الخميس، 28 فبراير، 2013

خلدونيات لغوية: بين أهل اللغة والطارئين عليها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي
______________________________________________________

 يؤمن غالبية الناس أن الطريقة المثلى لتعلم لغة أجنبية هي تلقيها من أهلها، ويتحمل نفر غير قليل منهم تكاليفا كثيرا ما تكون باهظة في سبيل دراستها على يد معلم ينتمي إليها انتماءً لا شك فيه. وأحيانا يذهب البعض إلى أبعد من ذلك فيسافرون إلى بلد تلك اللغة ليخالطوا أهلها ويتشربوها من منبعها.

وكثيرا ما يؤدي تلقي اللغة على يد واحد من أهلها إلى شعور الطالب بأنه سيتعلمها بالفعل، وأنه متميز عن نظيره الذي يتعلمها على يد طارئ عليها تعلمها على كبر، حتى وإن أتقنها هذا الأخير إتقانا معقولا.

ولم يأت تفضيل أهل اللغة على الطارئين عليها من فراغ، فأهل اللغة تتوفر فيهم مزايا لا توجد في غيرهم، وإن وجدت فإنها غالبا ما تكون ناقصة.

ولذلك فإننا سنحاول في هذا المقال، معتمدين على كلام ابن خلدون، أن نتحدث عن معايير ثلاثة يمكننا بمقتضاها أن نفرق بين أهل اللغة والطارئين عليها، وهي كالتالي:

أولا، تحدث ابن خلدون عن معيار الزمان بصفته معيارا يمكننا أن نفرق به بين أهل اللغة والطارئين عليها، حيث أكد أن أهل اللغة هم من يربون عليها منذ الصغر حتى يكبرون وتستحكم لديهم ملكتها، فإذا تجاوزوا سنا معينة صاروا من أهلها وصار من الصعب على أقرانهم ممن هم في السن ذاتها اكتساب اللغة وإتقانها مثلهم، لأن المتعلمين في الصغر "أشد استحكاما لملكاتهم"، ولأن "الألسن واللغات شبيهة بالصنائع ... والصنائع وملكاتها لا تزدحم ... ومن سبقت له إجادة ملكة فقل أن يجيد أخرى أو يستولي فيها على الغاية".

ولقد أشار ابن خلدون إلى نقطة أخرى بخصوص عامل الزمان، وهي أن الطفل إذا نشأ في البداية على لغة، ثم انتقل إلى محيط آخر تستعمل فيه لغة أخرى وهو لا يزال صغيرا وكبر فيه، فإنه من الممكن أن يتقن اللغة اللاحقة ويصبح من أهلها رغم أنه بدأ حياته في كنف لغة أخرى، ومثال ذلك "أصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم".

ثانيا، تكلم ابن خلدون عن عامل آخر مهم للتمييز بين أهل اللغة والطارئين عليها، حيث بين أن المكان الذي ينشأ فيه المرء له دور مهم في اكتساب اللغة، فانتماء الواحد منا لأهل لغة ما نابع من كونه سمع في صغره "كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم"، ثم تكررت عملية السماع تلك متزامنة مع الاستعمال من قبل الصغير حتى كبر، وصارت اللغة "ملكة وصفة راسخة" فيه، وأصبح هو من أهلها.

ولأن مكان النشأة عامل مهم في تحديد انتماء المرء لأهل لغة ما، فإنه يطغى على الأصل والعرق في الأهمية، فقد يكون الصغير منتميا إلى قوم مختلفين تماما لغويا وعرقيا عن سكان المحيط الذي ينشأ فيه، ومع ذلك نجده يكتسب لغتهم ويصبح من أهلها. ولذلك يقول ابن خلدون أنه " إن عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم"، أي ملكة اللغة، "فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط، وأما المربى والنشأة، فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم، فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شيء وراءها، وكأنهم في أول نشأتهم بمنزلة الأصاغر من العرب الذين نشأوا في أجيالهم حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها. فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا بأعجام في اللغة والكلام".

ثالثا، أشار ابن خلدون في غير موضع من مقدمته إلى معيار ثالث مهم، وهو معيار الأداء، والذي يتفوق فيه أهل اللغة على الطارئين عليها، فحسب ابن خلدون فإن التلقائية في الأداء من أهم ما يميز أهل اللغة، فهم على سبيل المثال ليس لديهم مشكلة في فهم معاني الكلمات مباشرة ودون تأخر أو تردد، فالواحد منهم له من الرسوخ في اللغة "بحيث تتبادر المعاني إلى ذهنه من ... الألفاظ عند استعمالها، شأن البديهي والجبلي"، وإن استعصى عليه فهم شيء كان السبب في ذلك "المباحث الذهنية"، أي محتوى الكلام وليس اللغة.

ومن أوجه التلقائية في الأداء عند أهل اللغة أيضا أن استخدامها استخداما صحيحا يعد طبعا لديهم، فالواحد فيهم إن سمع كلاما يخالف ملكة اللغة كما يتحدثها أهلها "مجه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر"، ولو أراد استخدام اللغة استخداما مخالفا لما اصطلح عليه أهلها "لما قدر عليه، ولا وافقه عليه لسانه، لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده".

وكما أن التلقائية في الأداء تدل على رسوخ اللغة واستحكامها عند أهلها، فإنها تعني أيضا أن أغلبهم يتقنون لغتهم دون معرفة بتفاصيل قواعدها المجردة رغم استعمالهم تلك القواعد استعمالا صحيحا، فمعرفة القواعد "علم بكيفية، لا نفس كيفية"، كما يقول ابن خلدون، والواحد من أهل اللغة رغم تمكنه من لغته فقد "يعجز عن الاحتجاج لذلك كما يصنع أهل القوانين النحوية والبيانية"، لأن إتقانه لغته أمر وجداني كما يسميه ابن خلدون.

ثمة نقطة أخرى يتميز بها أهل اللغة عن الطارئين عليها من ناحية الأداء، وهي قدرتهم على اكتساب وجهها الفصيح حتى وإن كان اختلافه عن أوجهها العامية التي يربون عليها بينا جليا كما هو الحال في اللغة العربية، فأهل اللغة ليس عليهم سوى مخالطة وجهها الفصيح مخالطة مكثفة واستعماله حتى يتمكنوا منه. أما الطارئون عليها فإنه يصعب عليهم ذلك لأن الملكة "إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة".

شواهد وفوائد
بعد أن استنبطنا من كلام ابن خلدون المعايير الثلاثة التي يمكننا أن نفرق بمقتضاها بين أهل اللغة والطارئين عليها، سنحاول فيما يلي أن ننظر فيما يمكن أن يعنيه هذا الكلام لنا في عصرنا الحاضر.

ولأن نقاطا مثل أهمية اكتساب اللغة في الصغر ودور المحيط الحيوي في ذلك والتلقائية التي يتميز بها أهل اللغة تعد مما نلمسه ونراه في حياتنا اليومية، فإنه في الغالب لا خلاف عليها ولا حاجة ماسة للتفصيل فيها. ولذلك فإننا سنقصر الحديث على نقطتين ارتأينا أهميتهما، وهما كالتالي:

أولا، يمكننا أن نستنتج من كلام ابن خلدون أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك تلازم بين الانتماء اللغوي والانتماء العرقي، فما ذكره صاحب المقدمة عن العجم الذين نشأوا بين العرب فانتموا إليهم لغة وإن لم ينتموا إليهم نسبا يبين لنا أن من الممكن أن يكون المرء من أهل لغة ما دون أن يكون من جنس من ارتبطت بهم اللغة تاريخيا، وهذا واضح جلي في أبناء المهاجرين الذين يربون في بلاد هاجر إليها آباؤهم فيصبحون من أهل لغة بلدهم الجديد رغم اختلافهم عرقيا في كثير من الأحيان عن الغالبية المستقرة به.

لكن أهمية كلام ابن خلدون بالنسبة لنا تكمن في الحالة المعاكسة، وهي التي تتغلب فيها لغة المهاجرين على لغة المستقرين، لأن الاختلاف بين الانتمائين اللغوي والعرقي يكون في هذه الحالة ملحوظا.

وإذا نظرنا إلى اللغة العربية على سبيل المثال فسنجد أن انتشارها وترسخها خارج جزيرة العرب جاء أساسا نتيجة هجرات مجموعات من أهل العربية الذين استوطنوا عدة بلاد وخالطوا أهلها، وهو ما أدى إلى تعرب تلك البلاد تدريجيا وجعل غالبية سكانها من أهل العربية وإن لم يكونوا عربا خلصا من ناحية الجنس، وهو ما نراه اليوم في سحناتهم التي تختلف عن بعضها رغم انتمائهم للغة واحدة، وإن تعددت لهجاتها.

الأمر ذاته يمكننا أن نراه في الناطقين بالأسبانية في أمريكا اللاتينية، فبالرغم من أن كثيرا منهم يختلفون عن الأسبان عرقا ورغم أن أشكالهم وألوانهم وسحناتهم متنوعة، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة انتمائهم لأهل اللغة الأسبانية.

إذن، إذا لم يكن هناك بالضرورة تلازم بين الانتمائين العرقي واللغوي فإن هذا يعني، وهنا مربط الفرس، أن الادعاءات الشعوبية التي يسوقها البعض بأن اللغة العربية غريبة عن البلاد التي تسودها خارج جزيرة العرب لا أساس لها من الصحة، فرغم اختلاف سحنات كثير من أهل العربية عن سحنات سكان جزيرة العرب، إلا أن الجميع مشتركون في كونهم من أهل العربية بغض النظر عن نسبة الدم العربي في كل منهم.

ولذلك فإن من المهم أن ننظر إلى الأمور بشيء من التجرد وألا نقع في إفراط أو تفريط، إذ لا يمكن أن نزعم أن أهل العربية خارج جزيرة العرب عرب خلص لأن لغتهم العربية، ولا يمكن أيضا أن نصغي إلى الأصوات النشاز التي تدعوهم إلى نبذ العربية لأنهم مختلفون سحنة عن عرب الجزيرة، فكلتا النظرتين قاصرتان لأنهما لا يراعيان الكيفية التي انتشرت بها العربية خارج منشأها ولا الكيفيات التي تنتشر بها اللغات عامة.

ثانيا، من أبرز ما استنبطناه من كلام ابن خلدون هو أن أهل اللغة قادرون على اكتساب وجهها الفصيح وإتقانه رغم أنهم يربون على وجهها الدارج، فرغم أن محيطهم تغلب عليه العامية إلا أن من الممكن للواحد منهم أن يتمكن من الفصحى ويتحدثها كما تحدثها السابقون، وذلك "بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك، بحيث تحصل الملكة ويصير كواحد من نشأ في جيلهم وربى بين أحيائهم". أما الطارئ على اللغة فإنه إن حاول أن يتعلم الفصحى ويتقنها بالطريقة ذاتها فإنه لا يصل إلى درجة إتقان أهل اللغة لأن الملكة، كما ورد أعلاه، "إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة".

وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر والذي هو أبعد عن عصر العرب الأوائل مقارنة بعصر ابن خلدون فسنجد كلام صاحب المقدمة لا يزال مطابقا للواقع إلى حد كبير، فالطارئون على العربية نادرا ما يتقنونها بنفس درجة أهلها، وذلك رغم أن أغلبهم يدرسون فصحاها فقط، ورغم أن أهلها منغمسون كل في دارجته.

ولا يعني هذا الكلام أننا نتعامى عن الضعف الذي يعتري استخدامنا للفصحى، ولا عن الأخطاء الفادحة التي يرتكبها الكثيرون منا عند الحديث بها، لكننا نتحدث هنا عن القدرة الكامنة لدى أهل العربية، فقصور الواحد منهم ناتج عن قلة مخالطة وجه اللغة الفصيح وندرة استخدامه إياه، وبذلك فإنه ليس قصورا حتميا كما هو الحال عند الطارئ على العربية الذي عنده "من الفتور بالعجمة السابقة التي تؤثر القصور بالضرورة".

ولذلك فإن الدعوة إلى تقعيد العامية بدعوى صعوبة الفصحى وكونها لغة أخرى تختلف عن اللهجات التي يزعم البعض أنها لغات منفصلة مجافية للواقع ولا ترتكز على أساس سليم، فهي مجافية للواقع لأن أصحابها يتجاهلون حقيقة أن السواد الأعظم ممن يتقنون الفصحى هم من أهل العربية الذين نشأوا في كنف لهجاتهم، فلو كانت لهجاتهم تلك لغات منفصلة لكانت الصعوبة التي تلاقيهم عند اكتساب الفصحى بنفس درجة الصعوبة التي يلاقيها الطارئون عليها ممن ربوا على لغة مختلفة، ولكانت أخطائهم شبيهة بتلك التي تصدر عن هؤلاء الطارئين.

ثم إن دعوتهم هذه ليست مرتكزة على أساس سليم لأنها لا تفرق بين الممكن والمستحيل، ولا بين المرحلي والأزلي، فقصور أهل العربية في فصحاهم يمكن جبره بتحسين أو تغيير مناهج اكتسابها حتى يصلوا إلى درجة الإتقان، وكثير منهم يصل، أما قصور الطارئين عليها فهو حتمي يظل قائما مهما حاول المتعلم تلافيه، اللهم إلا في حالات نادرة لا يقاس عليها.

خاتمة
بغض النظر عن المعايير التي ذكرناها في هذا المقال فإن كل من سمع أجنبيا يتحدث لغته أو تعلم هو لغة أجنبية يعلم أن ملكة أهل اللغة أرسخ مقارنة بالطارئين عليها، ولا يحتاج في الغالب إلى من يثبت له ذلك لأنه من المعلوم من الواقع بالضرورة.

ولأن الأمر كذلك فإن من المهم جدا أن يمَكَّن الناس من التعامل بلغتهم في مجالات الحياة المهمة كافة، وألا يضطروا إلى التعامل بلغة لا رسوخ لهم فيها طالما هم في بلدهم، لأن ذلك يعزلهم عن كثير من الأمور الحيوية بالنسبة لهم.

ولذلك فإن تعريب الحياة العامة تعريبا كاملا وتنشيط الترجمة، وخصوصا في مجال العلوم، يعدان من الأمور التي ينبغي لنا نحن أهل العربية الالتفات إليها والسعي إلى تحقيقها، وذلك لإتاحة المعلومات أمام الجميع ولإقرار مبدأ تكافؤ الفرص ولمنع جعل اللغة، وهي الشكل، معيارا للتنافس عوضا عن المضمون، وحتى لا ينقسم المجتمع بين أغلبية تندب حظها لأنها لا تتقن لغة أجنبية، وقلة تظن أنها شعب الله المختار.