الخميس، 14 مايو، 2009

التشبه اللغوي

عندما يتحدث البعض عن تأثير لغات كالإنجليزية والفرنسية على اللغة العربية وما ينتج عن ذلك من لغات هجينة كالعربيزي والعرنسية يسارع كثير من المعلقين والمحللين إلى الاستشهاد بما ذكره ابن خلدون عن تشبه الغالب بالمغلوب إذ يقول:

"إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها وصار اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء. أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، إنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب، تغالط أيضاً بذلك عن الغلب".

إن المتأمل لكلام ابن خلدون يمكنه أن يرى بوضوح أن تشبهنا بغيرنا لن يساهم في انتشالنا من حالة التخلف التي نعاني منه على مختلف الأصعدة، وذلك لأن أسباب النهوض والتقدم لا صلة لها بشكل المنتصر أو أزيائه أو لغته بقدر ما هي مرتبطة بعوامل أخرى مثل الأخلاق الحميدة والقيادة الحكيمة والانضباط والقدرة على التجديد والإبداع إلى غير ذلك من عوامل صعود الحضارات وتقدمها.

وإذا عدنا إلى موضوع اللغة فإننا نلاحظ أن التشبه اللغوي بالغير، بعكس العديد من ضروب التشبه الأخرى، أمر يصعب إتقانه، وذلك لأن اللغة بطبيعتها بحر واسع من التراكيب النحوية والدلالات اللفظية والمخارج الصوتية التي يندر أن يتمكن شخص بالغ من اكتسابها بدرجة يتساوى فيها مع من يتحدثها منذ الصغر. والخلاصة هنا أن فشل التشبه اللغوي أمر يكاد يكون حتميا إلا في بعض الحالات الشاذة التي لا يمكن تعميمها.

ويحضرني هنا مثال على فشل التشبه اللغوي عند العرب، ففي حوار تلفزيوني مع أحد المسؤولين العرب سأل المحاور ضيفه عن تقييمه لأداء وزارته، فأجاب المسؤول بأن الأداء كان
susfying
وهي كلمة على حد علمي لا توجد في اللغة الإنجليزية، إذ كان ما قصده
satisfying
أي أن أداء وزارته كان مرضيا. وتلك هي إحدى عواقب التشبه اللغوي.

من المهم إذن أن ندرك أنه من اليسير نسبيا أن نلبس ونقص شعورنا مثل الأمريكان حتى نصبح نسخا مطابقة لهم. أما أن نتشبه بهم لغويا فهذا أمر ينبغى علينا أن نتركه جانبا، لأننا مهما حاولنا أن نجيد التقليد فلن نصل إلى مستوى إنجليزيتهم على نفس النحو الذي لا يمكنهم من بلوغ مستوى إجادتنا للعربية، فالتشبه اللغوي قلما يكون صاصفاينغ.

هناك 3 تعليقات:

مؤازر صلاح يقول...

وضعت يدك يا عزيزي على جُرحٍ ينزف في قلبي منذ أكثر من سنتين حتى هذه اللحظة !!

قد لا يستوعب الكل أن التشبه لا يُجدي ولن يُغير من واقع الإنهزامية والتقهقر والتأخر ولكنه على كل حال كما يرونه
cool
وما دام أنه كـ ذلك فلا يهم ما ينتج عنه وما يفصح عنه طالماً أنه يُظهر صاحبه بـ مظهر جيد في مجتمع لا يستطيع النهوض بـ نفسه فيرسم لـ نفسه كذبة ما كي يعيشها بـ سعادة دون الرجوع الحقيقي إلى موضع الجرح وعلاجه !!!

محمد إدريس Mohamed Idris يقول...

شكرا جزيلا أخي مؤازر على مداخلتك، وإني لأتفق معك فيما قلته من حيث الشعور الكاذب بالتحضر الذي يعطيه التشبه اللغوي بالآخرين والذي كثيرا ما يؤدي إلى إعماء أبصارنا عن موضع الجرح كما تفضلت بالذكر.

والأدهى والأمر أن الكثير منا يعتبر نفسه شيكسبير العرب بالرغم أن انجليزيته متواضعة جدا وليست حتى بمستوى ما يمكن أن نسميه بالتقليد الجيد. ولا نملك أن نقول لهؤلاء سوى "تكلم بالعربية أو إخرس".

وشكرا

مؤازر صلاح يقول...

منذ أيام يا عزيزي كنا نتكلم عن ذات الظاهرة أنا وبعض الإخوة فـ أضحكني أحدهم بموقف حدث معه فـ يقول بأن له صديق أتى من السعودية ودخل معهد تعليم للغة الإنجليزية وبلغ الرجل المستوى الثاني فأصبح يتحدث معه بلإنجليزي وفي أثناء حديثه يوماً قال له "أمس كنت قاعد أتفرج في الـ
tv
ثم أردف بسرعة قائلاً
يعني التلفزيون
ههههههههههههه

فقلت الحمد لله على نعمة العقل والعافية !