا في حالة المنجرة. والسبب في هذا ليس فقط الاستعمار الفكري الذي يمارسه ضدنا الغير، وإنما أيضا تبجيلنا للآخرين وانقيادنا لهم، وهو ما سماه مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة القابلية للاستعمار. فالداء فينا قبل أن يكون في الغير، فهل نعي ذلك؟

الثلاثاء، 30 يونيو، 2009

ثقافات الآخرين عائقا للتقدم

جلست بالأمس مع أحد الأصدقاء نتناقش حول مشكلة يواجهها، وهي أن صديقي يدرس اللغة الإنجليزية في معهد لغات تابع لجامعة إسلامية، والمشكلة أنه يريد ترك ذلك المعهد لأنه يركز كثيرا على قواعد اللغة دون الاهتمام بالمحادثة، ولكنه يخشى أن يذهب إلى معهد آخر فيه بعض الممارسات التي لا يريد بصفته رجلا ملتزما بالدين القيام بها.

حاولت إقناع صديقي بالقول أنني شخصيا لا أمانع في أن أشاهد فيلما أو استمع إلى أغنية في سبيل أن أتعلم لغة أجنبية، وذلك لأنني أصلا استمع إلى الأغاني وأشاهد الأفلام. أما الممارسات الأخرى التي قد يقوم بها أحدهم أو إحداهن في الفصل فإني لست ملزما بالمشاركة فيها طالما أنها لا تتفق مع عقيدتي وأخلاقي، حتى وإن صنف تصرفي هذا من قبل المبشرين بالتعايش ودعاة الانبطاح على أنه انغلاق وتحجر.

وبعد الكثيرمن النقاش والتفكير تولدت لدي قناعة أن المشكلة أكبر بكثير من قبلة عابرة رأينا مثلها واستنكرناها في العديد من الأفلام العربية أو من جسد عار في فيلم هوليودي. ومن دون أن نهون من أثر ذلك العهر الغربي وحرمته، فإنه يجب علينا أن ندرك أن المعضلة التي تواجه العديد من مستهلكي الثقافة الأمريكية من أبناء جلدتنا هي أن تلك الثقافة مختلفة اختلافا جذريا عن ثقافتنا العربية، فالقضية ثقافية ودينية في آن واحد، خصوصا أن ديننا الحنيف ليس مجرد شعائر وإنما منهاج حياة. وبعض أفلام هوليود يمكن اعتبارها خالية من المشاهد الجارحة، ولكن نمط الحياة الذي تصوره لا يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا ولا روح الثقافة الإسلامية العربية بغض النظر عن خلوها من مشاهد العري.

وإذا أخذنا الحب مثالا على الاختلافات الجذرية بيننا وبين أمريكا فإننا نرى مثلا في الأفلام الأمريكية أن ممارسة الجنس بين حبيبين غير متزوجين يقوي علاقة الحب بينهما، بينما ترى المجتمعات العربية في أغلب الحالات أن الرجل لا يمكن أن يثق بامرأة ويتزوجها بعد أن فرطت في جسدها. ففي هذه الحالة نرى أن ممارسة الجنس تقوي علاقة الحب قبل الزواج في مجتمع وتنهي تلك العلاقة في مجتمع آخر.

ومما قد ينتج عن المشاهدة المتكررة لأفلام هوليود أن بعضا من الناس يقع في نفوسهم شبه اعتقاد أن الحب شيء سيئ، وذلك لأنهم يربطونه بالحب على الطريقة الأمريكية، وهو ما لا يريدونه. ولذلك تجد بعضهم يستفتي علماء الدين متسائلا عن حكم الحب. وتجد البعض الآخر يبتعد عن الحب تماما ولسان حاله "حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه".

ويجادل البعض أن علينا أن نقلد الغرب في أخلاقهم الحسنة، وهم بذلك يتناسون أن الأخلاق الحسنة ليست ملكا لأحد. فهل الانضباط في العمل خلق أمريكي؟ أم ألماني؟ أم ياباني؟ والحق أن الكثير من الأخلاق الحسنة معروفة لدى الكثير من الشعوب، ولكن النية الكامنة وراء الالتزام بها وطريقة تطبيقها وترتيبها حسب العقيدة والأولوية وطبيعة كل مجتمع هو ما يميز حضارة عن أخرى. وبالنسبة لنا فإن الأخلاق الحسنة يجب أن تكون مستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف ومرتكزة على الحاكمية لشرع الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أبدا استيرادها من الغرب أو اليابان أو الصين كما يود البعض أن يفعل بدعوى أن أننا إخوة في الإنسانية وكل الأديان تؤدي إلى الطريق القويم وما إلى ذلك من مكرورات التغريبيين المكشوفة التي تهدف إلى تذويبنا في ثقافة الغرب.

وعليه فإن علينا أن ندرك أن نمط الحياة الأمريكي أو الغربي بصورة عامة ليس الطريق الوحيد نحو التقدم، وهو بالتأكيد ليس طريقنا نحن للتقدم. وقد تطورت أوروبا عن طريق الثورة على السلطة الكنسية والملكية، بينما تتقدم العديد من الدول الآسيوية عن طريق الطاعة التي كثيرا ما تكون عمياء للقادة، وسوف تنهض أمتنا إن شاء الله باختيار طريق الأصالة والعودة إلى جذورنا، فحذار من أن نترك الثقافات الأخرى تعبث بعقولنا وتزيد من تخلفنا بينما نحن نظن واهمين أنها تهدينا سبل النجاح.

الأربعاء، 24 يونيو، 2009

عالم العربية الفسيح

عندما يتحدث المتخصصون في شؤون اللغة العربية عنها فإنهم كثيرا ما يمتدحون خصائصها اللغوية مثل الاشتقاق والنحت والتركيب ومثل قواعها الدقيقة التي تساهم في تحديد معنى ودلالات الجمل ومثل عدد مفرداتها الضخم. ولكن كل هذه الخصائص سمات داخلية للغة العربية تميزها عن غيرها من اللغات دون أن تكون العامل الرئيسي في نشرها أو فرضها. أما المقومات الأساسية التي تميز لغة عن أخرى فإنها في أغلب الأحيان مرتبطة بالوزن السياسي والاقتصادي والعسكري وبالموقع الجغرافي والإرث التاريخي وبالناتج العلمي والفكري للمتحدثين بتلك اللغة، إلى غير ذلك من المقومات. وليس شرطا أن تتوفر كل هذه المقومات حتى تصبح لغة ما ذات قيمة، إذ يكفي أن يكون بعضها موجوداً للتمكين للغة ما حسب الظروف.

واللغة العربية اليوم ينقصها بعض من المقومات المذكورة أعلاه، ولكننا إذا نظرنا إلى العالم العربي لوجدنا أن عدد الناطقين بالعربية من أهم العوامل التي يمكن أن تساعد في التمكين لها، فعدد المتحدثين بها كلغة أم يقارب الثلاثمائة مليون نسمة موزعون على مساحة شاسعة من الأرض تمتد من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي. ويشكل هذا العدد أحد العوامل الرئيسية التي تجعل من اللغة العربية واحدة من اللغات العشر الأوائل على مستوى العالم، وذلك بغض النظر عن المعايير المستخدمة في تحديد أهمية كل لغة.

ويعتبر عدد الناطقين بالعربية عاملا مهما في فرض الحد الأدنى من التعريب في الدول العربية، وذلك لأن ذلك العدد الضخم يمنح أي منتج يحتوي على جانب لغوي سوقا واسعة تزيد من فرصة انتشاره. ولقد شاهدنا في التاريخ الحديث أدلة على ذلك، فدول الخليج استعانت وما زالت تستعين بأساتذة عرب من مصر وغيرها من الدول العربية. وعندما كانت حركة التعريب في أوجها في الجزائر بعد الاستقلال كان هناك دور مهم للدول العربية الأخرى في المساهمة في تعريب الإدارة الجزائرية. وفي عصرنا الحديث نرى كيف أن قناة مثل الجزيرة القطرية تستقطب المشاهدين من جميع الأنحاء. وعندما توفي الأديب السوداني الطيب صالح في هذا العام جرى تأبينه في حفلات أقيمت في العديد من الدول العربية، من عمان إلى موريتانيا.

ومن هنا يجب علينا أن ندرك أن العروبة كما يؤكد محمد جابر الأنصاري ليست أيديولوجيا، وإنما هي واقع حي عشناه في الماضي ونعيشه في الحاضر ويجب أن نستفيد منه في المستقبل. فوحدة اللغة بين أبناء العربية على اختلاف لهجاتهم تشكل طاقة كامنة يجب تفجيرها عن طريق التعريب الشامل لجميع مناحي الحياة، ولا سيما في التعليم العالي بجميع تخصصاته وفي القطاع الاقتصادي. ولوسائل الاتصال في هذا العصر دور مهم جدا في تحقيق ذلك الهدف، إذ أنه من الأولى أن نستغل تلك الوسائل للانفتاح على بعضنا قبل الانفتاح على الآخرين. وأي كتاب مكتوب بالعربية في أي مجال من المجالات يمكن أن يقرأ من قبل عدد كبير من الناطقين بالعربية. فإذا كانت السوق قائمة والزبائن كثر، فلماذا التردد؟

الخميس، 18 يونيو، 2009

حدود التعريب

عندما يتحدث علماء الاجتماع والتاريخ عن النهضة وبناء الحضارة، فإنهم عادة ما يتحدثون عن عدة عوامل وليس عن عامل واحد. وهذا أمر بديهي، إذ أن الأمم لا تتقدم ولا تأسس حضارات إلا إذا توافرت عوامل قد يختلف المنظرون على تحديدها دون أن يختلفوا على تعددها. وقد يقول قائل أن ابن خلدون ركز في مقدمته على أهمية ما أسماه العصبية كعامل رئيسي في بناء الدولة، ولكن هذا لا يعني أنه ليس هناك عوامل أخرى ذكرها ابن خلدون ومؤرخون غيره. وقد تتفاوت تلك العوامل في درجة أهميتها، ولكن لا يمكن لأحدها أن ينفرد بمهمة بناء أية حضارة.

وكما أن هناك عوامل تبعث على تأسيس الحضارات، فإن هناك عوامل تسهم في إعاقة بناء الحضارات. وعوامل التخلف تلك متعددة حالها حال عوامل النهضة. وأحد عوامل التأخر التغريب وتقليد الآخرين الأعمى في الكثير من جوانب حياتهم. ومن ذلك تبني لغاتهم في بعض مجالات الحياة، أي التغريب اللغوي، وهو ما تحاول هذه المدونة تبيان أعراضه، ومحاولة علاجه وإيضاح سبل الوقاية منه.

إن على الجميع أن يدركوا أن التغريب اللغوي أحد أوجه التغريب الذي هو أحد عوامل التخلف، فهو جزء من جزء من كل. ولذلك فإن علينا ألا نتوهم أن التعريب سوف يحل جميع مشاكلنا كما يحاول بعض مناصري التعريب أن يظهروا، وهم لا يقومون بذلك إلا على سبيل المبالغة التي يهدفون من خلالها إلى تنبيه الناس إلى مخاطر التغريب.

وكاتب هذه السطور يحاول من خلال هذه المدونة أن يسهم في مقاومة التغريب اللغوي الذي هو جزء من التغريب ككل والذي هو واحد من عوامل التخلف كما ذكرت، وتختص المدونة بذلك الجزء دون غيره لا لشيء إلا لأن صاحبها متخصص في علوم اللغة ولا ليس من الحكمة أن يدس أنفه في مناقشة علوم ومجالات أخرى لا يعرف عنها إلا القشور، اللهم إلا فيما اتصل من تلك العلوم بعلوم اللغة.

والهدف من كل ما أوردت آنفا هو التنبيه على أن التعريب وحده لن يبني لنا حضارة، والأمثلة على الدول المتخلفة بالرغم من تمسكها بلغاتها كثيرة في الماضي والحاضر. فالتعريب ليس إلا إزالة لعامل من عوامل التخلف، أي أنه ليس التقدم بحد ذاته. فهو ليس سوى إعادة للأمور إلى نصابها وتوضيح لعدم جدوى التغريب، فمن الطبيعي أن تسود اللغة العربية في البلاد العربية. وجعل الأمور طبيعية ليس تقدما، ولكن السعي إلى ذلك كثيرا ما يكون محاولة للخروج من مستنقع التخلف، أي أنه محاولة للوصول إلى نقطة البداية نحو بناء الحضارة.

والخلاصة أن التعريب بمفرده غالبا لن يقدم، ولكن التغريب حتما يأخر.

الأحد، 7 يونيو، 2009

الاستعمار اللغوي وتهجير العقول

في عام ٢٠٠٦ أصدرت فرنسا قانونا جديدا للهجرة يشجع ذوي الكفاءات على القدوم إلى فرنسا والعمل فيها، مما حدا ببعض الدول الأفريقية إلى الاعتراض على هذا القانون باعتبارأنه سوف يؤدي إلى تهجير أفضل الخريجين الأفارقة إلى فرنسا بالرغم من حاجة بلدانهم الماسة إليهم. وقد انتقد الرئيس السنغالي القانون الفرنسي قائلا: "سأكون في بلدي كوادر لتطوير الاقتصاد الفرنسي، إن ذلك لأمر عبثي". فما الصلة بين قانون تصدره فرنسا على الصعيد المحلي ورد فعل دولة مثل السنغال؟

الجواب يكمن في اللغة الفرنسية التي تستخدمها السنغال والعديد من الدول الأفريقية الفرنكفونية في التعليم. والحال ينطبق أيضا على الدول التي تستخدم اللغة الإنجليزية كلغة تدريس. ويلخص أحد الكتاب الغانيين المشكلة بقوله: "إنه لمن السذاجة أن نطالب خريجينا وعلمائنا بالبقاء في بلدنا الفقير إذا كنا نلقنهم علوما لا يمكن تطبيقها إلا في الخارج".

هنا يتضح لنا جليا أحد أخطار التعليم باللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية واللتان تستخدمان في دول يفصلها عنا نحن أبناء البلاد العربية بون شاسع من ناحية التطور. فاستخدام تلك اللغات يسمح لدول مثل فرنسا وأمريكا أن تنتقي أفضل الطلاب الذين درسوا أحدث العلوم التي يصعب تطبيقها في بلادنا المتخلفة، إذ أن هؤلاء الطلاب يدخلون ما يكمن وصفه بالتصفيات التي يتنافسون فيها على حذق ما يصفه كثير من معارضي التعريب بأحدث ما وصل إليه العلم الحديث، فما إن يفرغوا من ذلك فإنهم يجدون أن دولهم ليس بها مجال لتطبيق أحدث العلوم، فيهاجرون وهم الصفوة إلى الخارج غير ملومين مخلفين ورائهم زملائهم من ذوي المستوى الضعيف أو المتوسط. وقد يبقى البعض من تلك الصفوة في بلده، ولكن فؤاده وحياته كثيرا ما يكونان متعلقين ببلد اللغة التي درس بها علومه، فيكون الجسد في واد والعقل والقلب في واد آخر. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة ازدياد الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لا تضييقها كما يدعي معارضو التعريب.

ولا أزعم هنا أن اللغة هي العامل الوحيد الذي يؤدي إلى تهجير العقول، ولكنها أحد أهم أدوات الغزو الثقافي الذي تساهم فيه مراكز مثل المجلس الثقافي البريطاني ومنظمات كالفرنكفونية. وذلك لأن إتقاننا للغة أجنبية يمكننا من التعرف على الدولة أو الدول المتحدثة بها دون حجاب الترجمة أو مقص الرقيب، فيكون الانبهار بالآخر وتمجيد إنجازاته في أوجهما، ويقع في النفس شبه يقين أننا لا طاقة لنا بمثل تلك الإنجازات، فنقعد ونتكاسل أو نجتهد لنهاجر.

ولذا فإن التعريب الشامل للحياة العامة والتعليم والتعاملات التجارية، وخصوصا المحلية منها، سوف يحد من الاستعمار اللغوي الذي يساهم في تهجير أفضل طلاب العلم والعلماء لدينا إلى دول تمر بمرحلة حضارية تفرز احتياجات وتطبيقات علمية ليست ذات صلة بالمرحلة التي نحن فيها أبناء العربية في هذا العصر. فحري بنا أن نحدد احتياجاتنا ومن ثم نعمل على تلبيتها بالعلوم التي تخدمنا أولا قبل أن تخدم غيرنا.

الخميس، 28 مايو، 2009

اللغة ودورها في تحديد أولويات التنمية

من المعروف لدى أخصاء التربية أن العلوم الإنسانية والأدبية عادة ما ترتبط بالمجتمعات التي تنشأ فيها، ولذا فإنها من الصعب أن تنقل من حضارة إلى أخرى دون أن يظهر عدم ملائمتها للحضارة المستوردة. وقد سجل التاريخ الآثار السلبية التي تركتها الفلسفة اليونانية على فكر الكثير من بعض المسلمين في عصور الإسلام الأولى، كما نعلم جيدا أن المفاهيم الحديثة المستوردة من الغرب مثل الاشتراكية والحداثة وما بعد الحداثة لا تزال غير مستساغة عندنا لأنها لا تناسب في مجملها طبيعة مجتمعاتنا. ولذا فإننا نجد أن العلوم الإنسانية والأدبية في عصرنا هذا معربة في أغلبها في الدول العربية، إذ أنها غالبا ما تدرس بالعربية، وإن لم تخلو من الكثير من النظريات الغربية التي يظهر عدم ملائمتها لمجتمعاتنا عند قراءتها باللغة العربية.

أما بالنسبة للعلوم الطبيعية، وهي محور هذا المقال، فإن جلها مرتبط بقوانين ثابتة يكمن تعميمها على كل بلاد المعمورة، فالجاذبية قانون لا يتغير بتغير المكان، والعناصر المكونة للهواء هي ذاتها سواء في الشرق أم في الغرب.ولذا فإن الكثيرين يظنون أن العلوم الطبيعية يمكن تلقيها بأية لغة، طالما أن الدراس لها يتقن اللغة المستخدمة في تدريسها سواء كانت لغته الأم أم لغة أجنبية.

إن نظرة مثل تلك المذكورة أعلاه فيها شيء من الصحة من الناحية النظرية، ولكن الثابت أن هناك العديد من الصعوبات التي تحول بيننا وبين جني فائدة استخدام اللغات الأجنبية في تدريس العلوم الطبيعية. ومن تلك الصعوبات أن أغلبنا لا يمكنه أن يتقن لغة كالإنجليزية أو الفرنسية كإتقانه للعربية، مما يؤدي إلى صعوبة في الفهم وعدم رغبة في الاطلاع على ما هو غير مقرر. ناهيك أن الاعتقاد بأن العلوم الطبيعية ليست لها صلة بثقافة المجتمعات التي تنشأ فيها أمر يصعب تصديقه، وما دارون عنكم ببعيد.

لكن إحدى أهم المشاكل التي تنشأ جراء التدريس بلغات أجنبية في بلادنا العربية هي تلك المشاكل المتعلقة بأولويات التنمية في بلادنا العربية. فاستخدام لغة مثل الإنجليزية لغة لتدريس الطب والهندسة في الكثير من الدول العربية يستلزم استعمال مراجع مستوردة من أمريكا وبريطانيا يقول الكثيرون أنها تحتوي على أحدث النظريات والتطبيقات. وبعد أن ينتهي طالب العلم من اكتساب العلوم الكائنة بتلك الكتب، إن أسعفته إنجليزيته إلى ذلك، فإنه من المفترض أن يستخدم العلم الذي اكتسبه في تنمية بلاده عن طريق البحث العلمي. وهنا تزداد المشكلة تعقيدا، إذ أن أولويات البحث العلمي تختلف من بلد لآخر، فدولة مثل أمريكا تطور عقاقير لمكافحة السمنة والشيخوخة، بينما يعاني بلد مثل السودان من أمراض كالملاريا والسحائي. وقد يطور بلد مثل سويسرا أو اليابان أدوية لعلاج الملاريا في السودان أو غيره من الدول الأفريقية، ولكن فقر تلك الدول يجعل مسألة جني أرباح من تسويق تلك الأدوية أمرا صعب المنال، مما يجعل الدول الغنية تحجم عن الإنفاق السخي على تطوير مثل تلك العقاقير.

ويعرف الكثير من العاملين في المجال الأكاديمي أنه يجب على من يريد أن ينشر بحثا في مجلة علمية أمريكية ذات مكانة رفيعة أن تكون مواضيع بحثه موافقة لاهتمامات تلك المجلة حتى وإن لم تكن تلك المواضيع ذات صلة بمشاكل بلد الباحث الأجنبي. وكثير من المجلات العلمية المرموقة يسيطر عليها مجموعة من الباحثين الغربين الذين ينتمون لمدارس فكرية معينة لا تسمح بالاختلاف إلى في حدود معينة، وهذه قاعدة غير مكتوبة ولكنها مفهومة ضمنيا. ولذا فإننا نجد بعض الباحثين مضطرين لمسايرة أجندة تلك المجلات علهم يستطعون نشر أبحاثهم والحصول على ترقية أو دعوة للتدريس في إحدى الجامعات بالخارج.

إن تعريب العلوم الطبيعية في بلادنا العربية تعريبا شاملا لن يؤدي في الغالب إلى تغيير قوانين الطبيعة، ولكنه حتما سوف يساعد على التركيز على أولويات التنمية لدينا. فمن تعلم بالإنجليزية أو الفرنسية غالبا ما سوف يكون مرتبطا بما كتب بهما، مما يؤدي إلى جعل اهتماماته تتمحور حول قضايا الغير دون قضاياه، وإلى البحث عن حلول لمشاكله عند الآخرين حتى وإن لم تكن تلك الحلول مناسبة، وخصوصا إذا كان منبهرا بالغرب، وما أكثر هؤلاء.

وباختصار فإن تعريب العلوم الطبيعة سوف يجعل الطالب والأستاذ والباحث العربي مرتبطا بصورة أكبر بهموم ومشاكل بلده، مما سوف يشكل حافزا أكبر لحل تلك المشاكل، ولو بعد حين.

الجمعة، 22 مايو، 2009

لغة الله!!

في إحدى المرات كنت مع أحد الأصدقاء نتنقل بين قنوات الإذاعة في ماليزيا علنا نجد شيئا يستحق الإنصات، فإذا بنا نجد برنامجا في إحدى القنوات ذات الطابع الديني عن اللغة العربية. وكان مقدم البرنامج يتحدث عن فضل اللغة العربية ويستقبل اتصالات من بعض الماليزيين الناطقين بها، والذين كانوا يجتهدون في الإجابة على سؤال طرحه مقدم البرنامج وهو: لماذا نتعلم اللغة العربية؟ وكانت الإجابات تصب في معظمها في الإطار الديني للغة العربية، فهي وكما أكد الكثير من المستمعين لغة القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام ولا يتأتى فهم الدين فهما عميقا بدونها. وبينما نحن نستمع إلى البرنامج إذ اتصلت إحداهن وقالت أنه يجب تعلم العربية لأنها لغة الله!

فهل لله جل جلاله لغة خاصة؟ أليس هو تعالى بكل شيء محيط؟ أليس العالم بالعربية هو ذاته خالق كل ما في الكون من لغات وكائنات وأشياء؟ بأي لسان كلم الله موسى عليه السلام؟

لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نتهم المستمعة الماليزية بالجهل أو بأية تهمة أخرى، فهي من فرط حبها للعربية ظنت أنها أنها لغة الله عز وجل. وهي بذلك لا تختلف عن العديد من المسلمين، وخصوصا من غير العرب. ولكن ماذا عن لغة الله سبحانه وتعالى؟ من خلال بحث بسيط على الانترنت وجدت مقالا لأحد الأساتذة الأجلاء العرب بعنوان "العربية لسان الله تعالى، نزَّل بها آدم عليه السلام"، وفيه يؤكد الكاتب أن العربية لغة الله ولغة الأنبياء الأول، وهي بذلك حتما أصل اللغات جميعا.

قد يختلف أحدهم أو يتفق مع بعض الآراء التي تقول أن العربية أول وأفضل اللغات، وأقدرها على التعبير وأكملها من حيث المعاني والتراكيب والأصوات، وكل تلك الفرضيات قابلة للتأكيد أو التفنيد أو التصحيح حسب الأدلة والشواهد التاريخية والدراسات التي تعنى بمقارنة اللغات. ولكن الثابت أن كل هذه الأقوال سواء ثبتت صحتها أم لم تثبث تعطي مفعولا عكسيا. فبدلا من استنهاض الهمم وتقوية العزائم تؤدي تلك الأقوال إلى اتخاذ أبناء العربية السكون والركون ظهيرا لهم، فلا يكلفون أنفسهم عناء الدفاع عن العربية ولا دعمها ولا التمكين لها، ظنا منهم أن العربية لغة خارقة ذات قوة إعجازية لا تحتاج إلى بشر ينافحون عنها!!

إن الهدف الأصلي من الكتابات التي تقول بقوة العربية من الناحية اللغوية وتفوقها من تلك الناحية على باقي اللغات وفضلها المرتبط بالإسلام هو إعطاء عرب اليوم ثقة بالنفس ودفعة معنوية تجعلهم يقدرون لغتهم ويدافعون عنها، ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو أننا حين نقرأ تلك الكتابات يصيبنا شعور بالتراخي والخمول ولسان حالنا: إن للعربية رب يحميها.

إن على المدافعين عن اللغة العربية والداعين إلى إعطائها حقها الطبيعي في مجتمعاتنا أن يستخدموا العقل والمنطق والمنهج التجريبي في بيان أهمية التمكين لها، وأن يتركوا ولو لحين الأقوال التي تقول بتفوقها الذاتي، فاللغة لا تعلو بدون علو أصحابها وأصحابها لن يرفعوا من شأنها إلا إذا فهموا أهميتها في حياتهم من حيث أنها لغتهم الأم ويجب عليهم أن يطوروها سواء كانت لغة القرآن او لغة الشيطان. وكما يقول الدكتور حسام الخطيب فإنه "حتى لو كانت اللغة العربية -على سبيل الافتراض- أقل غنى في بعض النواحي وأرقى مقدرة في نواحٍ أخرى، فهي أولاً وآخراً لغتنا، وهي نحن ونحن هي، وعلينا أن نتمسك بها دون مراء أو مفاضلة أو مقارنة بغيرها، ذلك أن اللغات أشبه بالأوطان فلا تعار ولا تستبدل."

الخميس، 14 مايو، 2009

التشبه اللغوي

عندما يتحدث البعض عن تأثير لغات كالإنجليزية والفرنسية على اللغة العربية وما ينتج عن ذلك من لغات هجينة كالعربيزي والعرنسية يسارع كثير من المعلقين والمحللين إلى الاستشهاد بما ذكره ابن خلدون عن تشبه الغالب بالمغلوب إذ يقول:

"إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها وصار اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء. أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، إنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب، تغالط أيضاً بذلك عن الغلب".

إن المتأمل لكلام ابن خلدون يمكنه أن يرى بوضوح أن تشبهنا بغيرنا لن يساهم في انتشالنا من حالة التخلف التي نعاني منه على مختلف الأصعدة، وذلك لأن أسباب النهوض والتقدم لا صلة لها بشكل المنتصر أو أزيائه أو لغته بقدر ما هي مرتبطة بعوامل أخرى مثل الأخلاق الحميدة والقيادة الحكيمة والانضباط والقدرة على التجديد والإبداع إلى غير ذلك من عوامل صعود الحضارات وتقدمها.

وإذا عدنا إلى موضوع اللغة فإننا نلاحظ أن التشبه اللغوي بالغير، بعكس العديد من ضروب التشبه الأخرى، أمر يصعب إتقانه، وذلك لأن اللغة بطبيعتها بحر واسع من التراكيب النحوية والدلالات اللفظية والمخارج الصوتية التي يندر أن يتمكن شخص بالغ من اكتسابها بدرجة يتساوى فيها مع من يتحدثها منذ الصغر. والخلاصة هنا أن فشل التشبه اللغوي أمر يكاد يكون حتميا إلا في بعض الحالات الشاذة التي لا يمكن تعميمها.

ويحضرني هنا مثال على فشل التشبه اللغوي عند العرب، ففي حوار تلفزيوني مع أحد المسؤولين العرب سأل المحاور ضيفه عن تقييمه لأداء وزارته، فأجاب المسؤول بأن الأداء كان
susfying
وهي كلمة على حد علمي لا توجد في اللغة الإنجليزية، إذ كان ما قصده
satisfying
أي أن أداء وزارته كان مرضيا. وتلك هي إحدى عواقب التشبه اللغوي.

من المهم إذن أن ندرك أنه من اليسير نسبيا أن نلبس ونقص شعورنا مثل الأمريكان حتى نصبح نسخا مطابقة لهم. أما أن نتشبه بهم لغويا فهذا أمر ينبغى علينا أن نتركه جانبا، لأننا مهما حاولنا أن نجيد التقليد فلن نصل إلى مستوى إنجليزيتهم على نفس النحو الذي لا يمكنهم من بلوغ مستوى إجادتنا للعربية، فالتشبه اللغوي قلما يكون صاصفاينغ.

الأحد، 3 مايو، 2009

في منافع تعلم اللغات الأجنبية

ما فتئت منذ أن أنشئت هذه المدونة أهاجم اللغات الأجنبية وخصوصا اللغة الإنجليزية ودورها في الكثير من الدول العربية وغيرها من دول العالم. ولذا فقد قررت في هذا المقال أن أعدد بعضا من منافع تعلم اللغات الأجنبية، حتى أوضح أن مسألة اللغة ليست على طريقة عادل إمام: يا أبيض يا أسود، أي أنها ليست إما تعريب كامل وانغلاق أو تغريب شامل وانبطاح.

يعتبر الاطلاع على النتاج الفكري والعلمي لدى الأمم الأخرى من أهم ما يمكن أن يحصده المتقن للغة أجنبية، فإجادة لغة أجنبية يتيح لنا الاستفادة من علوم الآخرين والتعرف على التطورات الحاصلة في البلاد الأخرى وقياس مدى تخلفنا أو تقدمنا على تلك البلاد.

كما يمكننا فهم لغات الآخرين من معرفة مجتمعاتهم وأنماط تفكير شعوبهم، وذلك حتى نعرف كيف نتعامل مع الأمم الأخرى وكيف ننظم علاقاتنا السياسية والاقتصادية بطريقة نستطيع بها الحفاظ على حقوقنا عند التعامل معهم.

ويفيد إتقان اللغات الأجنبية أيضا الأفراد الذين يسافرون إلى بلدان أخرى ويريدون التواصل مع أهل تلك الدول دونما الحاجة إلى ترجمان أو وسيط.

وهناك منافع أخرى يجنيها متعلم اللغات الأجنبية مثل زيادة وعيه بتراكيب ومعاني ونطق لغته الأم وغير ذلك من الفوائد. ولكن هناك عدة أسئلة جوهرية يجب أن يتم طرحها قبل اختتام هذا المقال، ألا وهي:

ماذا جنينا جراء تعلمنا اللغات الأجنبية؟

إذا كنا نقرأ، هل نقرأ بتللك اللغات؟ وإذا قرأنا بها، ماذا نقرأ؟ أنقرأ أشياء مفيدة أم عديمة الفائدة أم مضرة؟ هل لدينا القدرة على التمييز بين هذه الأصناف الثلاثة؟

هل نتواصل مع الغير بلغاتهم؟ وإذا كنا نفعل ذلك فمن أجل أي غرض؟ هل نتواصل معهم لفهم مجتمعاتهم وأسباب اختلافها عن مجتمعاتنا؟ هل ندخل غرف الدردشة لديهم للتعرف على ثقافاتهم أم للإيقاع بفتياتهم؟

هل يسافر السائح العربي المتحدث بالإنجليزية أو الفرنسية إلى بريطانيا أو فرنسا لزيارة المتاحف أم المراقص؟ هل يستخدم مهاراته اللغوية لاستكشاف الثقافات أم للبحث عن العاهرات؟

الله أعلم.

السبت، 18 أبريل، 2009

مخدرات لغوية

يعد التحدث بلغات أجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية في البلاد العربية من الوسائل التي يحاول أن يثبت بها البعض أنه على قدر كبير من العلم والثقافة وأنه ابن بطوطة العصر الحالي الذي صال وجال في أنحاء المعمورة، إذ كثيرا ما نشاهد في التلفاز بعض أبناء العربية الذين يتحدثونها مخلوطة بالإنجليزية أو بالفرنسية بقصد أو بدون قصد. ويمكن لنا أن نعتبر هؤلاء الأشخاص جناة ومجنيا عليهم في آن واحد، فهم جناة لأنهم يشوهون اللغة العربية بكلمات لا داعي لها لأن لها نظائر بالعربية، كما أنهم مجني عليهم لأن التغريب والاستعمار الثقافي قد تمكن من عقول الكثير منهم حتى أضحى الفرد منهم لا يقوى على التعبير عما بدواخله دون اللجوء إلى بعض الكلمات والمفاهيم غير العربية. وللأسف فإن الكثير منا متورط في ذلك التشويه اللغوي الذي نتج عن تلقي الكثير منا علومه بلغة أجنبية، وخصوصا في المرحلة الجامعية.

والأدهى والأمر أنك تجد في بلادنا العربية من لا يحسن لغة أجنبية كالإنجليزية ولا يعرف منها إلا القشور ومع ذلك تجد كلامه هجينا لا هو بعربي خالص ولاهو بإنجليزية سليمة. وهذه الفئة الأخيرة تجدها محرجة إذا ما اضطرت إلى التحدث مع شخص لا يعرف العربية، إذ نرى في كثير من الأحيان بعض الأشخاص الذين كنا نظنهم فقهاء في اللغة الإنجليزية بسبب الكلمات الإنجليزية التي يحشرونها في حديثهم بالعربية يتأتئون في حديثهم بالإنجليزية ويرتكبون من الأخطاء ما يندى له الجبين.

إذن لماذا يدخل البعض منا بعض الكلمات الأجنبية في حديثه حتى وإن كان لا يتقن اللغة التي يستجدي منها تلك الكلمات؟

الإجابة تكمن في الإحساس الذي تعطيه تلك الكلمات لمستخدميها، إذ يشعر الكثير منا عندما يستخدم الكلمات الأجنبية أنه متحضر ومتعلم ومثقف حتى وإن لم يكن كذلك. ويمكن لنا أن نعتبر هذا الإحساس الكاذب بالتقدم والتطور بمثابة مخدر لغوي يجعل مدمنه يشعر بالرفعة والتميز الوهميين.

إن استخدامنا اللغة العربية في جميع مناحي الحياة في بلادنا العربية سوف يمكننا من التخلص من تلك المخدرات اللغوية التي تكاد تفكتك بأذهاننا، وذلك لكي نستطيع أن نرى الأمور على حقيقتها دون تزييف ونتمكن من أن نخطو خطوة ولو متواضعة نحو تحديد أسباب تخلفنا الحقيقية والتي لا يمكن لاستخدام القشور من لغات أجنبية مثل الإنجليزية أو الفرنسية إلا أن تزيدها تعقيدا.

الأربعاء، 1 أبريل، 2009

الفرنكوفونية في المغرب: مشكلة محلية لا تحلها إلا العربية

تتعالى بعض الأصوات التي تهاجم تغلغل اللغة الفرنسية في المغرب قائلة أن تفشي استخدام الفرنسية في القطاعين العام والخاص في المغرب مضر بالبلد لأن ذلك يحرم المغاربة من التواصل مع باقي دول العالم التي لا وجود للفرنسية فيها. ولذا فإن تلك الأصوات تنادي بأن تعطي اللغة الإنجليزية حيزا حتى يتمكن المغرب من التواصل مع الغير فرنكوفونيين وحتى يستطيع المغاربة الخروج من فلك الفرنكوفونية الضيق إلى فضاء العالم الرحب. فهل هذه حجة مقنعة للإطاحة بالفرنسية من عرشها الواهي؟

إن مشكلة تغلغل الفرنسية في المغرب مشكلة داخلية أكثر من كونها مشكلة خارجية، وذلك لأن الفرنسية تستخدم في المغرب، على حد علمي، لإنجاز الكثير من المعاملات الداخلية بين أبناء المغرب أنفسهم دون أن يكون أي فرنسي طرفا في تلك التعاملات. فحسب ما شاهدنا في البرنامج الذي بثته الجزيرة عن الفرنكوفونية في المغرب، فإن عددا كبيرا من الوزارات المغربية تتعامل مع المواطنيين بالفرنسية والتي لا يجيدها إلا عدد بسيط من مجموع سكان البلد.

وبما أن الفرنسية تزاحم اللغة العربية في مجالات يفترض ألا يستخدم فيها غير العربية بحكم أنها اللغة التي يجيدها غالبية المغاربة سواء كانوا عربا أم أمازيغا، فإن تحطيم قيود الفرنكوفونية في المغرب يكمن في فرض اللغة العربية وتمكينها من ملء أي فراغ لغوي على المستوى المحلي. أما من ينادي بإعطاء اللغة الإنجليزية حيزا بدلا من الفرنسية فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار، لأن تفشي الفرنسية في المغرب مشكلة محلية لا خارحية كما ورد آنفا، ولأن الإنجليزية أشد خطورة على العربية من الفرنسية، وهي لغة يعاني من تسلطها المشارقة الأمرين.

ولذلك فإن على المدافعين عن إحلال اللغة العربية محل الفرنسية في المغرب أن ينتبهوا من تبني أي حجة لا تصب في نهاية الأمر في خدمة اللغة العربية، وذلك حتى لا نخرج من فخ الفرنسية إلى بئر الإنجليزية الذي لا قرار له.

الأحد، 22 مارس، 2009

متى نتعلم لغة أجنبية؟

قرأت منذ فترة دراسة عن تدريس اللغة الإنجليزية في المملكة العربية السعودية للباحث عبد الله بن سالم الشمري لفت نظري فيها ما أورده الكاتب من عدة حقائق، والتي من أهمها أن الطالب يبدأ بتعلم اللغة الإنجليزية في المرحلة المتوسطة وحتى المرحلة الثانوية، أي لمدة ستة أعوام. ثم يعيد الطالب تعلمها في الجامعة وذلك لأن أغلب ما درسه من لغة إنجليزية في المدرسة يكون قد ذهب أدراج الرياح. ولهذا يتسائل الكاتب عن جدوى تدريس اللغة الإنجليزية لمدة ست سنين إذا كان غالبية الطلاب ينهون دراستهم الثانوية وهم لا يفقهون شيئا من تلك اللغة لدرجة أنهم يحتاجون أن يتعلمونها من جديد.

قد يتكرر السيناريو المذكور أعلاه في الكثير من الدول العربية، ولذا فإن علينا أن نتسائل عن جدوى تدريس اللغات الأجنبية في المدارس، وخصوصا في المرحلة الإبتدائية. وقد يقول البعض أن الطفل يتمكن بطبعه من تعلم أي لغة وإتقانها إذا تلقاها في سن مبكرة، ولذلك وجب تدريسه اللغة الأجنبية مبكرا، وهذا قول فيه لبس كبير، إذ أن الطفل مجبول على تعلم أي لغة وإتقانها إذا كان يعيش في محيط تستخدم فيه تلك اللغة استخداما طبيعيا كما يحدث مع اللغة الأم. أما تدريس اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأجنبية فإنه يتم في الغالب في محيط لا يتعدى في أحسن الأحوال جدران الفصل وبطريقة تختلف اختلافا كليا عن الطريقة التي يتعلم بها الطفل أي لغة تعلما مباشرا من المحيط المستخدمة فيه.

إذن، يتضح لنا أن تدريس اللغات الأجنبية في أغلب البلاد العربية يجب أن يؤخر إلى مرحلة ما بعد المدرسة، حيث يجب أن يدرسها من يحتاجها بالفعل ومن سيستخدمها استخداما فعالا ومكثفا بمجرد أن يتعلم أساسياتها. أما من لا حاجة له بلغة أجنبية فإن من الظلم فرضها عليه وإضاعة وقته ومجهوده في تعلم ما لن يستفيد منه. ولكي يتم ذلك يجب على الدول العربية ان تهتم بالتعريب في كل المجالات، وخصوصا التعليم الجامعي والقطاع الخاص، حتى يستطيع الإنسان العادي أن يحيا حياة عادية دون الحاجة إلى استعمال لغة أجنبية.

وهنا يحضرني خبر قرأته عن إحدى الجامعات الحديثة في السعودية والتي أرادت أن توظف مدرسين ومحاضرين في مواد الشريعة وعلوم اللغة العربية مشترطة على الراغبين بالتقديم على تلك الوظائف إتقان اللغة الإنجليزية. فما حاجة مدرس أو محاضر في المواد الشرعية بلغة الأنجلوساكسون؟ ولماذا يجب على شخص سيدرس علوم اللغة العربية في بلد عربي أن يتقن اللغة الإنجليزية؟ الله أعلم.

الثلاثاء، 10 مارس، 2009

التعريب والعلوم الطبيعية

جلست في إحدى المرات مع أحد أصدقائي وأخذنا نتناقش في مسألة التعريب والعوائق التي يمكن أن تواجهنا إذا أردنا أن نقوم بها، حيث أوضح صديقي أن تعريب العلوم الإنسانية والآداب أمر سهل لأن تلك العلوم مرتبطة بثقافاتنا وتعنى بأمور تخص مجتمعاتنا. وقد أيدت ما قاله مؤكدا له بأن تلك العلوم، على حد علمي، يتم تدريسها بالعربية في أغلب الدول العربية. ولكن عندها أشار صديقي إلى أن تعريب العلوم الطبيعية من رياضيات وهندسة وطب وعلوم الحاسب الآلي أمر صعب لأن تلك العلوم في الغالب ليست مرتبطة بثقافة معينة، فما يسري على الهندسة في الغرب يسري على الهندسة في الشرق، والفرق الوحيد هو أننا متخلفون عن الدول الرائدة في تلك المجالات بعشرات لا بل بمئات الأعوام. ولهذا السبب فإنه لا مفر من تعلم العلوم الطبيعية باللغات الأجنبية حتى نتمكن من اللحاق بركب الدول المتطورة. فهل هذه سياسة حكيمة؟ هل صحيح اننا لا يمكن ان نتعلم تلك العلوم بالعربية؟

أولا علينا أن ندرك أن التدريس بالعربية لا يعني بالضرورة نبذ اللغات الأجنبية والعلم الذي يكتب بها، حيث يمكننا أن نعلم ونتعلم بالعربية ونقرأ أيضا كتبا بالإنجليزية والألمانية والروسية واليابانية، فلا يجب ان يكون التدريس بالعربية وتعلم اللغات الأجنبية والاستفادة منها أمرين متنافرين، إذ يمكن الجمع بينهما لمن أراد ذلك.

أما ثانيا فإنه ينبغي علينا أن ندرك أن تعريب العلوم الطبيعية أمر ليس بالمستحيل، وذلك لأننا إذا أمعنا النظر في تلك العلوم وجدناها تتكون من جزئين، أولهما نظريات ثابتة نسبيا يسهل تعريبها نظرا لإمكانية حصرها. أما الجزء الآخر من تلك العلوم فهو الجزء التطبيقي وهو الجزء الأكبر والذي يصعب بالفعل ترجمة وتعريب كل ما كتب فيه بسبب كثرة تطبيقات العلوم الطبيعية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نحتاج بالفعل إلى ترجمة كل الأعمال التي وضعت في تطبيقات العلوم الطبيعية؟ هل نحن في حاجة لترجمة جميع ما كتب عن الآلة الكاتبة في عصر الحاسوب؟ ما فائدة معرفة كل ما كتب عن التلغراف في عصر النت والهاتف المحمول؟

إن أي نهضة علمية ننشدها في مجال العلوم الطبيعية تسلتزم أن نعرب النظريات الأساسية في تلك العلوم بالإضافة إلى آخر ما توصل إليه الآخرون من تطبيقات ومن ثم محاولة تطويرها. ومن المهم أيضا ان نعي حقيقة أننا لا نحتاج إلى تعريب كل تلك التطبيقات، إذ يجب علينا أن ننتقي ما يناسبنا ويناسب احتياجاتنا ومن ثم نقوم بتعريبه. وبهذا يتضح لنا أن ما ينبغي علينا تعريبه من العلوم الطبيعية أقل بكثير مما يتوهمه البعض الذين دفعهم اليأس والروح الانهزامية إلى رؤية المعوقات دون الحلول.

وفي الختام فإنه حري بنا أن نكون مدركين لحقيقة مهمة جدا، ألا وهي أن التدريس بالعربية في بلادنا يجب أن يكون أمرا واقعا انطلاقا من حقيقة أن الطالب يتلقى العلم بلغته الأم أفضل بكثير من تلقيه لها بلغة أجنبية لا يمكن أن يحسنها كإحسانه للغته الأم. وللمعلومية فإن أغلب البلدان على وجه المعمورة تدرس العلوم بلغاتها المحلية، وهي سمة غالبة على الدول المتقدمة التي نحلم أن نكون مثلها، فلماذا لا نقلدهم في ذلك؟!

الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

التعريب وإشكالية الترجمة

يعتبر بعض المعارضين لاستخدام اللغة العربية في مراحل التعليم العليا في الدول العربية أن معضلة الترجمة هي أكبر عائق يحول بيننا وبين تعريب التعليم الجامعي في البلاد العربية، حيث عادة ما يؤكدون أن اللغات الأجنبية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية هي لغات العلم وأن استخدام العربية في التعليم يستلزم ترجمة الكم الهائل من العلوم المكتوبة بتلك اللغات إلى اللغة العربية، وهذا أمر مكلف ماديا ويحتاج إلى الكثير من الوقت والكفاءات العلمية حتى يتم إنجازه. فهل هذا أمر صحيح؟

للإجابة على السؤال المطروح أعلاه علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا جوهريا آخرا، ألا وهو: هل نحتاج أن نترجم كل ما يكتب بغير العربية؟ بل هل نحن في حاجة أصلا إلى كل العلوم التي تكتب باللغات الأجنبية؟ هنا سنجد أن العقل السليم والذهن الصافي سوف يردان بالنفي على هذين السؤالين، وذلك لأن ليس كل مايكتبه الغير مفيد لنا، بل على العكس فإن ما يأتينا من الغير من علم قد يكون ضرره أكبر من نفعه. وحتى وإن لم تكن علوم الغير مضرة فإنها قد لا تناسب احتياجتنا التنموية ولا أولوياتنا الاجتماعية، فما أهمية أحدث نظريات الإدارة في بلدان لا يهتم الكثير من مدراء شركاتها بأبجديات الإدارة ولا يعترفون إلا بفيتامين واو؟

إن نقل علوم الآخرين عن طريق الترجمة يجب أن لايكون عملية اعتباطية، وذلك لأننا يجب أن يكون لدينا معايير ومبادئ عامة نابعة من عمق مجتمعاتنا واحتياجاتنا نتمكن من خلالها من انتقاء الصالح الذي يستحق الترجمة وإهمال الطالح الذي لا يمكن أن يعود علينا بأي نفع. وعليه فإننا إذا عملنا بقاعدة "أولى لك فأولى" فإننا سنجد أن مسألة ترجمة العلوم إلى العربية لن تشكل عائقا إلا إذا افترضنا أن تعريب التعليم الجامعي يستلزم ترجمة كل مايكتبه غير العرب، وهذا أمر مخلف للواقع.

وأخيرا فإن من الواجب علينا أيضا ألا ننسى أن ناقل العلم ليس كصانعه، فأي نهضة علمية تحتم علينا تأليف الكتب بأنفسنا أكثر من ترجمة كتب الغير. فالمترجم لا يجب أن يشكل إلا جزءا يسيرا مما تحتويه مكتباتنا، أما الباقي فيجب أن يكون من صنع أيدينا، حتى لا نكون إمعة واقعين تحت رحمة ما يكتبه الآخرون لأنفسهم لا لغيرهم.