عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث القاف. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث القاف. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات

الجمعة، 30 نوفمبر 2012

خلدونيات لغوية: عن دلالات اللهجات

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي. 
____________________________________________________________________

 يعد حرف القاف من أكثر الحروف تنوعا من حيث النطق في اللهجات العربية المختلفة، حيث نجد أن القاف الفصيحة تسود بعض اللهجات، بينما تسود القاف البدوية لهجات أخرى، وتنفرد مجموعة ثالثة عن غيرها بالقاف المهموزة، بينما تنطق القاف في عدد محدود من اللهجات كالكاف أو الغين.

وفي كثير من الدول العربية نجد اختلافا في نطق القاف بين بعض اللهجات داخل البلد الواحد، ففي مصر مثلا يستخدم غالبية أهل الوجه البحري القاف المهموزة، بينما يستخدم أهل الصعيد القاف البدوية. وفي تونس والجزائر والمغرب نجد أن بعض اللهجات تسودها القاف الفصيحة بينما تسود القاف البدوية لهجات أخرى. وفي سورية نجد أن للقافين الفصيحة والبدوية حضور رغم أن القاف المهموزة هي السائدة في غالبية لهجات البلد.

ولا يقتصر التنوع أحيانا على الاختلاف بين اللهجات، إذ نجد مثلا أن بعض الكلمات المحتوية على حرف القاف في لهجات وسط وجنوب العراق تنطق بالقاف البدوية وينطق بعضها الآخر بالقاف الفصيحة. ومن نافلة القول أن الكلمات المشتملة على القاف والمستخدمة في الفصحى دون أو أكثر من العامية تنطق بالقاف الفصيحة في كل لهجات العرب تقريبا، حتى في تلك التي تشيع فيها القاف المهموزة أو البدوية. (لاحظ مثلا أننا لا نجد قاهريا ينطق كلمات مثل "الفقه" و"الثقافة" و"الاقتصاد" بالقاف المهموزة).

وبعكس ما قد يعتقده البعض فإن وجود أكثر من نطق للقاف ليس ظاهرة وليدة عصرنا الحالي، فلقد وجد في الماضي على الأقل نطقان للقاف، وهما القاف الفصيحة ونظيرتها البدوية، واللتان تحدث عنهما ابن خلدون في مقدمته بشيء من الاستفاضة.

وبما أن ابن خلدون كان عالم اجتماع ومؤرخا في ذات الوقت، فإننا سنتحدث في هذا المقال عن الدلالتين الاجتماعية والتاريخية لنطق القاف ملخصين كلام ابن خلدون عن كل منهما في نقطتين، وهما كالتالي:

أولا، تحدث ابن خلدون عن الدلالة الاجتماعية لنطق القاف في اللهجات الدارجة في عصره، حيث ذكر أن أهل الأمصار، أي المدن، كانوا يستخدمون القاف الفصيحة، بينما كان أهل البادية يستخدمون القاف البدوية أينما وجدوا في بلاد العرب، حتى صار استخدامهم لتلك القاف البدوية "علامة عليهم بين الأمم والأجيال ومختصا بهم، لا يشاركهم فيه غيرهم".

وكما أن القاف الفصيحة كانت دليلا على الانتماء إلى المدن، فقد كانت القاف البدوية دليلا على الانتماء إلى البادية وأهلها، "حتى أن من يريد التعرب والانتساب إلى الجيل"، أي إلى أهل البادية، "يحاكيهم في النطق بها. وعندهم إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبية أو الحضري بالنطق بهذه القاف".

يتضح من كلام ابن خلدون على أن طريقة نطق القاف كانت وسيلة لإظهار انتماء المتحدث ومعرفة أصله وفصله، إذ كان يعرف بها إذا ما كان من سكان المدن أو البادية، وإذا ما كان من أصحاب اللغة أو من الطارئين عليها ممن تعلموها على كبر، وكلا منهما من التصنيفات الاجتماعية التي تدل عليها لغة المرء أو لهجته أو لكنته.

ثانيا، تكلم ابن خلدون أيضا عن الدلالة التاريخية لنطق القاف، حيث حاول أن يجيب على سؤال يطرح نفسه وهو: إذا كان لدينا نطقين للقاف، فأيهما الأصل وأيهما الفرع؟ أيهما القديم وأيهما المستحدث؟

أجاب ابن خلدون على هذا السؤال مستعينا بالحقائق التي على الأرض، حيث نبه عند حديثه عن أهل البادية إلى حقيقتين، أولهما اتفاقهم "كلهم شرقا وغربا في النطق بها"، وثانيهما أنهم "أبعد عن مخالطة الأعاجم من أهل الأمصار"، وكلتا الحقيقتين تدلان تاريخيا على أن قاف البدو "متوارثة فيهم متعاقبة"، وأنها "لغة مضر الأولين"، لا بل "لعلها لغة النبي صلى الله عليه وسلم بعينها"، مما جعله يستنتج أن القاف البدوية أصل في اللغة العربية وأنها ليست ظاهرة حديثة مقارنة بالقاف الفصيحة.

لكن استنتاج ابن خلدون هذا لم يدفعه إلى القول بأن القاف الفصيحة الشائعة لدى أهل المدن هي المستحدثة، وذلك لأن "لغة أهل الأمصار أيضا لم يستحدثوها، وإنما تناقلوها من لدن سلفهم، وكان أكثرهم من مضر بما نزلوا الأمصار من لدن الفتح"، وبذلك فند ابن خلدون احتمالية القول بأن القاف الفصيحة مستحدثة، وأنها نشأت نتيجة مخالطة العجم في المدن، فحقيقة أن الكثير من العرب سكنوا المدن بعد الفتح تؤكد أن القاف الفصيحة أصل في اللغة العربية كما هي القاف البدوية.

إذن، إذا كانت القاف الفصيحة أصيلة في لغة العرب، وكذلك هي القاف البدوية، فهل يعني هذا أنه لا إجابة على السؤال المطروح أعلاه؟

بلى، يرد ابن خلدون، ففي "مخرج القاف متسع، فأوله من أعلى الحنك، وآخره مما يلي الكاف. فالنطق بها من أعلى الحنك هو لغة الأمصار، والنطق بها مما يلي الكاف هي لغة هذا الجيل البدوي".

ومعنى هذا الكلام أن دراية ابن خلدون بالعرب وبتاريخهم جعلته يستنتج أن العرب في عهد النبي وقبله استخدموا كلا من القاف الفصيحة ونظيرتها البدوية، أو أن بعضهم نطق بواحدة، ونطق البعض الآخر بالأخرى. ولكن بعد الفتوحات الإسلامية هاجر العرب واستوطنوا العديد من الأقطار خارج جزيرة العرب، فسادت القاف الفصيحة لهجات أهل المدن، بالإضافة إلى الفصحى بالطبع، وسادت القاف البدوية لهجات أهل البادية.

تطبيقات معاصرة
بعد أن لخصنا أهم ما ذكره ابن خلدون عن حرف القاف ودلالاته سنحاول في السطور القليلة التالية معرفة ما يمكن استفادته من كلامه في عصرنا الحالي قاصرين الحديث عن ذات النقطتين الواردتين أعلاه.

أولا، بالنسبة إلى الدلالة الاجتماعية للغة فإن الحديث عنها لا يتطلب الكثير من الشرح أو الإسهاب لأننا نعرف من الواقع أننا كثيرا ما نتخذ من اللكنات طريقة نستدل بها على أصل المتحدث وعلى مستواه التعليمي وطبقته الاجتماعية وما إلى ذلك من تصانيف.

وليس خافيا علينا أن تصنيف الناس بناءً على لكناتهم أمر مرتبط بما عرف عن مستخدمي لكنة معينة من صفات، فالكثير من الآباء مثلا ينكرون على أبنائهم استخدامهم ما يسمى "لغة الشوارع"، لأن ذلك قد يدل على أن الأبناء لم يربوا تربية حسنة من قبل آبائهم، مما قد يحط من قدرهم ومن قدر والديهم أمام الناس.

ولا يقتصر أثر اللغة الاجتماعي على اللكنة، أي طريقة النطق، ولكنه يتخطاه في كثير من الأحيان إلى اللهجة والتي تشمل اللكنة وتتعداها إلى اختيار الألفاظ وحتى بعض القواعد التي قد يختلف بعضها من لهجة إلى أخرى، ومن اللهجات إلى الفصحى بالطبع. ولقد شاهد جميعنا آخر خطاب للرئيس التونسي الأسبق والذي ألقاه من أجل التأثير على الناس واحتواء المظاهرات، ولاحظ الكثيرون أنه تحدث باللهجة التونسية بعكس خطابيه الأولين، وذلك لكي يبدو أقرب إلى الناس ويظهر لهم أنه لصيق بهم وبهمومهم.

لكن فشل الرجل في إقناع التونسيين وهروبه بعد خطابه بيوم دليل على أن محاولة استخدام لهجة ما بقصد إظهار الانتماء إلى فئة معينة لا تنجح دائما إذا لم يصدق المستمعون المتحدث، ولذلك ذكر ابن خلدون في معرض حديثه عن القاف البدوية أن "من يريد التعرب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها"، والمحاكاة قد تنجح أحيانا وقد تفشل أحيانا أخرى.

ولذلك فإن من المهم أن ندرك أنه بالرغم مما للكنات واللهجات من دلائل اجتماعية، إلا أنها بمفردها لا تكفي، فقدرة أحدهم على محاكاة الأطباء مثلا في كلامهم ومصطلحاتهم لا تعني أنه طبيب، وهو ما يعني أن من المفترض أن تكون لكنة أحدهم أو لهجته مظهرا للانتماء لفئة أو أمة ما، لكنها في كثير من الأحيان تكون وسيلة للانتماء بدلا من أن تعكسه، لأن بعض الناس كثيرا ما يأخذون بالشكل دون المضمون، فينخدعون بفصاحة أحدهم أو حديثه كعلية القوم.

ثانيا، بالنسبة لكل من القاف الفصيحة والقاف البدوية فقد رأينا كما ورد أعلاه أن ابن خلدون خلص إلى القول بأن كلتا القافين أصيلتان في اللغة العربية، وأن القاف الفصيحة سادت لهجات المدن، والفصحى بالطبع، بينما سادت نظيرتها البدوية كلام أهل البادية.

وإذا حاولنا التحقق من صحة ما خلص إليه ابن خلدون فإننا نجد أن فيه قدرا كبيرا من الوجاهة، فرغم وحدة العرب اللغوية في الجاهلية وعصور الإسلام الأولى إلا أن هذا لا يعني أنه لم يوجد تنوع بين ما سماه علماء اللغة لغات العرب، أي لهجاتهم، فقد اختصت بعض القبائل بنطق بعض الحروف نطقا مختلفا، وكان هناك بعض التباين بين بعض القبائل في شيء من النحو ومعاني الكلمات. (راجع المقتضب في لهجات العرب للدكتور محمد رياض كريم).

ولقد ذكر ابن فارس والذي عاش في القرن الرابع الهجري، أي قبل ابن خلدون بأربعمائة عام، في كتابه الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها أن بني تميم "يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جدا فيقولون (القوم) فيكون بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم".

كما نقل ابن حيان الأندلسي في كتابه ارتشاف الضرب من لسان العرب عن أبي سعيد السيرافي (توفي ٣٦٨هـ) قوله: "رأينا من يتكلم بالقاف بينها وبين الكاف انتهى، وهي الآن غالبة على لسان من يوجد في البوادي من العرب، حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة، لا بالقاف الخالصة الموصوفة في كتب النحويين، والمنقولة عن وصفها الخالص على ألسنة أهل الأداء من أهل القرآن".

ولقد كان ابن خلدون على علم بهذه الأقوال، إذ أشار إلى أن "أهل العربية قد ذكروا هذه القاف القربية من الكاف"، إلا أنه أخذ عليهم أنهم "يصرحون باستهجانه واستقباحه"، أي الحرف، "كأنهم لم يصح عندهم أنها لغة الجيل الأول".

ويتضح من كلام ابن خلدون أنه لم يكن يعتبر كل ما ورد في اللهجات العامية خارجا عن أصل اللغة العربية، فرغم إشارته في أكثر من موضع في مقدمته إلى أن فساد العربية جاء بعد مخالطة الأعاجم، إلا أن كلامه عن القاف البدوية وأصلها العربي يدل على أن إدراكه لحقيقة أن اللغة ظاهرة اجتماعية جعله يعتمد على اتخاذ متحدثي اللغة معيارا لمعرفتها ومعرفة أصلها، ولذلك نجد أنه استنتج من استخدام أهل البادية "كلهم شرقا وغربا" القاف البدوية أنها أصيلة وليست مستحدثة، إذ يصعب أن يكون وجودها في كلامهم صدفة وهم يعيشون بعيدا عن بعضهم، فهل اجتمعوا من شرق ومن غرب وقرروا هجر القاف الفصيحة واستبدالها بنظيرتها البدوية مثلا؟

ولا يختلف الأمر كثيرا اليوم عن عصر ابن خلدون، فالقاف البدوية رغم عدم استخدامها في الفصحى موجودة بنسب متفاوتة في كل الدول الدول العربية، إذ تسود لهجات بعض الدول، وتكون على الهامش في البعض الآخر، وهو ما يؤكد أنها أصيلة في اللغة، إذ يكاد يستحيل أن يتواطأ مستعمليها من المحيط إلى الخليج على هجر القاف الفصيحة وإحلال نظيرتها البدوية محلها، وهو ما يعني أنها كانت جزءً لا يتجزأ من كلام العرب الذين هاجروا واستوطنوا الأقطار التي سادت فيها.

وإذا طبقنا منهج ابن خلدون على جوانب أخرى من لهجات العرب المعاصرة فسنجد الكثير من المشتركات التي يصعب تفسيرها دون النظر إلى تاريخ الناطقين بالعربية في بلاد العرب، فكلمة "ماذا" في الفصحى مثلا تستبدل ب"شنو" في العراق وبعض دول الخليج، وتحل محلها "وش" أو "أيش" في السعودية، ثم تعاود "شنو" الظهور في السودان. وينطبق ذات الشيء على "شو" الشائعة في الإمارات وفي بلاد الشام. أما كلمة "ماشي" بمعنى "لا يوجد" فنجدها في اليمن وفي المغرب.

ومن الملاحظ في هذه الأمثلة وفي الكثير غيرها من المشتركات في لهجات العرب المعاصرة أنها مستخدمة في لهجات غير متصلة جغرافيا، مما يعزز القول بأنها ليست مستحدثة، بل هي قديمة وأصيلة حتى وإن كانت خارج نطاق الفصحى المتداولة في الماضي أو في الحاضرأو في كليهما. وقد يكون بعض تلك المشتركات مما استحدث لاحقا، أي بعد عصر الفتوحات، ثم انتقل مع من هاجر من قطر إلى آخر، فالهجرات لم تقتصر على عصور الإسلام الأولى.

ولا ينافي ذلك أن هناك بعض الظواهر اللغوية التي نجدها في كل لهجات العرب الحالية تقريبا رغم أنها لم تكن توجد عند العرب في الجاهلية وفي عصر صدر الإسلام، فلقد اختفت جل مظاهر الإعراب من الكلام الدارج منذ زمن بعيد، وانحسرت إن لم تكن قد تلاشت صيغ المثنى في الأفعال، مما قد يشير إلى أن هذه التغيرات راجعة إلى البنية الداخلية للغة العربية وإلى طبيعة اللغات عامة.

يتضح لنا إذن أن دراسة تاريخ العرب ولهجاتهم وهجراتهم منذ عصر الفتوحات وحتى الحاضر من أكثر ما يمكن أن يساعدنا على فهم أصول اللهجات العربية الحالية، وذلك بالطبع دون إغفال دراسة تاريخ سكان البلاد العربية قبل أن يحل العرب فيها.

كما يتضح لنا أن دراسة تاريخ اللغات واللهجات دون دراسة الناطقين بها في الماضي والحاضر ودون معرفة طبيعة مجتمعاتهم كثيرا ما يجعلنا نقف حائرين عاجزين عن تفسير الكثير من جوانب اللغة المتعددة.

ولا ينبغي أن تكون دراسة اللهجات ترفا أو هواية يمارسها الشغوف باللغة، بل يجب أن تكون جزءً أصيلا من دراسة التاريخ الذي يفسر حاضرنا ويسهل لنا التخطيط لمستقبلنا.

وعلى سبيل المثال فإن حقيقة اشتراك لهجات العرب المعاصرة أو بعضها في بعض مخارج الحروف أو الكلمات أو القواعد التي لا توجد في الفصحى المتداولة تثبت أن اللغة العربية لم تنتشر خارج جزيرة العرب بفرمان أو مرسوم فرضها على الناس كما يحاول البعض أن يصور، إذ هي انتشرت مع هجرات القبائل التي أثرت لهجاتها على عربية الأقطار التي ارتحلت إليها. وهذا ما أشار إليه الجاحظ (توفي ٢٥٥هـ) في أوائل كتابه البيان والتبيين حين قال: "وأهل الامصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر". (راجع المقال الأول في سلسلة خلدونيات لغوية لفهم أهمية العنصر البشري في انتشار اللغات).

خاتمة
لم يهتم العرب في الماضي بدراسة اللهجات كثيرا، فلقد كان جل جهدهم منصبا على الفصحى، لعظم أهميتها في فهم الكتاب والسنة، خصوصا بعد التغيرات التي طرأت على اللسان العربي بعد عصر الفتوحات. ولذلك كان القليل الذي كتب عن العامية يهدف إلى إيضاح الفروق بينها وبين الفصحى من أجل التمكن من الفصحى وإتقانها.

وما إن جاء العصر الحديث حتى بدأت مجموعة من المستشرقين الغربيين بدراسة اللهجات العربية وتدوين قواعدها، وهو أمر مستمر حتى يومنا هذا وإن تراجع دور المستشرقين بعد حل محلهم علماء اللغة الغربيين المتخصصين في اللغة العربية.

ولأن دراسة الغربيين للهجات ارتبطت إلى حد كبير بمحاولة تقعيد اللهجات الدارجة والتشجيع على هجر الفصحى فقد أضحت في يومنا هذا سيئة السمعة، لعلم الغيورين على الفصحى أن الهدف من تلك الدراسات الإحلال وليس الإثراء. (للاستزادة راجع كتاب تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر للدكتورة نفوسة زكريا سعيد).

ولذلك فإن من الضروري ألا تترك دراسة اللهجات لتكون مرتعا لمن يضيقون ذرعا بالفصحى ولمن سار على نهجهم من الانهزاميين والشعوبيين الجدد، إذ ينبغي أن يوضع البحث في اللهجات المعاصرة في سياقه الصحيح، بحيث يكون الهدف منه هو فهم علاقة اللهجات الدارجة ببعضها البعض، وفهم كيفية انتشارها خارج جزيرة العرب بالنظر إلى تاريخ هجرات العرب واللهجات التي جلبوها معهم أينما حلوا وتفاعلهم مع سكان البلاد التي ارتحلوا إليها ومع لغاتهم، وفهم دور اللهجات في مجتمعاتنا المعاصرة وتحديد مجالاتها وقياس مدى تسربها إلى مجالات الفصحى ومدى خطورة ذلك.

أما دراسة اللهجات بغرض فرضها محل الفصحى فلن تكون سوى مضيعة للوقت والجهد اللذان لا ينبغي بذلهما فيما لا يجدي، فالفصحى لها مجالاتها كما للهجات مجالاتها، وكلا منهما يؤدي أدوارا تختلف عن أدوار الآخر، فلا ينبغي أن يطغى أحدهما على الآخر، واللغة بجميع أوجهها ليست في الأصل من الأهداف بل هي من الوسائل، ولا يحبذ للمشتغلين بها التوسع فيها لدرجة اللغو، لأنهم، كما يتسائل ابن خلدون، إذا "قطعوا العمر في الوسائل، فمتى يظفرون بالمقاصد؟".

الأربعاء، 31 مارس 2010

حرف القاف

في العام الماضي نشر الكاتب والمدون المعروف أشرف فقيه مقالا في مدونته تناول فيه ما وصفه بأزمة كتابة الكلمات الأجنبية التي تحتوي على صوت القاف الدارجة (القاف التي ينطق بها متحدثوا العديد من اللهجات العربية في العصر الحالي). واقترح الكاتب أن نحل مشكلة نطق كلمات مثل قوقل وعبد الله جل والغولف بإضافة حرف الگاف الذي يستخدم في الفارسية والأردية والكردية إلى أبجديتنا العربية لكتابة الكلمات الأجنبية التي بها صوت القاف الدارجة.

وعندما قرأت المقال ظننت أنه ليس سوى اقتراح عابر يمثل فكرة معزولة يندر تطبيقها، ولكني علمت فيما بعد عن طريق الكاتب والمدون ماجد الحمدان أن موسوعة المعرفة تستخدم حرف الگاف لكتابة الكلمات الأجنبية التي يرد فيها صوت القاف الدارجة، فجاليلو يكتب گاليلو. ولذا فإني هنا بصدد الرد على الحجج التي ساقها أشرف فقيه في مقاله الذي أرجو من القراء الأعزاء قراءته قبل مواصلة قراءة هذا المقال حتى لا أكون قد ظلمت الرجل بعرضي الموجز لفكرته في الفقرة الأولى من مقالي هذا. والرد الذي أود عرضه في السطور التالية ليس فقط على مقال أشرف فقيه، وإنما أتمنى أيضا أن يكون بمثابة تنبيه للقائمين على موسوعة المعرفة إلى ما يمكن أن يترتب على تبني حرف الگاف من عواقب. ولهذا الغرض أورد النقاط الآتية:

١- من البديهي أن الحروف الأبجدية لأية لغة تستخدم من أجل كتابة أصواتها الأصيلة وليس الدخيلة. ولهذا السبب استحدث الفرس حرف الگاف ليرمزوا به إلى صوت أصيل في لغتهم. والقاف الدارجة ليست بدخيلة على اللهجات العربية، فهي موجودة فيها منذ زمن بعيد نسبيا إلى درجة أن ابن خلدون تحدث عنها في مقدمته، ولكنها في ذات الوقت غريبة على اللغة العربية الفصحى حيث تحل محلها القاف الفصيحة. ولذا لا نكاد نجد اليوم متحدثا يتحدث العربية الفصحى وينطق بالقاف الدارجة خلال حديثه بها. وباختصار فإن إضافة حرف لكتابة الكلمات الأجنبية يعني أننا نغير لغتنا الفصحى من أجل الأجانب، فهل يعقل هذا؟

٢- ليس شرطا لصحة نطق الكلمات الأجنبية أن ننطقها متبعين منهج "حذو النعل بالنعل"، فهذا إما من قبيل الفذلكة أو الاستلاب اللغوي والثقافي، وذلك لأن الكلمات المستعارة يجب تحويرها بحيث تلائم نسق اللغة المنقولة إليها. وهذا ما تم في الماضي ويتم في الحاضر في العديد من اللغات حول العالم، فجل الناطقين بغير العربية لا يلفظون كلمة "انتفاضة" كما نلفظها نحن، ورجل الشارع العربي إذا سمع كلمة "ديمقراطية" يخالها عربية قحة من وقع القاف والطاء فيها. وهذا كله حفاظ على تجانس اللغة.

ويذهب أشرف فقيه إلى أن تخلفنا وضعفنا الحالي لا يسمح لنا بأن ننتصر للغة العربية ونعتز بها لأن هذا على حد قوله كلام عاطفي وغير عملي. ولكن نظرة خاطفة على التاريخ تثبت أن التخلف الحضاري لا يؤدي بالضرورة إلى الاستسلام اللغوي، فالعرب استعاروا العديد من الكلمات الفارسية قبل الإسلام، وبالرغم من تخلفهم وتقدم الفرس آنذاك فإن الكلمات الفارسية التي تبنوها حورت حتى تناسب نسق اللغة العربية. ومن أمثلة ذلك بنفسج وتاج وسمسار، بالإضافة إلى ألفاظ أخرى ورد بعضها في القرآن الكريم مثل أباريق وأسباط وإستبرق وتنور وسندس. وقد ذكر الإمام السيوطي هذه الألفاظ وغيرها مما يعود أصله إلى لغات أخرى غير الفارسية في رسالته المعنونة المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب.

ولقد كانت تلك الألفاظ قد تعربت تماما وتجذرت في اللغة العربية بحيث لم يقدح ورودها في القرآن في كونه نزل بلسان عربي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف استطاع عرب الجاهلية المتخلفون أن يطوعوا الكلمات الأجنبية لتلائم لغتهم بالرغم من ضعفهم مقارنة بالأمم التي كانت حولهم؟

ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الغرب في عصر تخلفه أخذ من اللغة العربية عددا من الكلمات التي تم تحويرها لكي تتماشى مع النسق اللغوي لكل لغة أوروبية. ولا أود أن أسرد هنا قائمة بتلك الكلمات حتى لا أتهم بأني أعيش على أمجاد الماضي. ولكن الدرس الذي يجب علينا أن نعيه هو أن الوهن والتخلف الذي عاشه العرب قبل الإسلام والغرب بعد الإسلام لم يجبر أيا منهما على تغيير لغته وحروفها لتنطق بما ليس فيها، فهلا قرأنا التاريخ؟

٣- إن إشكالية صوت القاف تكمن في أن صيغته الدارجة ليست مستخدمة في العربية الفصحى، ولهذا فإن قدرتنا على نطق الكلمات الأجنبية التي تحتوي على القاف الدارجة نابعة من لهجاتنا وليس من اللغة العربية الفصحى. وبالتالي فإن لنا أن نتخيل ما يمكن أن يقع من كوارث إذا أضفنا حرف الگاف إلى أبجديتنا.

عندها يمكن أن يحصل خلط بين القاف الفصيحة والقاف الدارجة عند كتابة الكلمات العربية الأصيلة وليس حفنة الكلمات الأجنبية التي بها صوت القاف الدارجة.
عندها سوف يزول تدريجيا حرف القاف من الكتابات العامية ومن ثم سيستبدل العديد من العرب القاف الفصيحة بالگاف الجديدة.
عندها سيكتب المصري جيمه القاهرية مستخدما الحرف الجديد كما ورد في تعليق على مقال أشرف فقيه كتب فيه أحدهم: گزاك الله الف خير, الموضوع ده مگنيني من زمان اوي.

وقد يقول قائل: ما المشكلة إذا ما تحقق هذا السيناريو؟
والإجابة هي أن حرف الگاف المقترح من المفترض أن يقتصر استعماله على الكلمات الأجنبية فقط، فإذا به يستخدم لزعزعة ركن من أركان اللغة العربية ولتعميق الفجوة بين فصحتها ودارجاتها. وكل هذا بسبب قصر النظر وقلة التبصر والتفكر في عواقب الأمور.


وإذا كان البعض يرون أن مسألة كتابة الكلمات الأجنبية التي بها حرف القاف الدارجة تشكل بالفعل مشكلة، وما هي بذلك، فلهم أن يعلموا أن هذه المسألة قد تعرض لها أبو منصور الجواليقي في كتابه المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، والذي يقول فيه التالي:

باب معرفة مذاهب العرب في استعمال الأعجمي

إعلم أنهم كثيرا ما يجرئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها. فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا.
وربما أبدلوا ما بعد مخرجه أيضا.
والإبدال لازم. لئلا يدخلوا في كلامهم ما ليس من حروفهم.
وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب.
وهذا التغيير يكون بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو إبدال حركة بحركة، أو إسكان متحرك أو تحريك ساكن.
وربما تركوا الحرف على حاله ولم يغيروه.

فمما غيروه من الحروف ما كان بين الجيم والكاف، وربما جعلوه جيما، وربما جعلوه كافا، وربما جعلوه قافا، لقرب القاف من الكاف، قالوا: "كربج" وبعضهم يقول "قُرْبَق".
قال أبو عمرو: سمعت الأصمعي يقول: هو موضع يقال له: "كربك"، قال: يريدون "كربج". قال سالم بن قحفان في "قُرْبَق":
ما شربت بعد طوي القُرْبَق *** من شربة غير النجاء الأدفق



القُرْبَق في القاموس المحيط هو دكان البقال.



يتضح لنا من كلام الجواليقي أن هناك طرقا لتعريب الكلمات الأجنبية من حيث الأصوات والأوزان، وأن هذه الطرق، وإن كانت مرنة، تهدف في نهاية المطاف إلى الحفاظ على تجانس اللغة العربية، ولا ينطبق هذا على صوت القاف الدارجة فقط، وإنما على أصوات وحروف وأوزان أخرى ذكرها الجواليقي في كتابه ولا يتسع المقام لسردها هنا.

وبالنسبة لصوت القاف الدارجة فإننا يمكن أن نضيف خيارا رابعا بجانب الخيارات الثلاثة التي ذكرها الجواليقي وهي الكاف والقاف والجيم، وهذا الخيار هو حرف الغين الذي يستخدم في كلمات مثل جغرافيا وغرناطة وغانا وأغندا وبلغاريا. والملاحظ هنا أن هذه الكلمات وغيرها التي ترد بصوت القاف الدارجة في لغاتها الأصل كسرقسطة وملقة قد ترسخت في لغتنا العربية ولم يعد الصوت الذي حل محل صوت القاف الدارجة شاذا.

ولذا فإن كل ما ينبغي علينا فعله هو أن نعطي كلمات مثل قوقل وعبد الله جل وغردون براون بعض الوقت حتى نألف إحدى طرق لفظها سواء كانت بالقاف أو الكاف أو الجيم أو الغين، فهذا منهاج مجرب وقد ثبتت نجاعته، ولذا فإنه أولى أن يتبع بدلا من اقتراح الگاف الذي تفوح منه رائحة التبعية والانهزامية وقصر النظر وانعدام الروية والجهل بالتاريخ وبطبيعة لغتنا.


الجمعة، 31 أغسطس 2012

خلدونيات لغوية: عن وظائف اللغة

اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________


كانت اللغة وما زالت من أجل النعم التي أنعم الله بها علينا، فهي من أول ما علمه الله أبانا آدم عليه السلام، إذ ألهمه إياها حتى قبل خلق أمنا حواء وقبل نزولهما الأرض، مما يدل على أن بدون لغة لا تستقيم حياة.

وكما علم الله آدم الأسماء كلها، فإنه سبحانه وتعالى وضع في الأطفال قدرة كامنة تمكنهم من اكتساب اللغة دون جهد يذكر، ودون تلقين من الكبار. وإذا أخذنا اتساع اللغة وتشعبها وتعدد مكوناتها بعين الاعتبار، فإن تمكن الأطفال من اللغة بمفردهم ورغم حداثة سنهم يعد نعمة عظيمة، وهو في ذات الوقت يدل أيضا على أن اللغة مقوم أساسي من مقومات الحياة.

وإذا كانت اللغة من الأهمية بمكان أن كانت من أول ما علمه الله عز وجل آدم حتى قبل بدء الحياة على الأرض، وإذا كانت حكمته جل في علاه تقتضي اكتساب الأطفال لها دون مجهود يذكر قبل بلوغهم سن الرشد، فإن ذلك كله يدل على أن للغة أهمية كبرى في حياتنا، وهو ما يدفعنا إلى طرح السؤال التالي:

ما هي وظيفة اللغة؟

أجاب ابن خلدون على السؤال في عدة مواضع من مقدمته، حيث ذكر ثلاث وظائف رئيسية للغة يمكن تلخصيها في النقاط التالية:

أولا، اعتبر ابن خلدون أن من أهم وظائف اللغة أنها وسيلة للفهم، إذ بين أن "الألفاظ واللغات وسائط وحجب بين الضمائر، وروابط وختام بين المعاني. ولابد في اقتناص تلك المعاني من ألفاظها بمعرفة دلالاتها اللغوية عليها، وجودة الملكة للناظر فيها، وإلا فيعتاص عليه اقتناصها زيادة على ما يكون في مباحثها الذهنية من الاعتياص. وإذا كانت ملكته في تلك الدلالات راسخة بحيث تتبادر المعاني إلى ذهنه من تلك الألفاظ عند استعمالها، شأن البديهي والجبلي، زال ذاك الحجاب بالجملة بين المعاني والفهم أو خف، ولم يبق إلا معاناة ما في المعاني من المباحث فقط".

من الواضح هنا أن ابن خلدون يرى أن إحدى وظائف اللغة الأساسية هي أنها تمكننا من فهم ما يقوله الآخرون، ولكي يتم هذا فإن من الضروري أن تكون ملكتنا اللغوية مستحكمة راسخة بحيث نفهم معاني ودلالات الكلمات التي نقرأها ونسمعها مباشرة فلا يكون بيننا وبينها حجاب لغوي.

ولم يفت ابن خلدون أن يفرق بين فهم المعاني والدلالات وفهم مضمونها، فحتى عندما لا يكون هناك حجاب لغوي بيننا وبين ما نريد فهمه فإنه يتبقى لنا "معاناة ما في المعاني من المباحث"، وهو المضمون، فاللغة شكل ومحتواها مضمون، واستيعاب الشكل لا يعني بالضرورة فهم مضمونه، ولذلك فإننا قد نقرأ شيئا ما بلغتنا ولا نفهمه، وقد يفهمه بعضنا ولا يفهمه البعض الآخر رغم تساوي قدراتنا اللغوية. لكننا على أية حال لا يمكن أن نفهم شيئا فهما معتبرا دون لغة.

ثانيا، كما أن اللغة وسيلة للفهم، فإنها بالضرورة وسيلة للتعبير، إذ لا استقبال بلا إرسال، ولذلك أوضح ابن خلدون أن " أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده. وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام. فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان".

نرى هنا أن ابن خلدون قرن تعريف اللغة بوظيفتها كأداة للتعبير رغم أن لها أكثر من وظيفة، مما يدل على أن هذه الوظيفة يمكن أن تعتبر أهم وظائف اللغة على الإطلاق، إذ أن قدرة الإنسان على التعبير عن مقصوده تعني أنه يمتلك أداة تمكنه من أن يكون فاعلا حرا بدلا من أن يكون متلقيا فقط، وهذا يعني أن التعبيرأعلى مرتبة من الفهم. ولذلك يستحيل أن نجد شخصا يتقن الحديث بلغة دون أن يفهمها، بينما قد نجد من يفهم لغة دون أن يحسن التعبير بها، وربما يكون هذا سببا آخرا لقرن ابن خلدون تعريف اللغة بوظيفة التعبير، إذ تستلزم هذه الوظيفة بالضرورة تخطي مرحلة الفهم، فيكون بذلك تعريف اللغة كوسيلة للتعبير شاملا إياها وسيلة للفهم.

ويتضح لنا من كلام ابن خلدون أمر مهم آخر، وهو أن اللغة وسيلة لتعبير المتكلم عن مقصوده، وكلمة "مقصوده" هنا ذات دلالة هامة، إذ ليس شرطا أن يكون ما في القلب على اللسان، وليس بالضرورة أن يكون التعبير عما في دواخل المرء، فقد يقول أحدنا كلاما قاصدا به إيصال رسالة تختلف عما يكمن في داوخله، كما نفعل عند التورية والمجاملة مثلا، وقد يتطابق الكلام مع ما يجول بدواخل المتحدث. وأيا كان الحال فإن اللغة تمكننا من التعبير عما نقصد قوله وإيصاله إلى أسماع المتلقين بغض النظر عما يدور في عقولنا أو قلوبنا، فالمعاني كما يذكر ابن خلدون في الضمائر، أما اللغة  ففي اللسان، وذلك هو التعبير.

وبالعودة إلى العلاقة بين وظيفتي الفهم والتعبير فإننا نقول أنهما عنصران متكاملان يشكلان بالإضافة إلى المحتوى عناصر عملية الاتصال الثلاثة. وإذا دمجنا الوظيفتين معا فإن بوسعنا القول أن الوظيفة الأولى للغة هي التواصل بين البشر، إلا أن من الأدق فصل وظيفة الفهم عن وظيفة التعبير لأننا في بعض الأحيان نستخدم اللغة للفهم دون التعبير.

ثالثا، كما أن اللغة وسيلة تواصل فإنها أيضا وسيلة انتماء، حيث أشار ابن خلدون إلى هذه الوظيفة حين تكلم عن نطق القاف في اللهجات الدارجة في زمنه، فقد كان أهل الحضر ينطقونها كما تنطق في الفصحى، أما أهل البادية فكانوا " يجيئون بها متوسطة بين الكاف والقاف"، وهو نطق شائع في يومنا هذا في اللهجات العامية في أغلب دول الخليج واليمن والعراق وأجزاء من بلاد الشام وصعيد مصر والسودان وليبيا وأجزاء من المغرب العربي.

ويؤكد ابن خلدون أن نطق القاف البدوية "موجود للجيل أجمع حيث كانوا من غرب أو شرق"، أي لكل سكان البوادي بغض النظر عن أماكن سكناهم، "حتى صار ذلك علامة عليهم من بين الأمم والأجيال ومختصا بهم لا يشاركهم فيه غيرهم. حتى إن من يريد التعرب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها. وعندهم أنه إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبية والحضري بالنطق بهذه القاف".

والشاهد في كلام ابن خلدون أن نطق القاف في زمنه كان سبيلا إلى معرفة إذا ما كان المتكلم من أهل المدن أو البادية، لدرجة أن من كان يريد أن يظهر انتمائه إلى أهل البادية كان "يحاكيهم في النطق بها"، مما يشير إلى أن اللغة وسيلة انتماء وليست وسيلة تواصل فحسب.

وكما تحدث ابن خلدون عن وظائف اللغة فإنه أشار إلى بعض العوائق التي يمكن أن تقف عقبة أمام استخدام اللغة استخداما ناجعا، ونذكر منها العوائق الثلاثة الآتية:

أولا، بالنسبة لوظيفة الفهم تكلم ابن خلدون عن التعلم بلغة أجنبية وما يسببه من صعوبات تجعل من العسير على طالب العلم فهم العلوم فهما معمقا، وقد ناقش ذلك في فصل عنونه ﺑـ "في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي"، وذكر فيه أن طالب العلم يجب أن يكون مستوعبا لدلالات الكلمات المستخدمة في تخصصه استيعابا عميقا، وهو ما لا يتوفر غالبا لمن ربى على لغة غير تلك التي يتلقى بها علومه، مما يعيق فهم الطالب للعلوم مقارنة بمن يطلبها من أهل اللغة. وكما ذكرنا آنفا فإن فهم معاني ودلالات الكلم شرط أساسي لانكشاف الحجاب اللغوي حتى يتفرغ الطالب لفهم مضمون الكلام.

العائق الثاني الذي ينبغي أن نشير إليه مرتبط بوظيفة التعبير، حيث أكد ابن خلدون أن قدرتنا على التعبير مرتبطة ارتباطا وثيقا بمخالطة اللغة وليس بدراسة قواعدها، فالعربي مثلا لا يستطيع إتقان التعبير بالفصحى دون قراءة وسماع وحفظ الكثير من كلام العرب الفصيح حتى يترسخ في ذهنه كلامهم المطبوع، فيعبر بعد ذلك عن مقصوده على منوال كلامهم دون الحاجة إلى استحضار قواعد اللغة التي يقول ابن خلدون عن معرفتها أنها معرفة بكيفية لا نفس كيفية. والشاهد هنا أن مما يعيق الإنسان عن التعبير السليم باللغة الفصحى التركيز على قواعدها وقوانينها وإهمال جسدها الذي استنبطت منها تلك القواعد والقوانين.

العائق الثالث الذي نذكره هنا يمكن أن يؤثر بالسلب على القدرة على كل من التعبير والفهم، وهو ما يسميه علماء العربية بالتقعر، وهو التصنع وتكلف الكلام وإقحام أدوات الشعر فيه من وزن وقافية وسجع دون مراعاة مقام الكلام. وقد ذكر ابن خلدون أن التقعر انتشر في عصره في المخاطبات السلطانية رغم أن "جلال السلطان، وخطاب الجمهور عن الملوك بالترغيب والترهيب ينافي ذلك ويباينه". وهذا يعني أن التقعر يعيق الكاتب عن التعبير عن مقصوده بوضوح، مما يعيق المتلقي بالتالي عن فهم الرسالة، فلا يتحقق بذلك أحد أهم وظائف اللغة وهو التواصل بين الناس.


تطبيقات معاصرة
قد يقول البعض محقا أن وظائف اللغة التي استنبطناها من مقدمة ابن خلدون معروفة لدى الجميع، إذ من البديهي أن تكون اللغة وسيلة تواصل ووسيلة انتماء، لكننا إذا نظرنا إلى عالمنا اليوم فإننا سنجد العديد من العوائق التي تحد من قدرتنا على استخدام اللغة لتحقيق ما وجدت من أجله.

فعلى سبيل المثال نلاحظ أن التعلم بلغة أجنبية في بعض التخصصات العلمية وبعض الجامعات في دولنا العربية من أكثر ما يعيق الطلاب عن فهم العلوم فهما معمقا، وهم إن فهموها فإن فهمهم لها غالبا ما يكون أقل درجة من فهم أقرانهم ممن كتبت تلك العلوم بلغتهم. وهذا أحد أسباب عدم ازدهار العلوم لدينا، فلكي تزدهر العلوم في بلد ما فإنها يجب أن تكون متاحة للدراسة والفهم أمام أكبر عدد من الطلاب الذين من المفترض أن يفرزوا صفوة من العلماء تساعد على تقدم البلاد علميا. أما ما يحدث لدينا فهو أن صفوة المتبحرين في العلوم، الطبيعية منها على وجه الخصوص، محدودة العدد ضعيفة الأثر، وهي مكونة ممن تمكنوا من التغلب على حجاب اللغة الأجنبية وعلى حجاب المضمون. والمقارنة بين من يتعلم بلغته وقرينه الذي يتعلم بلغة غيره كالمقارنة بين مجموعة من العدائين تجري على طريق منبسط تنافسها مجموعة تجري على طريق جبلي وعر، فيا ترى كم من عدائي المجموعة الثانية سيصل إلى هدفه؟

وإذا افترضنا أن طلاب العلم قادرون على استيعاب العلوم بلغة أجنبية، فماذا عن قدرتهم على نشر تلك العلوم بين عموم أفراد الشعب، وهل هم قاردون على شرح علومهم والتعبير عن مقصودهم دون اللجوء إلى ما ألفوه من كلمات أجنبية؟

وعلى سبيل المثال فقد شاهد الكثيرون منا برنامج نجوم العلوم الذي أطلق لدعم شباب المبتكرين العرب، وكان من اللافت للانتباه أن كثيرا من المتسابقين وأعضاء لجنة التحكيم كانوا يستخدمون العديد من الكلمات الأجنبية عند حديثهم عن الابتكارات المقدمة لدرجة أن القائمين على البرنامج اضطروا إلى ترجمة أجزاء من الحديث ترجمة مكتوبة ظهرت أسفل الشاشة حتى يستطيع المشاهد العربي فهم ما يقال في برنامج من المفترض أنه عربي. أما المشاهد الأمي فلا عزاء له.

وإذا تركنا عوائق التواصل جانبا وانتقلنا إلى الحديث حول وظيفة الانتماء فإننا نجد أنها لا تقل أهمية عن وظيفة التواصل، حيث يمكن  أن ينبئنا نطق معين لبعض الحروف أو الكلمات أو استخدام مفردات بعينها ليس فقط عن بلد المتحدث ولكن أيضا عن طبقته الاجتماعية ومستوى تعليمه ومصادر ثقافته وما إلى ذلك مما يميز الناس عن بعضهم.

والمفترض أن تكون اللغة مظهر انتماء لا وسيلة له، لكننا حين ننظر إلى الواقع نجد أننا نتعمد في كثير من الأحيان الحديث بأسلوب معين مستخدمين عناصر معينة من اللغة لكي نُظهر أننا ننتمي إلى فئة بعينها، أو أننا لا ننتمي إلى جماعة ما، فالشباب مثلا في كثير من البلاد يستخدمون اللغة بطريقة معينة ليظهروا لأقرانهم انتمائهم لفئتهم العمرية. أما أفراد الطبقة الغنية فيستعمل كثير منهم كلاما يختلف بعض الشيء عن كلام باقي أفراد المجتمع طلبا للتمايز.

وليس من المفترض أن يحدث تداخل بين وظيفة التواصل من جهة ووظيفة الانتماء من جهة أخرى، فالفقير يفهم كلام الأغنياء رغم اختلافه عن كلامه لأنه، أي كلام الأغنياء، ليس سوى استخدام مغاير بعض الشيء لنفس اللغة. أما في البلاد المصابة بانفصام لغوي فإننا نجد أن هناك تداخل، بل قل تضاد، بين الوظفتين، حيث يشيع بين أبناء الطبقة الميسورة في تلك البلاد استخدام لغة أجنبية مختلفة عن لغة البلاد الشائعة بين أفراد الشعب، فيكون استخدام تلك اللغة الأجنبية بين علية القوم عقبة أمام قدرة عموم الشعب على التواصل الفعال معهم، ويكون هذا التمايز المتطرف عائقا أمام استخدام اللغة لتحقيق وظيفتها الأهم وهي التواصل بين الناس.

ومن مظاهر فرض التمايز اللغوي المعيق للتواصل بين الناس في عصرنا الحالي ما نلاحظه من مجهودات حثيثة يقوم بها بعض اللغويين بمعاونة بعض المنظمات المهتمة بالتنوع اللغوي حول العالم لحث متحدثي تلك اللغات المهددة بالانقراض على التمسك بلغاتهم واستعمالها للحيلولة دون اندثارها. ورغم نبل الهدف إلا أن الداعمين لتلك المحاولات ينسون أن وظيفة اللغة الأساسية هي تمكين الناس من التواصل، وبالتالي فإن من اللازم لسكان قرية نائية أو أفراد قبيلة معزولة أن يتمكنوا من لغة محيطهم الواسع إذا ما أرادوا الاندماج فيه وجني ثمار ذلك الاندماج، وهو ما يتم تلقائيا وطبيعيا خلال جيل أو جيلين على الأكثر إذا زالت الأسباب التي كانت تعيق أو تمنع التواصل. وإذا أدى ذلك الاندماج إلى اندثار لغة ما فلا ينبغي البكاء على أطلالها أو محاولة الحفاظ عليها على حساب مصلحة الناس، خصوصا أنه إذا فقدت لغة محلية فإن ما يحل محلها عادة ما يكون لغة محلية أخرى، مما يجعل اكتسابها سهلا للجميع سواء كانوا من أهلها الأقدمين أو ممن هجروا لغة آبائهم المندثرة، لأن اكتسابها يكون طبيعيا وليس صناعيا كما يحدث مع اللغات الأجنبية.


خاتمة
إذا أردنا تشبيه اللغة بشيء يضاهيها من حيث الأهمية فإننا يمكن أن نشبهها بالأساسات التي توضع قبل البناء، فبدونها يستحيل أن نشيد مبنى. وكما توضع الأساسات قبل البناء فإن اللغة تكتسب في الصغر قبل أن ندخل معترك الحياة بدءً بالمدرسة ثم الجامعة ثم العمل وهلم جرا، فبدون اللغة لا تستقيم الحياة.

لكن اللغة حالها حال الأساسات ليست هدفا بحد ذاته، فكما أن الغرض من وضع الأساسات تشييد البناء لا الأساسات بحد ذاتها، فإننا نكتسب اللغة لنحقق بها مقاصدنا المتنوعة في الحياة وليس لمجرد استخدامها. ولذلك نلاحظ أن ابن خلدون عندما صنف العلوم وضع اللغة ضمن العلوم الآلية التي نسعى إلى تحصيلها لا لذاتها وإنما لنستخدمها من أجل تحصيل العلوم المقصودة لذاتها.

ولأنها للحياة بمنزلة الأساسات للمبنى فإن اللغة يجب أن تكون متاحة للجميع على مختلف مستوياتها التي نحتاجها، فكما نكتسب شقها العامي دون عناء فإن من الضروري أن نكتسب شقها الفصيح بسلاسة أيضا، وهو ما يستلزم أن يكون ذلك الشق الفصيح حاضرا بقوة في مجالاته فنكتسبه اكتسابا طبيعيا دون الدخول في عالم زيد وعمرو الافتراضي.


الخميس، 31 مايو 2012

خلدونيات لغوية: مخالطة الفصحى سبيلا لإتقانها


اشتهر ابن خلدون بأنه مؤسس علم الاجتماع، حيث تحدث في مقدمته الشهيرة عن العديد من الأمور التي تتصل بقيام الدول والعمران البشري وصعود الحضارات واندثارها. وقد اهتم الباحثون وما زالوا بما كتبه ابن خلدون عن التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلوم وغير ذلك من المواضيع التي احتوت عليها المقدمة، إلا أن موضوع اللغة وآراء ابن خلدون فيها لم يحظ بالاهتمام الكافي كما حظيت المواضيع الأخرى. ولذا فسوف نتحدث عن آراء ابن خلدون اللغوية في سلسلة مقالات محاولين شرحها وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها في عصرنا الحالي.
____________________________________________________________


يظن البعض منا أن اللهجات العامية المتداولة في بلادنا ظاهرة حديثة لم تكن موجودة في عصر الحضارة الإسلامية، وأن العرب في ذلك العصر لم يكونوا يخاطبون بعضهم سوى بالفصحى التي لا يشوبها خطأ ولا يستعمل فيها شيء من كلامنا المعاصر.

وقد ساهم في ترسيخ هذا التصور عدة عوامل منها أن ذلك العصر أقرب إلى عصر صدر الإسلام من عصرنا، كما أنه كان عصر حضارة وازدهار وليس عصر تراجع. أضف إلى ذلك أن أغلب ما وصلنا من ذلك العصر وصلنا كتابة وليس مشافهة، والمعروف أن جل ما كتب بالعربية في ذلك العصر كان بالفصحى وليس باللهجات الدارجة.

ولذلك فإننا عندما نتخيل الحياة في ذلك العصر نتصور أناسا يتخاطبون بالفصحى، وربما يكون هذا التصور هو ما يدفع القائمين على المسلسلات التاريخية مثلا إلى اتخاذ الفصحى لغة حوار بين الممثلين بغض النظر عن طبيعة كل مشهد.

لكن دارس العربية يعلم جيدا أن نشوء اللهجات العامية بدأ مبكرا جدا، مما حدا بالكثيرين إلى الاهتمام باللغة العربية حتى صار لدينا النحو والصرف والبلاغة والبيان وما إلى ذلك مما يتصل بعلوم اللغة العربية.

ولقد مثل القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه ابن خلدون مرحلة متقدمة من الاختلاف بين اللهجات الدراجة والفصحى، مما دفع ابن خلدون إلى التفكير في كيفية إتقان الفصحى رغم عدم كونها اللغة الشائعة في المجتمع المكتسبة دون عناء.

ولذلك عقد صاحب المقدمة فصلا في مقدمته بعنوان " في تعليم اللسان المضري"، بدأه بالتأكيد على أن "ملكة اللسان المضري"، أي القدرة على الحديث بالفصحى دون عناء، "قد ذهبت وفسدت"، وأن "لغة أهل الجيل كلهم"، أي لغة أهل عصره، "مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن"، وأنها "لغة أخرى من امتزاج العجمة بها"، أي أن الاختلاف بين العاميات والفصحى صار كبيرا جدا بسبب امتزاج العرب بغيرهم.

وبسبب هذا التباين الكبير بين اللهجات الدارجة والفصحى فإن ابن خلدون اقترح طريقة لإتقان الفصحى وتحصيل ملكتها، وهي كما يشرحها هو كالتالي:

"ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حساب عباراتهم و تأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينهما وبين مقتضيات الأحوال. والذوق يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر. وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا، ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها".

ومعنى هذا الكلام أن على من يريد أن يتقن الفصحى أن يقوم بما يسميه ابن خلدون بمخالطة كلام العرب الفصيح حتى يتمكن بعد فترة من المخالطة من الحديث بالفصحى دون ارتكاب أخطاء لغوية، فمن يقرأ ويستمع إلى الكلام الفصيح ويستعمله كثيرا يستطيع مع مرور الوقت التحدث بالفصحى دون عناء ودون تفكير في ما يجب أن يرفع أو ينصب أو يجر أو يسكن، إذ يصبح الكلام الفصيح سليقة لديه يجري على لسانه حاله حال قدرته على التحدث بلهجته العامية.

ولذلك يتابع ابن خلدون كلامه بالتفريق بين العلم بقواعد اللغة وبين القدرة على تطبيق تلك القواعد تطبيقا صحيحا دون عناء، إذ يؤكد في فصل بعنوان "في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم" أن هناك فرقا شاسعا بين من يحفظ ويفهم قواعد اللغة عن ظهر قلب ويستطيع شرحها بتفاصيلها وبين من يطبق تلك القواعد تطبيقا طبيعيا تلقائيا، فالعلم بقواعد اللغة "علم بكيفية لا نفس كيفية"، و"العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل".

ويبرهن ابن خلدون على كلامه بالقول أننا "نجد كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذوي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيراً ممن يحسن هذه الملكة ويجيد التفنن في المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئاً من قوانين صناعة العربية".

وعليه فإن ابن خلدون يعاود التأكيد في نهاية الفصل على أنه إن أراد أحدهم التمكن من الفصحى فليس له سوى "كثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم".

شواهد
قبل أن ننظر في أية شواهد على كلام ابن خلدون عن الطريقة المثلى لإتقان الفصحى ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة، ألا وهي أن قارئ الجزء الأخير من المقدمة قد يخرج بانطباع مفاده أن ابن خلدون متحامل على نحاة عصره ونحاة العصور المتأخرة عامة، فتارة يتهمهم بأنهم أكثرو اللغو في علم النحو رغم أن الهدف منه تيسير تعلم اللغة التي هي بدورها ليست سوى وسيلة لتحصيل العلوم المقصودة بالذات كما يسميها ابن خلدون، وتارة أخرى يصفهم بأنهم متعصبون متحيزون لتخصصهم بزعمهم أن لهجة أهل البادية في عصر ابن خلدون تختلف اختلافا كبير عن الفصحى لمجرد انتشار التسكين فيها وفقدان الإعراب، وتارة ثالثة يستنكر عليهم استقباحهم القاف البدوية رغم أن استخدام أهل البادية لها أصل في اللغة وليس اختراعا، وذلك لقلة اختلاطهم بغير العرب مقارنة بسكان المدن كما يبين ابن خلدون.

لكن القارئ المتمعن في فكر ابن خلدون لا يسعه إلا أن يرى أن هذا النقد اللاذع للنحاة لا يمثل سوى اتساق خلدوني مع النظريات المطروحة في المقدمة، فابن خلدون وهم مؤسس علم الاجتماع لا يمكنه إلا أن ينظر بعين السخط على كل من يخرج اللغة من سياقها الاجتماعي ويختزلها في مجموعة قوانين دون الأخذ بالاعتبار كونها ظاهرة اجتماعية لا يمكن حبسها في بضعة قواعد منفصلة عن أرض الواقع.

ولذلك نجد أن ابن خلدون لم يكن له موقف سلبي من سيبويه رغم كونه من أعظم نحاة اللغة العربية إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وذلك لأن كتاب سيبويه لم يقتصر على قواعد اللغة فقط، ولكنه احتوى على الكثير من "أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم". ولهذا يرى ابن خلدون أن بإمكان العاكف على كتاب سيبويه أن يستفيد منه في إتقان الفصحى بعكس الكتب المتأخرة المقتصرة على القواعد.

لكن اتساق كلام ابن خلدون مع أفكاره ونظرياته لا يكفي للتثبت من مدى صحة نظريته، ولذلك فإن من الواجب علينا أن ننظر في الشواهد المستقاة من التاريخ والواقع لكي نرى إذا ما كانت مخالطة الفصحى بالفعل السبيل الأمثل لإتقانها. ولذا فإننا نورد النقاط الثلاث التالية:

أولا، إذا نظرنا إلى الكيفية التي يكتسب بها الأطفال اللغة نجد أن تعليم القواعد والتعليم عامة ينعدم فيها، فالطفل يسمع اللغة من حوله ويخالطها ومن ثم يتقنها بعد بضعة أعوام إتقانا تاما دون أن يعرف قواعدها التي غالبا ما يدرسها في المدرسة عندما يكبر.

وإذا كان الفرق بين الفصحى والدارجة في اللغة محل الاكتساب ليس كبيرا، نجد أن التلميذ لا يعاني كثيرا في المدرسة لعدم انفصام لغة الكتاب عن لغة الشارع، إذ يصبح تعلم قواعد اللغة أمرا يسيرا.

وحتى إن كان هناك فرق ملحوظ بين اللهجة العامية والفصحى كما هو الحال في اللغة العربية، فإننا نرى أن العاكفين على الاستماع إلى المواد التي تلقى بالفصحى أقدر على إتقانها رغم عدم اشتمال تلك المواد على دروس نحو. ولذلك نلحظ أن المخالطين للعربية المستخدمة في المحاضرات الدينية مثلا أقدر من غيرهم على الحصول على نصيب من الفصحى لاشتمال تلك المحاضرات على الكثير من الكلام العربي الفصيح. ولهذا السبب ربما نجد أن الحديث بالفصحى أحد الوسائل التي يتبعها البعض للسخرية من الملتزمين بالدين.

ثانيا، يعرف كل مهتم بعلوم اللغة أن القواعد تنبع من اللغة وليس العكس، بمعنى أن النحو ليس سوى نتاج استقراء قواعد اللغة بملاحظة المطرد من استخداماتها. وقد حدث هذا مع جميع اللغات التي دونت قواعدها، فقواعد اللغة العربية نشأت وتطورت عن طريق النظر في كلام العرب واستنباط أحكامه بناء على لغتهم. ولذلك كان نحاة العصور الأول إن اختلفوا في مسألة ردوها إلى أهل البادية من العرب الأقحاح لأنهم كانوا أفصح لغة وأسلم سليقة من أهل المدن لقلة اختلاطهم بغير العرب.

وفي عصرنا هذا نجد العديد من المشتغلين باللغة يذهبون إلى أماكن قاصية للعيش مع متحدثي اللغات ذات الانتشار المحدود والمهددة بالانقراض لكي يتعلمون لغتهم ويضعون نحوها، فإن كان النحو ضرورة لتعلم اللغة فكيف ينجح هؤلاء في مهمتهم؟

ثالثا، ثمة دليل آخر يؤكد أن إتقان الفصحى لا يستلزم معرفة قواعدها، وهو أن اليسير الذي نعرفه من الفصحى اليوم يمكننا في كثير من الأحيان من إعراب العديد من الكلمات إعرابا صحيحا، حيث نرى أن بعض الطلاب عندما يحتارون في إعراب كلمة ما في اختبارات النحو يلجئون إلى نطق الجملة التي فيها تلك الكلمة بصوت منخفض لكي يجربوا وقع رفعها أو نصبها أو جرها على الأذن لعل النذر اليسير من السليقة لديهم يمكنهم من إعراب الكلمة إعرابا صحيحا إن لم تسعفهم معلوماتهم النحوية إلى ذلك.

ولذلك قال الشاعر قديما:

ولست بنحوي يلوك لسانه ... ولكن سليقي أقول فأعرب


خاتمة
 لا ينبغي أن يفهم من الدعوة إلى مخالطة الفصحى من أجل إتقانها أننا هنا بصدد إلغاء النحو أو إهمال تدريسه، لكننا نقول أن دراسة اللغة دون معايشتها بذل للوقت والجهد دون أن يكون هناك مردود كبير على الدارسين.

ولذلك فإن التمكين للفصحى في مجالاتها مهم جدا حتى يسهل علينا مخالطتها باستمرار إلى أن يرتسم في خيالنا منوالها كما يقول ابن خلدون.

وقد تكون مخالطة الفصحى استماعا أهم من قراءة مواد مكتوبة بها، فكلنا يقرأ الفصحى ولكن قليل منا يتقن الحديث بها دون أخطاء وبلا معاناة، والسمع أبو الملكات اللسانية كما يؤكد ابن خلدون.

وهناك تجربة رائعة ومطبقة بنجاح قام بها الأستاذ عبد الله الدنان، حيث ساهم في تأسيس مدارس لا يتحدث فيها المعلمون إلا العربية الفصحى مع التلاميذ مما يمكنهم من اكتسابها طبيعيا قبل دراستهم نحوها بوقت طويل.

وقبل أن يساهم في إنشاء تلك المدارس كان الأستاذ الدنان قد طبق الفكرة على ولده، حيث كان يكلمه بالفصحى وكانت الأم تخاطبه بالعامية، فاكتسب الصغير كليهما دون عناء.

وبالمناسبة فإن قدرة الصغير على اكتساب الفصحى والدارجة وإتقانهما دليل على أنه لا يجب أن ندخل في ذلك الجدال العقيم عن الفصحى واللهجات الدارجة، فلكل مجالاته، ولكن المشكلة ضعف قدرتنا على استخدام الفصحى استخداما صحيحا في مجالاتها وتسرب العامية إلى مجالات الفصحى.

كما لا يجب أيضا أن نعتقد أن تسييد الفصحى في المدرسة كاف، فحتى وإن تحدث المعلمون مع الطلاب بالفصحى طوال الوقت فإن من الضروري أن تسمع الفصحى بكثافة خارج المدرسة أيضا حتى يستطيع الطلاب التعبير بها عن أنفسهم عند الحديث عن أي موضوع وليس فقط عن المواضيع المتعلقة بالعلم والدراسة. وقد أكد ابن خلدون على هذا المعنى بقوله أنه "على قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع".

رحم الله ابن خلدون.