الخميس، 17 سبتمبر، 2009

من تعلم لغة قوم: أمن مكرهم أم أمنوا مكره؟

قرأت منذ أسبوعين مقالا نقديا على موقع الجزيرة بعنوان الحديث ضعيف والأمة ضعيفة ناقش فيه الكاتب ظاهرة استخدام أحاديث ونصوص لم تثبت صحتها من أجل فرض بعض القيم السلبية على مجتمعاتنا وذلك لإقناعنا بأن الأمور محسومة وأن ما باليد حيلة. واستشهد كاتب المقال بحديث: "كما تكونوا يولى عليكم"، وذكر أوجه ضعفه من ناحية السند والمتن وكيف أنه يخالف أحاديث صحيحة مثل حديث كلمة حق عند سلطان جائر وحديث تغيير المنكر، ناهيك عن أنه يخالف التاريخ والواقع. (الرجاء قراءة المقال للفهم والاستزادة).

وبعد أن قرأت المقال بأسبوع عثرت خلال بحث عن مقالات تتعلق بتعلم اللغات على معلومة تصحيحية أخرى، ومفادها أن حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" ليس ضعيفا، وإنما لا أصل له من الأساس حسب ما ذكره الإمام الألباني وحسب ما أكده الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة. والمعلوم أن الكثيرين يتشهدون بهذا الحديث عندما يؤكدون أهمية تعلم لغات كالإنجليزية والفرنسية وحتى عندما يدافعون عن التدريس بتلك اللغات في جامعاتنا بدلا من التدريس بالعربية. وهم إذ يقومون بذلك فإنهم يرمون إلى غلق باب النقاش محتجين بذلك الحديث الموضوع.

ولست من هواة التشكيك بكل الأحاديث، ليس فقط لأنني لست من علماء الحديث ولا أفقه شيئا يذكر عن كيفية تحقيق الأحاديث، وإنما لأني أعلم أن العديد من ذوي النوايا السيئة والمضللين يتخذون من التشكيك بحديث ضعيف أو موضوع حجة للبدء بالتشكيك بكل الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، وهذا مما لا ينبغي لأنه منهج التغريبيين واللبراليين والعلمانيين والانهزاميين وساء أولئك رفيقا.

وإذا عدنا إلى محور هذا المقال لوجدنا أن مقولة "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" مغلوطة، أو على الأقل منقوصة كما سنرى لاحقا، ليس فقط لكونها ليست بحديث، وإنما لأنها لا يمكن أن تفسر ظاهرة حرص العديد من الدول المتقدمة على نشر لغاتها في أنحاء العالم. فهل تحرص دول مثل أمريكا وفرنسا وغيرها على فرض لغاتها على الدول الأخرى حتى تأمن تلك الدول شرها؟ أم حتى تأمن أمريكا وفرنسا مكر تلك الدول؟ وهل يعد مركز مثل المجلس الثقافي البريطاني مجرد معهد لتعليم اللغة الإنجليزية نحج إليه حتى نتعلم الإنجليزية فنأمن مكر الإنجليز؟ أم أنه أداة للترويج للثقافة البريطانية وتحبيبها إلى نفوسنا كما يوحي اسمه بذلك؟

إن ما تقوم به العديد من الدول القوية في عصرنا هذا من نشر للغاتها ليس سوى أحد أوجه استخدامها لما بات يعرف بالقوة الناعمة، وهي ضرب من الإغواء بالثقافة تهدف من خلاله تلك الدول لأن تأمن مكرنا وتروضنا حتى نسلم بحتمية سيادتها علينا وعلى غيرنا دون الحاجة إلى تجييش الجيوش وإطلاق الصواريخ من قبل تلك الدول. فأحيانا يكون قصف العقول أنجع وأقل تكلفة من تدمير البلدان واحتلالها. (راجع هذا التقرير عن مفهوم القوة الناعمة وراجع الصفحات رقم ٦٤ و ٦٥ و ٦٦ للتعرف باختصار على دور اللغة الإنجليزية كقوة ناعمة في الدول العربية).

وقد يحتار القاريء هنا متسائلا: هل يعني ما ذكرته أعلاه أن مجرد تعلمي للغة كالإنجليزية سوف يغير من مفاهيمي ويجعلني تابعا لماما أمريكا؟

الإجابة تكمن في إدراك أن الأعمال بالنيات، فمن كان يريد تعلم لغة قوم ليأمن مكرهم كان له ما أراد حتى وإن كان حديث "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" لا أصل له. ومن كان ينوي تعلم لغة قوم ليضر بها قومه بصورة مباشرة أو غير مباشرة وليغوص في وحل العمالة حصل على مراده. ومن تعلم لغة قوم طلبا لعلم نافع لديهم فلا تثريب عليه. ومن تعلم لغة قوم رغبة في الهجرة إلى بلادهم فهجرته إلى ما هاجر إليه. ومن تعلم لغة قوم ليستعلي بها على قومه ويوهم ذاته بتقدمه وتحضره كان له من التمايز والتقدم الزائفين ما أراد.

والخلاصة أن السؤال الذي عنونت به هذا المقال يحتمل أكثر من إجابة حسب مراد كل منا. ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا جنينا من وراء تعلمنا للغات الآخرين؟ هل أمنا مكرهم؟ أم أن قوتهم الناعمة تدمرنا من حيث لا ندري؟

فكر مليا عزيزي القاريء قبل الإجابة.

هناك 6 تعليقات:

حسن مدني يقول...

عزيزي محمد

قد يكون الحديث المذكور ضعيفاً أو لا أصل له، ولكن هذا لا ينفي صحة المعنى بصورة عامة. فهذا نقاش في نسبة القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس مناقشة في صحة مدلول القول. فالقول صحيح إلى حد كبير. وخاصة إذا كنا نعيش في بلاد يكثر فيها أصحاب لسان غير العربية.
فأنا في البحرين أشعر كثيراً بحاجتي إلى معرفة شيء من الهندية والعجمية. حيث يكثر أهل هذين اللسانين في البلاد، حتى أوشكوا أن يطغوا على لغة أهلها.
ويظل القول صحيحاً على نطاق أوسع، فنحن نرى أن تصريحات بعض القادة في العالم يتم ترجمتها بشكل مخالف تماماً للأصل الذي قيلت به، وفي عالم الصراع الذي نحياه، يجب علينا أن نعرف عدونا، ولغته وفكره. بشرط أن لا نذوب فيه، وأن لا يكون هذا التعلم على حسب لغتنا وفكرنا وثقافتنا.
والغلط الذي يقع، هو أن يكون تعليم اللغات الأخرى على حساب العربية. أما تعلم أي لغة ثانية (بشرط أن تظل ثانية) فهو يساعد كثيراً وخاصة في زمن تأخرنا فيه كثيراً في العلم والحضارة. ونقل هذا العلم منهم إلينا يحتاج إلى معرفة بلغاتهم. بشرط أن نظل عرباً نجيد لغاتاً أخرى. ولا نتحول إلى أعاجم من أصول عربية.

تحياتي

محمد إدريس يقول...

شكرا جزيلا لك أخي حسن على تعليقك الهادف، وأنا أتفق معك تماما على أهمية تعلم اللغات حتى وإن كان الحديث لا أصل له. وهذا ما أكدت عليه في نهاية المقال عندما قلت أن "من كان يريد تعلم لغة قوم ليأمن مكرهم كان له ما أراد حتى وإن كان حديث (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم) لا أصل له".

والمهم إخلاص النية وإيجاد الظروف المناسبة للاستفادة من الآخرين قبل إفادتهم. ولكي يتم ذلك فإنه من الضروري تعريب جميع مناحي الحياة في بلادنا العربية وعدم فرض اللغات الأجنبية في القطاعات الحيوية.

ودمتم

Ahmed Elkasass يقول...

على العموم كما قلت النية هى الاساس فقد ينوى المرء تعلم اللغة ليتزوج امرأة

أو ينويها لدعوة القوم للاسلام

أو لدعم العلاقات بين الدول

أو حرب المعلومات

كلهانوايا ومقاصد لتعليم اللغات

وإنماالعبرة بما أنجزه تعلم اللغات

محمد إدريس يقول...

الله ينور عليك

وكما قلت فإنه يجب أن يكون لدينا هدفاً واضحاً من تعلم اللغات حتى لا نتعلمها للاستفادة من علوم الآخرين مثلاً ومن ثم نستخدمها لاستبدال ثقافاتنا بثقافاتهم


تحياتي

ماجد الحمدان يقول...

كنت أسمع حديث من تعلم لغة قوم أمن مكرهم فاستغرب من كونه حديث للرسول. وهو ليس الحديث الوحيد الذي سبب لنا المشاكل، هناك أحاديث سياسية أكثر خطورة وعبثا.

حقيقة كل التقدير على هذه المدونة العظيمة، أنت تقوم بدور رائع لخدمة اللغة العربية.

شكرا لك عزيزي محمد

وفقك الله

محمد إدريس يقول...

شكرا جزيلا أخي ماجد على تشجيعك.

والحقيقة أننا ينبغي أن نتأكد من صحة الأحاديث قبل ترديدها كالببغوات. والأهم من ذلك أنه يجب علينا أن تكون نظرتنا للوحي والتراث شاملة لا تجزيئية قدر الإمكان، فلا يجوز أن نأخذ من الوحي ما يوافق هوانا ونصمت عن أو نخطأ ما يخالف فكرنا.

ودمتم